فصل: قال البيضاوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله} وحِّدوه {مَا لَكُم مّنْ إله} معبود {غَيْرُهُ} بالرفع على المحل: وبالجر على اللفظ، والجملة استئناف تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أفلا تخافون عقوبة الله الذي هو ربكم وخالقكم إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء {فَقَالَ الملؤا الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} أي أشرافهم لعوامهم {مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} يأكل ويشرب {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يطلب الفضل عليكم ويترأس {وَلَوْ شَاء الله} إرسال رسول {لأَنزَلَ ملائكة} لأرسل ملائكة {مَّا سَمِعْنَا بهذا} أي بإرسال بشر رسولًا أو بما يأمرنا به من التوحيد وسب آلهتنا والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر {في ءَابائنا الأوَّلين إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} جنون {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حتى حِينٍ} فانتظروا واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه {قَالَ رَبّ انصرنى بِمَا كَذَّبُونِ} فلما أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، والمعنى أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي إذ في نصرته إهلاكهم، أو {انصرني} بدل {ما كذبون} كقولك هذا بذاك أي بدل ذاك والمعنى أبدلني من غنم تكذيبهم سلوة النصرة عليهم {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} أي أجبنا دعاءه فأوحينا إليه {أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا} أي تصنعه وأنت واثق بحفظ الله لك ورؤيته إياك، أو بحفظنا وكلاءتنا كأن معك من الله حفاظًا يكلئونك بعيونهم لئلا يتعرض لك ولا يفسد عليك مفسد عملك ومنه قولهم عليه من الله عين كالئة.
{وَوَحْيِنَا} أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها. رُوي أنه أوحي إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر.
{فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا} أي عذابنا بأمرنا {وَفَارَ التنور} أي فار الماء من تنور الخبز أي أخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار.
روي أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب وكان تنور آدم فصار إلى نوح وكان من حجارة.
واختلف في مكانه فقيل: في مسجد الكوفة. وقيل: بالشام. وقيل: بالهند.
{فاسلك فِيهَا} فأدخل في السفينة {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ} من كلّ أمتي زوجين وهما أمة الذكر وأمة الأنثى كالجمال والنوق والحصن والرماك {اثنين} واحدين مزدوجين كالجمل والناقة والحصان والرمكة.
روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض من كل حفص والمفضل أي من كل أمة زوجين اثنين و{اثنين} تأكيد وزيادة بيان {وَأَهْلَكَ} ونساءك وأولادك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول} من الله بإهلاكه وهو ابنه وإحدى زوجتيه فجيء ب على مع سبق الضار كما جيء باللام مع سبق النافع في قوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين} [الصافات: 171] ونحوها {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} {مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِى في الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} ولا تسألني نجاة الذين كفروا فإني أغرقهم.
{فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك} فإذا تمكنتم عليها راكبين {فَقُلِ الحمد للَّهِ الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين} أمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم.
ولم يقل فقولوا وإن كان {فإذا استويت أنت ومن معك} في معنى إذا استويتم لأنه نبيهم وإمامهم فكان قوله قولهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة {وَقُلْ} حين ركبت على السفينة أو حين خرجت منها {رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا} أي إنزالًا أو موضع إنزال {منزلًا} أبو بكر أي مكانًا {مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين} والبركة في السفينة النجاة فيها وبعد الخروج منها كثرة النسل وتتابع الخيرات {إِنَّ في ذَلِكَ} فيم فعل بنوح وقومه {لأَيَاتٍ} لعبرًا ومواعظ {وَإِنْ} هي المخففة من المثقلة واللام هي الفارقة بين النافية وبينها والمعنى وإن الشأن والقصة {كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد، أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذكر كقوله تعالى: {وَلَقَدْ تركناها ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 15].
{ثُمَّ أَنشَأْنَا} خلقنا {مّن بَعْدِهِمْ} من بعد نوح {قرنًا آخرين} هم عاد قوم هود ويشهد له قول هود {واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69] ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في الأعراف و هود و الشعراء {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ} الإرسال يعدى ب إلى ولم يعد ب في هنا وفي قوله: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ} [الرعد: 30] {وَمَا أَرْسَلْنَا في قَرْيَةٍ} [الأعراف: 94] ولكن الأمة والقرية جعلت موضعا للإرسال كقول رؤبة:
أرسلت فيها مصعبًا ذا إقحام

{رَسُولًا} هو هود {مِنْهُمْ} من قومهم {أَنِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أن مفسرة ل {أرسلنا} أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله.
{وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ} ذكر مقالة قوم هود في جوابه في الأعراف وهود بغير واو لأنه على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه؟ فقيل له: قالوا كيت وكيت، وهاهنا مع الواو لأنه عطف لما قالوه على ما قاله الرسول، ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل وليس بجواب للنبي صلى الله عليه وسلم متصل بكلامه ولم يكن بالفاء، وجيء بالفاء في قصة نوح لأنه جواب لقوله واقع عقيبه {الذين كَفَرُواْ} صفة للملأ أو لقومه {وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الآخرة} أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك {وأترفناهم} ونعمناهم {في الحياة الدنيا} بكثرة الأموال والأولاد {مَا هذا} أي النبي {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} أي منه فحذف لدلالة ما قبله عليه أي من أين يدعي رسالة الله من بينكم وهو مثلكم {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مّثْلَكُمْ} فيما يأمركم به وينهاكم عنه {إِنَّكُمْ إِذًا} واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم {لخاسرون} بالانقياد لمثلكم، ومن حمقهم أنهم أبوا اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم.
{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ} بالكسر: نافع وحمزة وعلي وحفص، وغيرهم بالضم {وَكُنتُمْ تُرَابًا وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} مبعوثون للسؤال والحساب والثواب والعقاب وثنى {أنكم} للتأكيد، وحسن ذلك للفصل بين الأول والثاني بالظرف و{مخرجون} خبر عن الأول والتقدير: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا. اهـ.

.قال البيضاوي:

{بسم الله الرحمن الرحيم}.
{قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون}.
قد فازوا بأمانيهم وقد تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه وتدل على ثباته إذا دخلت على الماضي، ولذلك تقربه من الحال ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك من فضل الله صدرت بها بشارتهم، وقرأ ورش عن نافع {قَدْ أَفْلَحَ} بإلقاء حركة الهمزة على الدال وحذفها، وقرئ {أفلحوا} على لغة: أكلوني البراغيث، أو على الإِبهام والتفسير، و{أَفْلَحَ} بالضم اجتزاء بالضمة عن الواو و{أَفْلَحَ} على البناء للمفعول.
{الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خاشعون} خائفون من الله سبحانه وتعالى متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي رافعًا بصره إلى السماء، فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده وأنه رأى رجلًا يعبث بلحيته فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه».
{والذين هُمْ عَنِ اللغو} عما لا يعنيهم من قول أو فعل. {مُّعْرِضُونَ} لما بهم من الجد ما شغلهم عنه، وهو أبلغ من الذين لا يلهون من وجوه جعل الجملة اسمية وبناء الحكم على الضمير، والتعبير عنه بالاسم وتقديم الصلة عليه وإقامة الإِعراض مقام الترك ليدل على بعدهم عنه رأسًا مباشرة وتسببًا وميلًا وحضورًا، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه وكذلك قوله: {والذين هُمْ للزكواة فاعلون} وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنية والمالية والتجنب عن المحرمات وسائر ما توجب المروءة اجتنابه، والزكاة تقع على المعنى والعين والمواد الأول لأن الفاعل فاعل الحدث لا المحل الذي هو موقعه أو الثاني على تقدير مضاف.
{والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون} لا يبذلونها.
{إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم} زوجاتهم أو سرياتهم، و{على} صلة ل {حافظون} من قولك احفظ على عنان فرسي، أو حال أي حافظوها في كافة الأحوال إلا في حال التزوج أو التسري، أو بفعل دل عليه غير ملومين وإنما قال: ما إجراء للماليك مجرى غير العقلاء إذ الملك أصل شائع فيه وإفراد ذلك بعدم تعميم قوله: {والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ} لأن المباشرة أشهى الملاهي إلى النفس وأعظمها خطرًا. {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} الضمير لحافظون، أو لمن دل عليه الاستثناء أي فإن بذلوها لأزواجهم أو إمائهم فإنهم غير ملومين على ذلك.
{فَمَنِ ابتغى وَرَاء ذلك} المستثنى. {فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون} الكاملون في العدوان.
{والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ} لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق. {راعون} قائمون بحفظها وإصلاحها، وقرأ ابن كثير هنا وفي المعارج {لأمانتهم} على الإِفراد ولأمن الإِلباس أو لأنها في الأصل مصدر.
{والذين هُمْ على صلواتهم يحافظون} يواظبون عليها ويؤدونها في أوقاتها، ولفظ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرر ولذلك جمعه غير حمزة والكسائي، وليس ذلك تكريرًا لما وصفهم به أولًا فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها، وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها.
{أولئك} الجامعون لهذه الصفات. {هُمُ الوارثون} الأحقاء بأن يسموا وُرَّاثًا دون غيرهم.
{الذين يَرِثُونَ الفردوس} بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيمًا لها وتأكيدًا، وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة فيه. وقيل إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار. {هُمْ فِيهَا خالدون} أنث الضمير لأنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة} من خلاصة سلت من بين الكدر. {مِن طِينٍ} متعلق بـ محذوف لأنه صفة ل {سلالة} أو من بيانية أو بمعنى {سلالة} لأنها في معنى مسلولة فتكون ابتدائية كالأولى، والإِنسان آدم عليه الصلاة والسلام خلق من صفوة سلت من الطين، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفًا بعد أدوار. وقيل المراد بالطين آدم لأنه خلق منه والسلالة نطفته.
{ثُمَّ جعلناه} ثم جعلنا نسله فحذف المضاف. {نُّطْفَةٍ} بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة، وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء. {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} مستقر حصين يعني الرحم، وهو في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل للمبالغة كما عبر عنه بالقرار.
{ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً} بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء. {فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً} فصيرناها قطعة لحم. {فَخَلَقْنَا المضغة عظاما} بأن صلبناها. {فَكَسَوْنَا العظام لَحْمًا} مما بقي من المضغة أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها، واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات والجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة، وقرأ ابن عامر وأبو بكر على التوحيد فيهما اكتفاء باسم الجنس عن الجمع، وقرئ بإفراد أحدهما وجمع الآخر. {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا ءَاخَر} وهو صورة البدن أو الروح أو القوى بنفخه فيه أو المجموع، و{ثُمَّ} لما بين الخلقين من التفاوت، واحتج به أبو حنيفة على أن من غصب بيضة أفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر. {فَتَبَارَكَ الله} فتعالى شأنه في قدرته وحكمته. {أَحْسَنُ الخالقين} المقدرين تقديرًا فحذف المميز لدلالة {الخالقين} عليه.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ} لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت دون اسم الفاعل وقد قرئ به.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ} للمحاسبة والمجازاة.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ} سموات لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل بالنعل وكل ما فوقه مثله فهو طريقه، أو لأنها طرق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها. {وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق} عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقات. {غافلين} مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة.