فصل: (سورة المؤمنون: الآيات 102- 104).

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



. [سورة المؤمنون: الآيات 102- 104].

{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (104)}.
عن ابن عباس: الموازين: جمع موزون؟ وهي الموزونات من الأعمال: أى الصالحات، التي لها وزن وقدر عند اللّه، من قوله تعالى: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا} {فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ} بدل {من خسروا أنفسهم} ولا محلّ للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محلّ لها. أو خبر بعد خبر لأولئك. أو خبر مبتدإ محذوف {تَلْفَحُ} تسفع. وقال الزجاج: اللفح والنفح واحد، إلا أنّ اللفح أشدّ تأثيرا. والكلوح: أن تتقلص الشفتان وتتشمرا عن الأسنان، كما ترى الرءوس المشوية. وعن مالك بن دينار: كان سبب توبة عتبة الغلام أنه مرّ في السوق برأس أخرج من التنور فغشى عليه ثلاثة أيام ولياليهنّ. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته» وقرئ: {كلحون}.

. [سورة المؤمنون: الآيات 105- 108].

{أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (105) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (106) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (107) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (108)}.
{غَلَبَتْ عَلَيْنا} ملكتنا، من قولك: غلبني فلان على كذا، إذا أخذه منك وامتلكه. والشقاوة سوء العاقبة التي علم اللّه أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم. قرئ {شِقْوَتُنا} و{شقاوتنا} بفتح الشين وكسرها فيهما {اخْسَؤُا فِيها} ذلوا فيها وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت. يقال: خسأ الكلب وخسأ بنفسه. {وَلا تُكَلِّمُونِ} في رفع العذاب، فإنه لا يرفع ولا يخفف. قيل: هو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. وعن ابن عباس: إنّ لهم ست دعوات: إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة: {رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا} فيجابون: {حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} فينادون ألفا {رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْن}، فيجابون: {ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُم}، فينادون ألفا: {يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} فيجابون: {إِنَّكُمْ ماكِثُونَ} فينادون ألفا: {رَبَّنا أَخِّرْنا} فيجابون: {أَوَ لَمْ تَكُونُو}، فينادون ألفا: {رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا} فيجابون: {أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ} فينادون ألفا: {رَبِّ ارْجِعُونِ} فيجابون: {اخْسَؤُا فِيها}.

. [سورة المؤمنون: الآيات 109- 111].

{إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (111)}.
في حرف أبىّ: {أنه كان فريق}، بالفتح، بمعنى: لأنه.
السخرىّ- بالضم والكسر-: مصدر سخر كالسخر، إلا أن في ياء النسب زيادة قوّة في الفعل، كما قيل الخصوصية في الخصوص. وعن الكسائي والفراء: أنّ المكسور من الهزء، والمضموم من السخرة والعبودية، أى: تسخروهم واستعبدوهم، والأوّل مذهب الخليل وسيبويه. قيل: هم الصحابة وقيل أهل الصفة خاصة. ومعناه: اتخذتموهم هزؤا وتشاغلتم بهم ساخرين {حَتَّى أَنْسَوْكُمْ} بتشاغلكم بهم على تلك الصفة {ذِكْرِي} فتركتموه، أى: تركتم أن تذكرونى فتخافونى في أوليائى. وقرئ {أَنَّهُمْ} بالفتح، فالكسر استئناف، أى: قد فازوا حيث صبروا، فجزوا بصبرهم أحسن الجزاء. وبالفتح على أنه مفعول جزيتهم، كقولك: جزيتهم فوزهم.

. [سورة المؤمنون: الآيات 112- 114].

{قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ (112) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)}.
{قالَ} في مصاحف أهل الكوفة. وقل: في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام، ففي {قالَ} ضمير اللّه أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وفي {قل} ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار.
استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة إليها. أو لأنهم كانوا في سرور، وأيام السرور قصار، أو لأنّ المنقضى في حكم ما لم يكن، وصدقهم اللّه في مقالهم لسنى لبثهم في الدنيا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. وقرئ {فَسْئَلِ الْعادِّينَ} والمعنى: لا نعرف من عدد تلك السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوما أو بعض يوم، لما نحن فيه من العذاب، وما فينا أن نعدّها، فسل من فيه أن يعدّ، ومن يقدر أن يلقى إليه فكره. وقيل: فسل الملائكة الذين يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم. وقرئ: {العادين} بالتخفيف، أى: الظلمة، فإنهم يقولون كما نقول. وقرئ: {العاديين} أى: القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟ وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.

. [سورة المؤمنون: الآيات 115- 118].

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتعالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)}.
{عَبَثًا} حال، أى: عابثين، كقوله: {لاعِبِينَ} أو مفعول له، أى: ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك، وهي: أن نتعبدكم ونكلفكم المشاق من الطاعات وترك المعاصي، ثم نرجعكم من دار التكليف إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن ونعاقب المسيء {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ} معطوف على {أَنَّما خَلَقْناكُمْ} ويجوز أن يكون معطوفا على {عَبَثًا} أى: للعبث، ولترككم غير مرجوعين. وقرئ {تُرْجَعُونَ} بفتح التاء {الْحَقُّ} الذي يحق له الملك، لأن كل شيء منه وإليه. أو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه. وصف العرش بالكرم لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة. أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، كما يقال: بيت كريم، إذا كان ساكنوه كراما. وقرئ {الكريم} بالرفع. ونحوه: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} {لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ} كقوله: {ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا} وهي صفة لازمة، نحو قوله: {يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} جيء بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان. ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء، كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحق بالإحسان منه، فاللّه مثيبه. وقرئ: {أنه لا يفلح} بفتح الهمزة. ومعناه: حسابه عدم الفلاح، والأصل: حسابه أنه لا يفلح هو، فوضع {الكافرون} موضع الضمير، لأنّ {مَنْ يَدْعُ} في معنى الجمع، وكذلك {حِسابُهُ} {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ} في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون.
جعل فاتحة السورة: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} وأورد في خاتمتها {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ} فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.
عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالروح والريحان وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت».
وروى: أنّ أوّل سورة قد أفلح وآخرها من كنوز العرش، من عمل بثلاث آيات من أوّلها، واتعظ بأربع آيات من آخرها: فقد نجا وأفلح وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى يسمع عنده دوىّ كدوىّ النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يده وقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا» ثم قال «لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة» ثم قرأ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} حتى ختم العشر. اهـ.

.قال الخازن:

{ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر}.
أي قحط وجدوبة {للجوا} أي لتمادوا {في طغيانهم يعمهون} أي لم ينزعوا عنه {ولقد أخذناهم بالعذاب} وذلك أنّ النبيّ دعا على قريش أن يجعل الله عليهم سنين كسني يوسف فأصابهم القحط.
فجاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال بلى فقال: إنهم قد أكلوا القد والعظام وشكا إليه الضر فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط فدعا فكشف عنهم فأنزل الله هذه الآية {فما استكانوا لربهم} ما خضعوا وما ذلوا لربهم {وما يتضرعون} أي لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم {حتى إذا فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب شديد} قال ابن عباس يعني القتل يوم بدر وقيل الموت وقيل هو قيام الساعة {إذا هم فيه مبلسون} أي آيسون من كل خير.
قوله عز وجلّ {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي لتسمعوا بها وتبصروا وتعقلوا {قليلًا ما تشكرون} أي لم تشكروا هذه النعم {وهو الذي ذرأكم في الأرض} أي خلقكم {وإليه تحشرون} أي تبعثون {وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار} أي تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان وقيل جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض {أفلا تعقلون} أي ما ترون من صنعه فتعتبروا {بل قالوا مثل ما قال الأولون} أي كذبوا كما كذب الأولون، وقيل معناه أنكروا البعث مثل ما أنكر الأولون مع وضوح الأدلة {قالوا أئذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا أئنا لمبعوثون} أي لمحشورون قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب {لقد وعدنا نحن} أي هذا الوعد {وآباؤنا هذا من قبل} أي وعد آباؤنا قوم ذكروا أنهم رسل الله فلم نر له حقيقة {إن هذا إلاّ أساطير الأولين} أي أكاذيب الأولين.
قوله تعالى: {قل} أي يا محمد لأهل مكة {لمن الأرض ومن فيها} من الخلق {إن كنتم تعلمون} أي خالقها ومالكها {سيقولون لله} أي لابد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة لله {قل} أي قل لهم يا محمد إذا أقروا بذلك {أفلا تذكرون} أي فتعلموا أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت {قل رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون} أي عبادة غيره وقيل معناه أفلا تحذرون عقابه {قل من بيده ملكوت كل شيء} أي ملك كل شيء {وهو يجير} أي يؤمن من يشاء {ولا يجار عليه} أي لا يؤمن من أخافه الله وقيل يمنع هو من يشاء من السوء ولا يمتنع منه من أراده بسوء {إن كنتم تعلمون} أي فأجيبوا.
{سيقولون لله قل فأنى تسحرون} أي فأنّى تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته وكيف يخيل لكم الحق باطلًا {بل أتيناهم بالحق} أي بالصدق {وإنهم لكاذبون} أي فيما يدعون من الشريك والولد {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} أي من شريك {إذًا لذهب كل إله بما خلق} أي لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ومنع كل إله الآخر عن الاستيلاء على ما خلقه هو {ولعلا بعضهم على بعض} أي طلب بعضه مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم وإذا كان كذلك فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء ويقدر على كل شيء ثم نزه نفسه تعالى فقال: {سبحان الله عمّا يصفون} أي من إثبات الولد والشريك {عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون} أي تعظم من أن يوصف بما لا يليق به.
قوله عز وجلّ {قل رب} أي يا رب {إما تريني ما يوعدون} أي ما وعدتهم من العذاب {رب} أي يا رب {فلا تجعلني في القوم الظالمين} أي تهلكني بهلاكهم {وإنا على أن نريك ما نعدهم} أي من العذاب {لقادرون ادفع بالتي هي أحسن} يعني بالخلة التي هي أحسن وهي الصفح والإعراض والصبر {السيئة} يعني أذاهم أمر بالصبر على أذى المشركين والكف عن المقاتلة ثم نسخها الله بآية السيف {نحن أعلم بما يصفون} أي يكذبون ويقولون من الشرك.