فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45)}.
الآيات: المعجزات، وإضافتها إلى ضمير الجلالة للتنويه بها وتعظيمها.
والسلطان المبين: الحجة الواضحة التي لقنها الله موسى فانتهضت على فرعون وملئه.
والباء للملابسة، أي بعثناه ملابسًا للمعجزات والحجة.
وملأ فرعون: أهل مجلسه وعلماء دينه وهم السحرة.
وإنما جعل الإرسال إليهم دون بقية أمة القبط لأن دعوة موسى وأخيه إنما كانت خطابا لفرعون وأهل دولته الذين بيدهم تصريف أمور الأمة لتحرير بني إسرائيل من استعبادهم إياهم قال تعالى: {فأتِياه فَقُولا إنَّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم} [طه: 47].
ولم يرسلا بشريعة إلى القبط.
وأما الدعوة إلى التوحيد فمقدمة لإثبات الرسالة لهم.
وعطف {فاستكبروا} بفاء التعقيب يفيد أنهم لم يتأملوا الدعوة والآيات والحجة ولكنهم أفرطوا في الكبرياء، فالسين والتاء للتوكيد، أي تكبروا كبرياء شديدة بحيث لم يعيروا آيات موسى وحجته أذنًا صاغية.
وجملة {وكانوا قومًا عالين} معترضة بين فعل {استكبروا} وما تفرع عليه من قوله: {فقالوا} في موضع الحال من فرعون وملئه، أي فاستكبروا بأن أعرضوا عن استجابة دعوة موسى وهارون وشأنهم الكبرياء والعلو، أي كان الكبر خلقهم وسجيتهم.
وقد بينا عند قوله تعالى: {لآياتتٍ لقوم يعقلون} في سورة البقرة (164) أن إجراء وصف على لفظ قوم أو الإخبار بلفظ قوم متبوع باسم فاعل إنما يقصد منه تمكن ذلك الوصف من الموصوف بلفظ قوم أو تمكنه من أولئك القوم.
فالمعنى هنا: أن استكبارهم على تلقي دعوة موسى وآياته وحجته إنما نشأ عن سجيتهم من الكبر وتطبعهم. فالعلو بمعنى التكبر والجبروت.
وسيجيء بيانه عند قوله: {إن فرعون علا في الأرض} في سورة القصص (4).
وبين ذلك بالتفريع بقوله: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} فهو متفرّع على قوله: {فاستكبروا}، أي استكبر فرعون وملؤه عن اتباع موسى وهارون، فأفصحوا عن سبب استكبارهم عن ذلك بقولهم {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون}.
وهذا ليس من قول فرعون ولكنه قول بعض الملإ لبعض، ولما كانوا قد تراوضوا عليه نسب إليهم جميعًا.
وأما فرعون فكان مصغيًا لرأيهم ومشورتهم وكان له قول آخر حكي في قوله تعالى: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمتُ لكم من إله غيري} [القصص: 38] فإن فرعون كان معدودًا في درجة الآلهة لأنه وإن كان بشرًا في الصورة لكنه اكتسب الإلهية بأنه ابن الآلهة.
والاستفهام في {أنؤمن} إنكاري، أي ما كان لنا أن نؤمن بهما وهما مثلنا في البشرية وليسا بأهل لأن يكونا ابنين للآلهة لأنهما جاءا بتكذيب إلهية الآلهة، فكان ملأ فرعون لضلالهم يتطلبون لصحة الرسالة عن الله أن يكون الرسول مباينًا للمرسل إليهم، فلذلك كانوا يتخيلون آلهتهم أجناسًا غريبة مثل جسد آدمي ورأس بقرة أو رأس طائر أو رأس ابن آوى أو جسد أسد ورأس آدمي، ولا يقيمون وزنًا لتباين مراتب النفوس والعقول وهي أجدر بظهور التفاوت لأنها قرارة الإنسانيَّة.
وهذه الشبهة هي سبب ضلال أكثر الأمم الذين أنكروا رسلهم.
واللام في قوله: {لبشرين} لتعدية فعل {نؤمن}.
يقال للذي يصدّق المخبر فيما أخبر به: آمن له، فيعدى فعل آمن باللام على اعتبار أنه صدّق بالخبر لأجْل المخبر، أي لأجل ثقته في نفسه. فأصل هذه اللام لام العلة والأجْل.
ومنه قوله تعالى: {فآمن له لوط} [العنكبوت: 26] وقوله: {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} [الدخان: 21].
وأما تعدية فعل الإيمان بالباء فإنها إذا علق به ما يدل على الخبر تقول: آمنت بأن الله واحد.
وبهذا ظهر الفرق بين قولك: آمنت بمحمد وقولك: آمنت لمحمد.
فمعنى الأول: أنك صدقت شيئًا.
ولذلك لا يقال: آمنت لله وإنما يقال: آمنت بالله.
وتقول: آمنت بمحمد وآمنت لمحمد.
ومعنى الأول يتعلق بذاته وهو الرسالة ومعنى الثاني أنك صدقته فيما جاء به.
و{مثلنا} وصف {لبشرين} وهو مما يصح التزام إفراده وتذكيره دون نظر إلى مخالفة صيغه موصوفه كما هنا.
ويصح مطابقته لموصوفه كما في قوله تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالُكم} [الأعراف: 194].
وهذا طعن في رسالتهما من جانب حالهما الذاتي ثم أعقبوه بطعن من جهة منشئهما وقبيلهما فقالوا: {وقومهما لنا عابدون}، أي وهم من فريق هم عباد لنا وأحط منا فكيف يسوداننا.
وقوله: {عابدون} جمع عابد، أي مطيع خاضع.
وقد كانت بنو إسرائيل خَوَلًا للقبط وخدمًا لهم قال تعالى: {وتلك نعمة تمنُّها على أن عبَّدت بني إسرائيل} [الشعراء: 22].
وتفرع على قولهم التصميمُ على تكذيبهم إياهما المحكي بقوله: {فكذبوهما}، أي أرسى أمرهم على أن كذبوهما، ثم فرّعَ على تكذيبهم أن كانوا من المهلكين إذ أهلكهم الله بالغرق، أي فانتظموا في سلك الأقوام الذين أهلكوا.
وهذا أبلغ من أن يقال: فأهلكوا، كما مر بنا غير مرة.
والتعقيب هنا تعقيب عرفي لأن الإغراق لما نشأ عن التكذيب فالتكذيب مستمر إلى حين الإهلاك.
وفي هذا تعريض بتهديد قريش على تكذيبهم رسولهم صلى الله عليه وسلم لأن في قوله: {من المهلكين} إيماء إلى أن الإهلاك سنة الله في الذين يكذبون رسله. اهـ.

.قال الشعراوي:

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45)}.
تكررت قصة موسى- عليه السلام- كثيرًا ومعه أخوه هارون، كما قال: {اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي} [طه: 31- 32] والبعض يظن أن موسى جاء برسالة واحدة، لكنه جاء برسالتين: رسالة خاصة إلى فرعون ملخّصها: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} [طه: 47].
وجاء له بمعجزات تثبت صِدْق رسالته من الله، ولم يكن جدال موسى لفرعون في مسألة الإيمان جزءًا من هذه الرسالة، إنما جاء هكذا عرضًا في المناقشة التي دارتْ بينهما.
والرسالة الأخرى هي رسالته إلى بني إسرائيل متمثلة في التوراة.
وقوله: {بِآيَاتِنَا} [المؤمنون: 45] قلنا: إن الآيات جمع آية، وهي الشيء العجيب الملفت للنظر الفائق على نظرائه وأقرانه، والذي يكرم ويفتخر به. والآيات إما كونية دالّة على قدرة الله في الخَلْق كالشمس والقمر.. إلخ. كما قال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار} [فصلت: 37].
ومهمة هذه الآيات الكونية أنْ تلفت نظر المخلوق إلى بديع صنع الخالق وضرورة الإيمان به، فمنها نعلم أن وراء الكون البديع خالقًا وقوة تمده وتديره، فَمنْ يمدُّ هذه الشمس بهذه القوة الهائلة؟ إن التيار الكهربائي إذا أنقطع تُطْفأ هذه اللمبة، فمَنْ خلق الشمس من عدم، وأمدِّها بالطاقة من عدم؟
إذن: وراء هذا الكون قوة ما هي؟ وماذا تطلب منا؟ وهذه مهمة الرسول أنْ يُبلغنا، ويُجيب لنا عن هذه الأسئلة.
وتُطلق الآية أيضًا على المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول في البلاغ عن الله.
وتُطلق الآية على آيات القرآن الحاملة للأحكام والحاوية لمنهج الله إلى خَلْقه.
ثم يقول تعالى: {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون: 45] فعطف {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون: 45] على {بِآيَاتِنَا} [المؤمنون: 45] وهذا من عطف الصفة على الموصوف لمزيد اختصاص؛ لأن الآيات هي السلطان، فالسلطان: الحجة. والحجة على الموجود الأعلى آيات الكون، والحجة على صِدْق الرسول المعجزات، والحجة على الأحكام الآيات الحاملة لها.
وسَمَّى معجزة موسى عليه السلام العصا سلطانًا مبينًا أي: محيطًا؛ لأنها معجزة متكررة رأينا لها عدة حالات: فهذه العصا الجافة مرة تنقلب إلى حيّة تلقَفُ الحيّات، ومرة يضرب بها البحر فينفلق، ومرة يضرب بها الحجر فيتفجر منه الماء، وفوق ذلك قال عنها: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 18].
ومن معاني السلطان: القَهْر على عمل شيء أو الإقناع بالحجة لعمل هذا الشيء، لذلك كانت حجة إبليس الوحيدة يوم القيامة أن يقول لأتباعه: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي} [إبراهيم: 22] يعني: كنتم رَهْن الإشارة، إنما أنا لا سلطان لي عليكم، لا سلطانَ قهر، ولا سلطان حجة.
لذلك قال في النهاية: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] والإنسان يصرخ إذا فزَّعه أمر لا حيلة له به، فيصرخ استنفارًا لمعين يُعينه، فمَنْ أسرع إليه وأعانه يقال: أصرخه. يعني: أزال سبب صراخه.
{إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46)}.
{فِرْعَوْنَ} [المؤمنون: 46] لقب لكل مَنْ كان يحكم مصر، مثل كِسْرى في الفرس، وقيصر في الروم، وتكلَّمنا عن معنى الملأ وهي من الامتلاء، والمراد القوم الذين يملؤون العيون مهابةً ومنزلةً، وهم أشراف القوم وصدور المجالس، ومنه قولهم: فلان قَيْد النواظر يعني: مَنْ ينظر إليه لا ينصرف عنه إلى غيره.
وقوله تعالى: {فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ} [المؤمنون: 46] والاستكبار غير التعالى، فالمستكبر يعلم الحكم ويعترف به، لكن يأبى أنْ يطيعه، ويأنف أن يصنع ما أمر به، أما العالي فهو الذي يظن أنه لم يدخل في الأمر من البداية.
ومن هنا جاء قوله تعالى لإبليس لما أبى السجود لآدم: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين} [ص: 75] والعالون هم الملائكة المهيّمون في الله، والذين لا يدرون شيئًا عن آدم وذريته.
{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47)}.
اعترضوا أيضًا هنا على بشرية موسى وهارون كما حدث من الأمم السابقة، إنهم يريدون الرسول مَلَكًَا، كما جاء في موضع آخر: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَاءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولًا} [الإسراء: 94].
ومن الغباء أن يطلبوا ملَكًا رسولًا، فلو جاءهم الرسول ملكًا، فكيف سيكون أسْوة للبشر؟ وكيف سيروْنَه ويتلقّوْن عنه؟ إذن: لابد أنْ يأتيهم في صورة بشر؛ لذلك يقول تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9].
وستظل الشبهة قائمة، فما الذي يجعلك تُصدِّق أنه مَلَك؟
وقوله تعالى: {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] يعني: كيف نؤمن لموسى وهارون وقومهما- أي: بني إسرائيل- خدم لنا، يأتمرون بأمرنا، بل ونُذلّهم ونُذبِّح أولادهم، ونستحيي نساءهم، ونسومهم سوء العذاب؟ وسمّى ذلك عبادة، لأن مَنْ يخضع لإنسان، ويطيع أمره كأنه عبده.
{فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)}.
أي: بالغرق، وهذه قصة مشهورة معروفة، وجعلها الله مُثْلة وعِبرةً. اهـ.