فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الفخر:

أما قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى: {كتب} يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية} [البقرة: 180] وقد كانت الوصية واجبة ومنه الصلوات المكتوبات أي المفردات، وقال عليه السلام: «ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم» والثاني: لفظة {عَلَيْكُمْ} مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [آل عمران: 97] وأما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، قال تعالى: {فارتدا على ءاثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64] وقال تعالى: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ} [القصص: 11] أي اتبعي أثره، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس، ويسمى المقص مقصًا لتعادل جانبيه.
أما قوله تعالى: {فِي القتلى} أي بسبب قتل القتلى، لأن كلمة {فِى} قد تستعمل للسببية كقوله عليه السلام: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضًا في صور كثيرة، وهي إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربيًا أو معاهدًا، وفيما إذا قتل مسلم خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه. اهـ.

.قال الخازن:

القصاص المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح من قص الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل فيفعل به مثل ذلك، فلو قتل رجل رجلًا بعصا أو خنقه أو شدخ رأسه بحجر فمات فيقتل بمثل الذي قتل به وهو قول مالك والشافعي وأحدى الروايتين عن أحمد وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي حنيفة والرواية الثانية عن أحمد {الحر بالحر والعبد وبالعبد والأنثى بالأنثى} ومعناه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم فيقتل كل صنف إذ قتل بمثله الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وبالذكر ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد ولا والد بولد ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر والولد بالوالد هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة قال: سألت عليًا هل عندكم من النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ أن يؤتى الله عبدًا فهمًا في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة قال: العقل وفك الأسير وأن لا يقتل مؤمن بكافر، وقد أخرج مسلم عن علي نحو هذا من غير رواية أبي جحيفة.
العقل هنا هو الدية والعاقلة الجماعة من أولياء القاتل الذين يعقلون. عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل الوالد بالولد» أخرجه الترمذي، وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل الذمي والحر بالعبد وهذه الآية مع الأحاديث حجة لمذهب الشافعي ومن وافقه ويقولون هي مفسرة لما أبهم في قوله: {النفس بالنفس} وأن تلك واردة لحكاية ما كتب على بني إسرائيل في التوراة وهذه الآية خطاب للمسلمين بما كتب عليهم وذهب أصحاب الرأي إلى أن هذه منسوخة بقوله: {النفس بالنفس} وتقتل الجماعة بالواحد يدل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن غلامًا قتل غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. قال البخاري وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه: أن أربعة قتلوا صبيًا فقال عمر مثله. وروى مالك في الموطا عن ابن المسيب أن عمر قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعًا. الغيلة أن يقتل الرجل خديعة ومكرًا من غير أن يعلم ما يراد به. وقوله لقتلهم لو تمالأ أي تعاونوا واجتمعوا عليه.
وقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد، ورضي بالدية أو العفو عنها، أو قبول الدية في قتل العمد من أخيه أي من دم أخيه وأراد بالأخ ولي المقتول، وإنما قيل له أخ لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم والمطالب به. وقيل: إنما ذكره بلفظ الأخوة ليعطف احدهما على صاحبه بما هو ثابت بينهما من الجنسية وأخوة الإسلام. وفي قوله شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سقط القود وثبتت الدية لأن شيئًا من الدم قد بطل {فاتباع بالمعروف} أي فليتبع الولي القاتل بالمعروف فلا يأخذ أكثر من حقه ولا يعنفه {وأداء إليه بإحسان} أي على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه وقيل في تقدير الآية: وإذا عفا ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل، وهو وجوب القصاص فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف وليؤد ما وجب عليه من الدية إلى ولي الدم بإحسان من غير مطل ولا مدافعة. وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرًا وأن الفاسق مؤمن ووجه ذلك من وجوه: الأول إن الله تعالى خاطبه بعد القتل بالإيمان وسماه مؤمنًا بقوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} فسماه مؤمنًا حال ما وجب عليه من القصاص.
وإنما وجب عليه بعد صدور القتل منه وقتل العمد والعدوان من الكبائر بالإجماع فدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن.
الوجة الثاني: أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وولي الدم بقوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} أراد بالأخوة أخوة الإيمان فلولا أن الإيمان باق على القاتل لم تثبت له الأخوة.
الوجه الثالث: أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والعفو لا يليق إلاّ عن المؤمن لا عن الكافر. اهـ.

.قال ابن عاشور:

القصاص بوزن فِعال وهو وزن مصدر فَاعَلَ من القص وهو القطع ومنه قولهم: طائر مقصوص الجناح ومنه سمي المقص لآلة القص أي القطع وقصة الشعر بضم القاف ما يقص منه لأنه يجري في حقين متبادلين بين جانبين يقال قاصّ فلان فلانًا إذا طرح من دين في ذمته مقدارًا بدين له في ذمة الآخر فشبه التناصف بالقطع لأنه يقطع النزاع الناشب قبله، فلذلك سمي القَود وهو تمكينُ ولي المقتول من قَتل قاتِل مولاه قصاصًا قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]، وسميت عقوبة من يجرح أحدًا جُرحًا عمدًا عدوانًا بأن يُجْرح ذلك الجارح مثل ما جَرح غيره قصَاصًا قال تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] وسموا معاملة المعتدي بمثل جرمه قصاصًا {والحرمت قصاص} [البقرة: 194]، فماهية القصاص تتضمن ماهية التعويض والتماثل.
فقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} يتحمّل معنى الجزاء على القتل بالقتل للقاتل وتتحمل معنى التعادل والتماثل في ذلك الجزاء بما هو كالعوض له والمِثل، وتتحمل معنى أنه لا يقتل غير القاتل ممن لا شركة له في قتل القتيل فأفاد قوله: {كتب عليكم} حق المؤاخذة بين المؤمنين في قتل القتلى فلا يذهب حق قتيل باطلًا ولا يُقتل غير القاتل باطلًا، وذلك إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية من إهمال دم الوضيع إذا قتله الشريف وإهمال حق الضعيف إذا قتله القَوي الذي يُخشى قومه، ومن تَحَكُّمهم بطلب قتل غير القاتل إذا قَتَل أحد رجُلًا شريفًا يطلبون قتل رجل شريف مثله بحيث لا يقتلون القاتل إلاّ إذا كان بواء للمقتول أي كفءا له في الشرف والمجد ويعتبرون قيمة الدماء متفاوتة بحسب تفاوت السودد والشرف ويُسمون ذلك التفاوت تكَايُلًا من الكيل، قالت ابنة بهدل بن قرقة الطائي تستثير رهطها على قتل رجل قتل أباها وتَذكر أنها ما كانت تقنع بقتله به لولا أن الإسلام أبطل تكايل الدماء:
أَمَا فِي بَنِي حِصْننٍ من ابننِ كريهة ** مِنَ القوْم طَلاَّببِ الترَّاتتِ غَشَمْشَمِ

فيَقتُلَ جَبْرًا بامرئ لم يكن له ** بَوَاءً ولكن لا تَكايُلَ بالدَّم

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم».
وقد ثبت بهذه الآية شرع القصاص في قتل العمد، وحكمة ذلك ردع أهل العدوان عند الإقدام على قتل الأنفس إذا علموا أن جزاءهم القتل، فإن الحياة أعز شيء على الإنسان في الجبلة فلا تعادل عقوبةٌ القتلَ في الردع والانزجار، ومن حكمة ذلك تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممَّن اعتدى على قتيلهم قال تعالى: {ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا} [الإسراء: 33] أي لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين فيكثر فيه إتلاف الأنفس كما تقدم في الكلام على صدر الآية، ويأتي عند قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179].
وأول دم أقيد به في الإسلام دم رجل من هذيل قتله رجل من بني ليث فأقاد منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو سائر إلى فتح الطائف بموضع يقال له: بَحْرَةُ الرُّغَاء في طريق الطائف وذلك سنة ثمان من الهجرة.
و{في} من قوله: {في القتلى}، للظرفية المجازية والقصاص لا يكون في ذوات القتلى، فتعين تقدير مضاف وحذفُه هنا ليشمل القصاص سائر شئون القتلى وسائر معاني القصاص فهو إيجاز وتعميم.
وجمع {القتلى} باعتبار جمع المخاطبين أي في قتلاكم، والتعريف في القتلى تعريف الجنس، والقتيل هو من يقتله غيره من الناس والقتل فعل الإنسان إماتة إنسان آخر فليس الميت بدون فعل فاعل قتيلًا.
وجملة {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} بيان وتفصيل لجملة {كُتبَ عليكم القصاص في القتلى} فالباء في قوله: {بالحر} وما بعده، متعلقة بمحذوف دل عليه معنى القصاص والتقدير الحر يقتصُّ أو يقتل بالحر الخ ومفهوم القيد مع ما في الحر والعبد والأنثى من معنى الوصفية يقتضي أن الحر يقتل بالحر لا بغيره والعبد يقتل بالعبد لا بغيره، والأنثى تقتل بالأنثى لا بغيرها.
وقد اتفق علماء الإسلام على أن هذا المفهوم غير معمول به باطراد، لكنهم اختلفوا في المقدار المعمول به منه بحسب اختلاف الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة وفي المراد من هذه الآية ومحمل معناها، ففي الموطأ قال مالك أحسن ما سمعت في هذه الآية أن قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} فهؤلاء الذكور وقوله: {والأنثى بالأنثى} أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة كما يقتل الحر بالحر والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد والقصاص يكون بين النساء كما يكون يبن الرجال. والقصاص أيضًا يكون بين الرجال والنساء. أي وخُصَّت الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة التذكير في قوله: {الحر} وقوله: {العبد} مراد بها خصوص الذكور.
قال القرطبي عن طائفة أن الآية جاءت مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه فبيّنت حكم الحر إذا قتل حرًا والعبد إذا قتل عبدًا والأنثى إذا قتلت أنثى ولم يتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال يبيّنه قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس} [المائدة: 45] الآية. اهـ. وعلى هذا الوجه فالتقييد لبيان عدم التفاضل في أفراد النوع، ولا مفهوم له فيما عدا ذلك من تفاضل الأنواع إثباتًا ولا نفيًا. اهـ.
سؤالان: فإن قيل: قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول: أن القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل، أو على ولي الدم، أو على ثالث، والأقسام الثلاثة باطلة، وإنما قلنا: إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وإنما قلنا: إنه غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك بقوله: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى} [البقرة: 237] والثالث أيضًا باطل لأنه يكون أجنبيًا عن ذلك القتل والأجنبي عن الشي لا تعلق له به.
السؤال الثاني: إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتة، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعًا وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشرعًا بسبب القتل.
والجواب عن السؤال الأول: من وجهين الأول: أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجرى مجراه، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين، والتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه والثاني: أنه خطاب مع القاتل والتقدير: يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع هاهنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضًا أن يستترا بستر الله ولا يقرأ، والفرق أن ذلك حق الآدمي.
وأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه. اهـ.

.قال الفخر:

اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة؛ فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائبًا فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن التوبة مقبولة قال تعالى: {وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عباده ويعفو عن السيآت} [الشورى: 25] وإذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقًا لعقاب، ولأنه عليه السلام قال: «التوبة تمحو الحوبة» فثبت أن شرع القصاص في حق التائب لا يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا: يفعل الله ما يشاء ولا اعتراض عليه في شيء وقالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفًا به ثم سألوا أنفسهم فقالوا: إنه لا تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفًا به؟ وأجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولي المقتول من حيث التشفي ومنفعة لسائر المكلفين من حيث يزجر سائر الناس عن القتل، ومنفعة للقاتل من حيث إنه متى علم أنه لابد وأن يقتل صار ذلك داعيًا له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد. اهـ.
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} ففيه قولان:
القول الأول: إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعًا إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين.
واحتجوا عليه بوجوه الأول: أن الألف واللام في قوله: {الحر} تفيد العموم فقوله: {الحر بِالْحُرّ} يفيد أن يقتل كل حر بالحر، فلو كان قتل حر بعبد مشروعًا لكان ذلك الحر مقتولًا لا بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولًا بالحر الثاني: أن الباء من حروف الجر فيكون متعلقًا لا محالة بفعل، فيكون التقدير: الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر، بل إما أن يكون مساويًا له أو أخص منه، وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كل حر مقتولًا بالحر وذلك ينافي كون حر مقتولًا بالعبد الثالث: وهو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} فلما ذكر عقيبة قوله: {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد} دل ذلك على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة، لأن قوله: {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد} خرج مخرج التفسير لقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى، فوجب أن لا يكون مشروعًا فإن احتج الخصم بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس} [المائدة: 45] فجوابنا أن الترجيح معنا لوجهين أحدهما: أن قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس} شرع لمن قبلنا، والآية التي تمسكنا بها شرع لنا ولا شك أن شرعنا أقوى في الدلالة من شرع من قبلنا وثانيهما: أن الآية التي تمسكنا بها مشتملة على أحكام النفوس على التفصيل والتخصيص، ولا شك أن الخاص مقدم على العام، ثم قال أصحاب هذا القول مقتضى ظاهر هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد، وأن لا تقتل الأثنى إلا بالأنثى، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الاجتماع، وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية، وذلك المعنى غير موجود في قتل الحر بالعبد، فوجب أن يبقى هاهنا على ظاهر اللفظ، أما الإجماع فظاهر، وأما المعنى المستنبط فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه كان أولى، بخلاف الحر فإنه لما قتل بالحر لا يلزم أن يقتل بالعبد الذي هو دونه، وكذا القول في قتل الأثنى بالذكر، فأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع والله أعلم.
القول الثاني: أن قوله تعالى: {الحر بِالْحُرّ} لا يفيد الحصر ألبتة، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أن قوله: {والأنثى بالأنثى} يقتضي قصاص المرأة الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله: {الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد} مانعًا من ذلك لوقع التناقض الثاني: أن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} جملة تامة مستقلة بنفسها وقوله: {الحر بِالْحُرّ} تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وإذا تقدم ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمتنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم عن سائر الصور، ثم اختلفوا في تلك الفائدة فذكروا فيها وجهين الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أن تلك الفائدة بيان إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية على ما روينا في سبب نزول هذه الآية أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك.
واعلم أن للقائلين بالقول الأول أن يقولوا قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} هذا يمنع من جواز قتل الحر بالعبد لأن القصاص عبارة عن المساواة، وقتل الحر بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة لأنه زائد عليه في الشرف وفي أهلية القضاء والإمامة والشهادة فوجب أن لا يكون مشروعًا، أقصى ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل والشريف بالخسيس، إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع على الأصل، ثم إن سلمنا أن قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} يوجب قتل الحر بالعبد، إلا أنا بينا أن قوله: {بِالْحُرّ والعبد بالعبد} يمنع من جواز قتل الحرب بالعبد؛ هذا خاص وما قبله عام والخاص مقدم على العام لاسيما إذا كان الخاص متصلًا بالعام في اللفظ فإنه يكون جاريًا مجرى الاستثناء ولا شك في وجوب تقديمه على العام.
الوجه الثاني: في بيان فائدة التخصيص ما نقله محمد بن جرير الطبري عن علي بن أبي طالب والحسن البصري، أن هذه الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص، أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعًا بين الحر والعبد، وبين الذكر والأنثى، فهناك لا يكتفي بالقصاص بل لابد فيه من التراجع، وقد شرحنا هذا القول في سبب نزول هذه الآية، إلا أن كثيرًا من المحققين زعموا أن هذا النقل لم يصح عن علي بن أبي طالب وهو أيضًا ضعيف عند النظر لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد ولا تراجع، فكذلك يقتل الذكر بالأنثى ولا تراجع، ولأن القود نهاية ما يجب في القتل فلا يجوز وجوب غيره معه. اهـ.
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان} فاعلم أن الذين قالوا: موجب العمد أحد أمرين إما القصاص وإما الدية تمسكوا بهذه الآية وقالوا الآية تدل على أن في هذه القصة عافيًا ومعفوًا عنه، وليس هاهنا إلا ولي الدم والقاتل، فيكون العافي أحدهما ولا يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق وذلك إنما يتأتى من الولي الذي له الحق على القتل، فصار تقدير الآية: فإذا عفي ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف، وقوله: {شَئ} مبهم فلابد من حمله على المذكور السابق وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام، فصار تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص، فليتبع القاتل العافي بالمعروف، وليؤد إليه مالًا بإحسان، وبالإجماع لا يجب أداء غير الدية، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو المال، ولو لم يكن كذلك لما كان المال واجبًا عند العفو عن القود، ومما يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: {ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ} أي أثبت الخيار لكم في أخذ الدية، وفي القصاص رحمة من الله عليكم، لأن الحكم في اليهود حتم القصاص والحكم في النصارى حتم العفو فخف عن هذه الأمة وشرع لهم التخيير بين القصاص والدية، وذلك تخفيف من الله ورحمة في حق هذه الأمة لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجًا إلى المال، وقد يكون القود آثر إذا كان راغبًا في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه، فجعل الخيرة له فيما أحبه رحمة من الله في حقه.
فإن قيل: لا نسلم أن العافي هو ولي الدم وقوله العفو إسقاط الحق وذلك لا يليق إلا بولي الدم.
قلنا: لا نسلم أن العفو هو إسقاط الحق، بل المراد من قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَئ} أي فمن سهل له من أخيه شيء، يقال: أتاني هذا المال عفوًا صفوًا، أي سهلًا، ويقال: خذ ما عفا، أي ما سهل، قال الله تعالى: {خُذِ العفو} فيكون تقدير الآية: فمن كان من أولياء الدم وسهل له من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في مطالبة ذلك المال وليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان من غير مطل ولا مدافعة، فيكون معنى الآية على هذا التقدير: إن الله تعالى حث الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفوا عن القود.
سلمنا أن العافي هو ولي الدم، لكن لم لا يجوز أن يقال: المراد هو أن يكون القصاص مشتركًا بين شريكين فيعفو أحدهما فحينئذ ينقلب نصيب الآخر مالًا فالله تعالى أمر الشريك الساكت باتباع القاتل بالمعروف، وأمر القاتل بالأداء إليه بإحسان.
سلمنا أن العافي هو ولي الدم سواء كان له شريك أو لم يكن، لكن لم لا يجوز أن يقال: إن هذا مشروط برضا القاتل، إلا أنه تعالى لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتًا لا محالة لأن الظاهر من كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه لأنه إذا قتل لا يبقى له لا النفس ولا المال أما بذل المال ففيه إحياء النفس، فلما كان هذا الرضا حاصلًا في الأعم الأغلب لا جرم ترك ذكره وإن كان معتبرًا في النفس الأمر.
والجواب: حمل لفظ العفو في هذه الآية على إسقاط حق القصاص أولى من حمله على أن يبعث القاتل المال إلى ولي الدم، وبيانه من وجهين الأول: أن حقيقة العفو إسقاط الحق، فيجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعًا للاشتراك، وحمل اللفظ في هذه الآية على إسقاط الحق أولى من حمله على ما ذكرتم، لأنه لما تقدم قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} كان حمل قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَئ} على إسقاط حق القصاص أولى، لأن قوله: {شَئ} لفظ مبهم وحمل هذا المبهم على ذلك المعنى الذي هو المذكور السابق أولى الثاني: أنه لو كان المراد بالعفو ما ذكرتم، لكان قوله: {فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان} عبثًا لأن بعد وصول المال إليه بالسهولة واليسر لا حاجة به إلى اتباعه، ولا حاجة بذلك المعطي إلى أن يؤمر بأداء ذلك المال بالإحسان.
وأما السؤال الثاني فمدفوع من وجهين الأول: أن ذلك الكلام إنما يتمشى بفرض صورة مخصوصة، وهي ما إذا كان حق القصاص مشتركًا بين شخصين ثم عفا أحدهما وسكت الآخر، والآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق، فحمل اللفظ المطلق على الصورة الخاصة المفيدة خلاف الظاهر والثاني: أن الهاء في قوله: {وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان} ضمير عائد إلى مذكور سابق، والمذكور السابق هو العافي، فوجب أداء هذا المال إلى العافي، وعلى قولكم: يجب أداؤه إلى غير العافي فكان قولكم باطلًا.
وأما السؤال الثالث أن شرط الرضا إما أن يكون ممتنع الزوال، أو كان ممكن الزوال، فإن كان ممتنع الزوال، فوجب أن يكون مكنة أخذ الدية ثابتة لولي الدم على الإطلاق، وإن كان ممكن الزوال كان تقييد اللفظ بهذا الشرط الذي ما دلت الآية على اعتباره مخالفة للظاهر وأنه غير جائز. اهـ.