فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قلت: رواه الطبري عنهما بأسانيد مقبولة. ونسبه الجصّاص إلى سعيد.
وقال نفطويه وقطرب: التفث: هو الوسخ والدرَن.
ورواه ابن وهب عن مالك بن أنس، واختاره أبو بكر بن العربي وأنشد قطرب لأمية بن أبي الصلت:
حفّوا رؤوسهم لم يَحلقوا تفثًا ** ولم يسلّموا لهم قَمْلًا وصِئْبانا

ويحتمل أن البيت مصنوع لأن أئمة اللّغة قالوا: لم يَجىء في معنى التفث شعر يحتج به.
قال نفطويه: سألت إعرابيًّا: ما معنى قوله: {ثم ليقضوا تفثهم}، فقال: ما أفسّرُ القران ولَكِن نقول للرجل ما أتفثك، أي ما أدرَنَك.
وعن أبي عبيدة: التّفَث: قصّ الأظفار والأخذُ من الشارب وكل ما يحرم على المُحرم، ومثله قوله عكرمة ومجاهد وربما زاد مجاهد مع ذلك: رمي الجمار.
وعن صاحب العين والفراء والزجاج: التفث الرمي، والذبح، والحلق، وقصّ الأظفار والشارب وشعر الإبط.
وهو قول الحسن ونسب إلى مالك بن أنس أيضًا.
وعندي: أن فعل {ليقضوا} ينادي على أن التفث عمل من أعمال الحج وليس وسَخًا ولا ظفرًا ولا شعرًا. ويؤيده ما روي عن ابن عمر وابن عباس آنفًا.
وأن موقع ثمّ في عطف جملة الأمر على ما قبلها ينادي على معنى التراخي الرتبي فيقتضي أنّ المعطوف بـ ثمّ أهم مما ذكر قبلها فإن أعمال الحج هي المهم في الإتيان إلى مكة، فلا جرم أن التفث هو من مناسك الحجّ وهذا الذي درج عليه الحريري في قوله في المقامة المكية: فلمّا قضيت بعون الله التفث، واستبحت الطيبَ والرفث، صادف موسم الخَيف، معمعان الصيف.
وقوله: {وليوفوا نذورهم} أي إن كانوا نذورًا أعمالًا زائدة على ما تقتضيه فريضة الحجّ مثل نذر طواف زائد أو اعتكاف في المسجد الحرام أو نسكًا أو إطعام فقير أو نحو ذلك.
والنذر: التزام قُربة لله تعالى لم تكن واجبة على ملتزِمها بتعليققٍ على حصول مرغوب أو بدون تعليق، وبالنذر تصير القربة الملتزَمة واجبة على الناذر. وأشهر صِيَغِه: لله عليّ...
وفي هذه الآية دليل على أن النذر كان مشروعًا في شريعة إبراهيم، وقد نذر عُمر في الجاهلية اعتكاف ليلة بالمسجد الحرام ووفى به بعد إسلامه كما في الحديث.
وقرأ الجمهور {ولِيُوفوا} بضم التحتية وسكون الواو بعدها مضارع أوفى، وقرأ أبو بكر عن عاصم {وليوَفُّوا} بتشديد الفاء وهو بمعنى قراءة التخفيف لأن كلتا الصيغتين من فعل وفي المزيد فيه بالهمزة وبالتضعيف.
وختم خطاب إبراهيم بالأمر بالطواف بالبيت إيذانًا بأنّهم كانوا يجعلون آخر أعمال الحج الطواف بالبيت وهو المسمّى في الإسلام طواف الإفاضة.
والعتيق: المحرر غير المملوك للناس. شبه بالعبد العتيق في أنه لا ملك لأحد عليه.
وفيه تعريض بالمشركين إذ كانوا يمنعون منه من يشاءون حتى جعلوا بابه مرتفعًا بدون درج لئلا يدخله إلاّ من شاءوا كما جاء في حديث عائشة أيام الفتح.
وأخرج الترمذي بسند حسن أن رسول الله قال: «إنما سمّى الله البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبّار قطّ».
واعلم أنّ هذه الآيات حكاية عما كان في عهد إبراهيم عليه السلام فلا تؤخذ منها أحكام الحجّ والهدايا في الإسلام.
وقرأ الجمهور {ثمّ لْيَقْضوا ولْيُوفُوا ولْيَطَوّفُوا} بإسكان لام الأمر في جميعها.
وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: {وليوفوا ولِيطوّفوا} بكسر اللام فيهما.
وقرأ ابن هشام عن ابن عامر، وأبو عمرو، وورش عن نافع، وقنبلٌ عن ابن كثير، ورويس عن يعقوب: {ثمّ لِيقضوا} بكسر اللاّم.
وتقدّم توجيه الوجهين آنفًا عند قوله تعالى: {ثم ليقطع} [الحج: 15].
وقرأ أبو بكر عن عاصم {ولْيُوفّوا} بفتح الواو وتشديد الفاء من وفي المضاعف. اهـ.

.قال الشنقيطي:

{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإبراهيم مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطائفين والقائمين وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)} أي اذكر حين بوأنا، تقول العرب: بوأت له منزلًا، وبوأته منزلًا، وبوأته في منزل بمعنى واحد كلها بمعنى: هيأته له، ومكنت له فيه، وأنزلته فيه، فتبوأه: أي نزله، وتبوأت له منزلًا أيضًا هيأته له، وأنزلته فيه فبوأه المتعدي بنفسه، كقوله تعالى: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفًَا} [العنكبوت: 58] الآية وقوله: {والذين هَاجَرُواْ فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً} [النحل: 41] الآية ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
كم من أخ لي ماجد ** بوأته بيدي لحدا

أي هيأته له، وأنزلته فيه، وبوأت له كقوله هنا {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم} الآية، وبوأته فيه كقول الشاعر:
وبوئت في صميم معشرها ** وتم في قومها مبوؤها

أي نزلت من الكرم في صميم النسب، وتبوأت له منزلًا كقوله تعالى: {وَأوحينا إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} [يونس: 87] وتبوأه كقوله: {وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نشاء} [الزمر: 74] الآية. وقوله تعالى: {وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} [يوسف: 56] وقوله تعالى: {والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان} [الحشر: 9] الآية. وأصل التبوء. من المباءة: وهي منزل القوم في كل موضع، فقوله: {بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت} أي هيأناه له، وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة، حين أمرنا ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه.
والمفسرون يقولون: بوأه له، وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس، حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسًا، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل: أرسل له مزنة فاستقرت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفرا عن الأساس، فظهر لهما فبنياه عليه. وهم يقولون أيضًا: إنه كان مندرسًا من زمن طوفان نوح، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم، والله تعالى أعلم.
وغاية ما دل عليه القران: أن الله بوأ مكانه لإبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله. وظاهر قوله: حين ترك إسماعيل، وهاجر في مكة {رَبَّنَا إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم} [إبراهيم: 37] يدل على أنه كان مبنيًّا، واندرس، كما يدل عليه قوله هنا {مَكَانَ البيت} لأنه يدل على أن له مكانًا سابقًا، كان معروفًا. والله أعلم.
وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطائفين} الآية متعلق بمحذوف، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة وهي قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ للطائفين} [البقرة: 125] الآية فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت} وعهدنا إليه: أي أوصيناه، أن لا تشرك بي شيئًا وطهر بيتي للطائفين، وزادت آية البقرة: أن إسماعيل مأمور بذلك أيضًا مع أبيه إبراهيم، وإذا عرفت أن المعنى: وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئًا، وطهر بيتي. الآية.
فاعلم أن في أن وجهين:
أحدهما: أنها هي المفسرة، وعليه فتطهير البيت من الشرك، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم: أي والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور.
والثاني: أنها مصدرية بناء على دخلو أن المصدرية على الأفعال الطلبية.
فإنْ قيل: كيف تكون مفسرة للعهد إلى إبراهيم، وهو غير مذكور هنا؟
فالجواب: أنه مذكور في سورة البقرة في المسألة بعينها، والقران يفسر بعضه بعضًا، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا، لأن كلام الله يصدق بعضه بعضًا، والتطهير هنا في قوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} يشمل التطهير المعنوي، والحسي، فيطهره الطهارة الحسية من الأقذار، والمعنوية: من الشرك والمعاصي، ولذا قال: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون الله، وقد قدمنا في سورة الإسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام الفتح، وطهرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنجاس الأوثان وأقذارها. كما أمر الله بذلك إبراهيم هنا وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ أوحينا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم} [النحل: 123] الآية والمراد بالطائفين في هذه الآية: الذين يطوفون حول البيت، والمراد بالقائمين والركع السجود: المصلون أي طهر بيتي للمتعبدين، بطواف، أو صلاة، والركع: جمع راكع، والسجود: جمع ساجد.
وقوله تعالى: في هذه الآية: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} لفظة {شَيْئًا} مفعول به: للا تشرك: أي لا تشرك بي شيئًا من الشركاء كائنًا ما كان، ويحتمل أن تكون ما ناب عن المطلق، من لا تشرك: أي لا تشرك بي شيئًا من الشرك، لا قليلًا، ولا كثيرًا.
فالمعنى على هذا: لا تشرك بي شركًا قليلًا، ولا كثيرًا، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في رواية هشام. بيتي بفتح الياء، وقرأ باقي السبعة بإسكانها.
واعلم أن المؤرخين لهم كلام كثير في قصة بناء إبراهيم، وإسماعيل للبيت، ومن جملة ما يزعمون، أن البيت الحرام رفعه الله إلى السماء أيام الطوفان، وأنه كان من ياقوتة حمراء ودرج على ذلك ناظم عمود النسب فقال:
ودلت إبراهيم مزنة عليه ** فهي على قدر المساحة تريه

وقيل دلته خجوج كنست ** ما حوله حتى بدا ما أسست

قبل الملائك من البناء ** قبل ارتفاعه إلى السماء

ومعلوم أن هذا ونحوه شبيه بالاسرائيليات لا يصدق منه إلا ما قام دليل من كتاب، أو سنة على صدقه، ولذلك نقلل من ذكر مثل ذلك في الغالب.
مسألة:
يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية، ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضي الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات.
ولا شك أن دخول المصورين في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام بآلات التصوير يصورون بها الطائفين والقائمين والركع السجود: أن ذلك مناف لما أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطائفين والقائمين والركع السجود، فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التصوير عنده لا يجوز. لأن تصوير الإنسان دلت الأحاديث الصحيحة على أنه حرام، وظاهرها العموم في كل أنواع التصوير. ولا شك أن ارتكاب أي شيء حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من الأقذار، والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها. وكذلك ما يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه، ولا تركه.
ونرجو الله لنا ولمن ولاه الله أمرنا، ولإخواننا المسلمين التوفيق إلى ما يرضيه في حرمه، وسائر بلاده، إنه قريب مجيب.
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)}.
الأذان في اللغة: الإعلام: ومنه قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر} [التوبة: 3] وقول الحارث بن حلزة:
آذنتنا بينها أسماء ** رب ثاوٍ يمل منه الثواء

والحج في اللغة: القصد، وكثرة الاختلاف، والتردد: تقول العرب: حج بنو فلان فلانًا: إذا قصدوه، وأطالوا الاختلاف إليه، والتردد عليه. ومنه قول المخبل السعدي:
ألم تعلمي يا أم أسعد أنما ** تخاطأني ريب المنون لأكبرا

وأشهد من عوف حلولًا كثيرة ** يحجون سب الزبرقان المزعفرا

قوله: يحجون يعني: يكثرون قصده، والاختلاف إليه، والتردد عليه. والسب بالكسر: العمامة. وعنى بكونهم يحجون عمامته: أنهم يحجونه، فكنى عنه بالعمامة. والرجال في الآية: جمع راجل، وهو الماشي على رجليه، والضامر: البعير ونحوه. المهزول: الذي أتعبه السفر. وقوله: {يَأْتِينَ} يعني: الضوامر المعبر عنها بلفظ كل ضامر، لأنه في معنى: وعلى ضوامر يأتين من كل فج عميق، لأن لفظة {كُلَّ} صيغة عموم، يشمل ضوامر كثيرة: والفج: الطريق، وجمعه: فجاج: ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] والعميق: البعيد، ومنه قول الشاعر:
إذا الخيل جاءت من فجاجٍ عميقةٍ ** يمد بها في السير أشعث شاحب

وأكثر ما يستعمل العمق في البعد سفلًا، تقول: بئر عميقة: أي بعيدة القعر: والخطاب في قوله: {وَأَذِّن فِي الناس بالحج} لإبراهيم كما هو ظاهر من السياق. وهو قول الجمهور، خلافًا لمن زعم أن الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم، وعلى إبراهيم وسلم، وممن قال بذلك: الحسن، ومال إليه القرطبي، فقوله تعالى: {وَأَذِّن فِي الناس بالحج} أي وأمرنا إبراهيم أن أذن في الناس بالحج: أي أعلمهم، وناد فيهم بالحج: أي بأن الله أوجب عليهم حج بيته الحرام.
وذكر المفسرون أنه لما أَمره ربه، أن يؤذن في الناس بالحج قال: يا رب، كيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم، فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه. وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت، حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
قال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر هذا الكلام: هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والله أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة. انتهى منه.
وقوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} مجزوم في جواب الطلب، وهو عند علماء العربية مجزوم بشرط مقدر، دل عليه الطلب على الأصح: أي إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك.
وإنما قال: {يَأْتُوكَ} لأن المدعو يتوجه نحو الداعي، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج، لأن نداء إبراهيم للحج: أي يأتوك ملبين دعوتك، حاجين بيت الله الحرام، كما ناديتهم لذلك، وعلى قول الحسن الذي ذكر عنه: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
ففي هذه الآية دليل على وجوب الحج، وعلى قول الجمهور، فوجوب الحج بها على هذه الأمة، مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما أوضحناه في سورة المائدة، مع أنه دلت آيات أخر، على أن الإيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضًا على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين} [آل عمران: 97] وقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ} [البقرة: 196] وقوله تعالى: {إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158].