فصل: مكاتبة الأرقاء:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وظاهر الأمر بالإنكاح أنّه للوجوب، وبه قال أهل الظاهر، وقال السلف وفقهاء الأمصار إنّه للندب، وصرفه عن ظاهره أمور:
- منها: أنه لو كان تزويج من ذكر في الآية واجبا لشاع العمل به في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وعصر الخلفاء الراشدين من بعده، ولنقل إلينا مستفيضا لعموم الحاجة إليه، مع أنّه قد كان في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والعصور بعده أيامى كثيرون من رجال ونساء، ولم ينكر على واحد ترك تزويجهم.
- ومنها: أنّ الأيم الثيب لو أبت الزواج فلا يجبرها أحد، فلو كان تزويجها واجبا لأجبرها عليه من ثبت عليه الوجوب.
- ومنها: الاتفاق على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده وأمته، فلا يكون تزويجهما واجبا عليه، والظاهر أن الحكم في المعطوف عليه، وهو الأيامى من الأحرار كذلك، إذ صيغة الطلب واحدة.
واستدل الشافعية بظاهر قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ} على أنّه يجوز للولي أن يزوّج البكر البالغة دون رضاها، لأنّهم تأوّلوا الآية على أنّ الخطاب فيها للأولياء، فقد جعلت للولي حقّ تزويج موليته مطلقا، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، وسواء أرضيت أم لم ترض، ولولا أنّ أدلة أخرى جعلت الثيب أحقّ بنفسها لكان حكمها حكم البكر الكبيرة، أنه يجوز تزويجها دون رضاها.
وأنت تعلم أنه ليس في الآية دليل على إهدار رضا الكبيرة، ولا اعتباره، لكن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها» يدل على وجوب استئذانها، واعتبار رضاها، فكان ذلك مخصصا للآية.
وكذلك استدلّوا بها على أنّ المرأة لا تلي عقد النكاح، لأنّ المأمور بتزويجها وليّها فلو جاز لها أن تتولى النكاح بنفسها لفوتت على وليها ما جعله اللّه حقا من حقوقه، ولكنّك قد علمت أنّ الأولى حمل الخطاب في الآية على أنّه خطاب للناس جميعا على معنى ندبهم إلى المساعدة في النكاح، والمعاونة عليه، وعلى هذا فحكم مباشرة العقد ينبغي أن يؤخذ من غير هذه الآية.
واستدل بعض الحنفية بظاهر قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ} على أنه يجوز للحر أن يتزوج بالأمة مطلقا، ولو كان مستطيعا طول الحرة.
ويقول الشافعية: إنّ قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ} [النساء: 25] أخصّ من الآية التي معنا، والخاصّ مقدّم على العام، فلا يجوز لمن وجد طول الحرة أن يتزوج أمة، كما تقدم ذلك في سورة النساء مفصّلا.
وقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ} يتناول بظاهره جميع الأيامى، إلا أنّهم أجمعوا على أنّه لابد لهذا من شروط: ألا تكون المرأة محرما للزوج بنسب أو رضاع أو مصاهرة، ولا أخت زوجته، ولا عمتها، ولا خالتها، ولا بنت أخيها، ولا بنت أختها، إلى غير ذلك من الشروط التي تكفّلت بها الآيات والأحاديث الصحيحة.
واستدلّ العلماء بقوله تعالى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} على أنه يجوز للمولى أن يزوج عبده وأمته دون رضاهما، لأنّ الآية جعلت للسيد حقّ تزويج كلّ منهما، ولم تشترط رضاهما.
{إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} اختار بعض المفسرين أنّ الكناية في قوله تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ} راجعة إلى الأيامى من الأحرار والحرائر والصالحين من العبيد والإماء، وعلى ذلك يكون المراد من الإغناء التوسعة ودفع الحاجة، سواء أكان ذلك بملك ما يحصل به الغنى أم لا. واختار آخرون أنّها راجعة إلى الأيامى من الأحرار والحرائر خاصة، لأنّ قوله تعالى: {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ظاهر في أن يملكهم ما يحصل به الغنى، وتندفع به الحاجة، والأرقاء لا يملكون، فليسوا مرادين في الآية.
وظاهر الجملة الشرطية أنها وعد من اللّه تعالى بالغنى للمتزوج.
وقد نقل عن كثير من الصحابة والتابعين ما يدلّ على أنهم أجروا الآية على ظاهرها، وأنها عدة كريمة من اللّه، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال: أطيعوا اللّه تعالى فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في المصنف عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال: ابتغوا الغنى في النكاح، يقول اللّه تعالى: {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}.
وروي مثل ذلك عن ابن عباس وغيره من علماء السلف.
والأخبار الدالة على وعد الناكح بالغنى كثيرة.
أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ثلاثة حقّ على اللّه عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والمجاهد في سبيل اللّه».
وأخرج الخطيب في تاريخه عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج.
وقد يقال: كيف تبقى الشرطية على ظاهرها، وأنها وعد من اللّه بإغناء الفقراء إذا تزوجوا، مع أننا نرى كثيرا من الفقراء يتزوجون، ويستمر فقرهم، ولا يبسط لهم في الرزق، ووعد اللّه لا يتخلف؟
والجواب: أنّ هذا الوعد مشروط بالمشيئة، كما هو الشأن في مثله. {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ} [التوبة: 28] ويرشد إلى إضمار المشيئة قوله تعالى: {وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} فإنّ المناسب للمقام أن يقال: واسع كريم لكنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل ليفيد أنه يعلم المصلحة، فيبسط الرزق لمن يشاء، ويقدّر لمن يشاء، حسبما تقضي به الحكمة والمصلحة، «إنّ من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغنيته لفسد حاله».
وذهب كثير من المفسرين إلى أنّ هذا ليس وعدا من اللّه بإغناء من يتزوج، بل المقصود الحث على المناكحة، والنهي عن التعليل بفقر المستنكحين، فالمعنى: لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون تزويجها، ففي فضل اللّه ما يغنيهم، والمال غاد ورائح، وليس النكاح مانعا من الغنى، ولا سببا في الفقر. وما استقر في الطباع من أنّ العيال سبب في الفقر إن هو إلا ارتباط وهمي، فقد ينمّي اللّه المال مع كثرة العيال، وقد يحصل الإقلال مع العزوبة، والواقع يشهد بهذا.
وتحقيق ذلك أنّ المراد بيان أنّ النكاح ليس مانعا من الغنى، فعبّر عن ذلك ببيان أنّه سبب في الغنى مبالغة، على حدّ قوله تعالى: {فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10] فإنّ ظاهره الأمر بالانتشار في الأرض إذا قضيت الصلاة، والمراد تحقيق زوال المانع وإنّ الصلاة إذا قضيت فلا مانع من الانتشار في الأرض، فعبّر عن نفي المانع من الانتشار بما يقتضي طلب الانتشار مبالغة.
هذا وقد استدل بعض العلماء بالآية على أنّ النكاح لا يفسخ بالعجز عن النفقة، لأنّه تعالى لم يجعل الفقر مانعا من الإنكاح، بل حثّ على إنكاح الفقراء، ووعدهم بالغنى، فإذا كان الفقر ليس مانعا من ابتداء النكاح فلأن لا يكون مانعا من استدامته أولى.
وأنت تعلم أنّ غاية ما تفيده الآية أنّه يندب ألا يردّ الخاطب الفقير ثقة بما عند اللّه. وهذا القدر أيضا ثابت في استدامة النكاح، فإنّه يندب للمرأة إذا أعسر زوجها بنفقتها أن تصبر وتستأني بها، وهذا لا يمنعها أن تستوفي حقها من فسخ النكاح إذا كان الشرع قد قرّر لها حق الفسخ للإعسار، فالمسألة موقوفة على ورود الشرع بالتفريق للإعسار، فإذا ورد بذلك شرع فالآية لا تنافيه.
واستدل بهذا كثير من العلماء على أنّه يندب للفقير أن يتزوج، ولو لم يملك أهبة النكاح، فإنّه من البعيد أن يندب اللّه الولي إلى إنكاح الفقير، ثم يندب الفقير إلى ترك النكاح، وتمام البحث في الآية الآتية: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الاستعفاف: الاجتهاد في العفة وصون النفس. والمراد بالنكاح هنا ما ينكح به، فإنّ فعالا يكون اسم آلة كركاب لما يركب به. ويجوز أن يراد به حقيقته الشرعية. وبالوجدان: التمكن منه، ويصح أن يقدّر في الكلام مضاف، أي لا يجدون أسباب النكاح ومبادئه: كالمهر، والكسوة، والسكنى، والنفقة.
يأمر اللّه الذين لا يجدون ما يتزوجون به أن يجتهدوا في العفة عن إتيان ما حرّم اللّه عليهم من الفواحش إلى أن يغنيهم اللّه من سعته، ويرزقهم ما به يتزوجون. وفي ذلك عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى تأميلا لهم وتطمينا لقلوبهم.
واستدلّ بعض العلماء بالآية على أنّه يندب ترك النكاح لمن لا يملك أهبته مع التوقان.
وقد تقدّم أن في الآية السابقة دليلا على ندب النكاح له، فكأنّ بين الآيتين تعارض في ظاهرهما، وللعلماء في الجمع بينهما طريقان:
فالشافعية يجعلون هذه مخصصة للآية السابقة، ويقولون: الفقراء قسمان: قسم يملك أهبة النكاح، وقسم لا يملكها. فالفقراء العاجزون عن أسباب النكاح الذين لا يملكون أهبته قد ندبهم اللّه بهذه الآية إلى ترك النكاح وأرشدهم إلى ما هو أولى بهم وأصلح لحالهم: من الاستعفاف وصون النفس إلى وجدان الغنى، وحينئذ يتزوجون، فتعيّن أن يكون الفقراء الذين ندب اللّه إلى إنكاحهم بقوله: {إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} هم الذين يملكون أهبة النكاح، ولا شكّ أنّ الفقير الذي يملك أهبة النكاح يندب له أن يتزوج.
والحنفية يبقون الآية السابقة على عمومها، ويؤوّلون النكاح في هذه الآية على أنّه صفة بمعنى اسم المفعول، ككتاب بمعنى المكتوب، فالأمر بالاستعفاف هنا محمول على من لم يجد زوجة له، وحينئذ لا تعارض بين الآيتين، ولا يخفى أنّ الغاية في قوله تعالى: {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} تجعل هذا التأويل بعيدا كل البعد.
والكلام فيما يعتري النكاح من الأحكام واختلاف المذاهب فيه مرجعه إلى كتب الفروع.
واستدلّ بعض الناس بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة، لأنه لو كان صحيحا لم يتعيّن الاستعفاف سبيلا للتائق العاجز عن مبادئ النكاح وأسبابه، وظاهر الآية أنّه لا سبيل له إلا أن يصبر ويستعفف.
وقد يقال: إذا صحّ هذا كان دليلا على تحريم الوطء بملك اليمين.
والجواب: أن من عجز عن المهر يكون عن شراء الجارية أشد عجزا في المتعارف الأغلب عند الناس، فلا سبيل له إلا أن يصبر ويستعفف.

.مكاتبة الأرقاء:

{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ}.
الكتاب والمكاتبة: مصدرا كاتب كالعتاب والمعاتبة. والكتابة بمعنى العقد الذي يجري بين السيد وعبده على عتقه بعد أن يؤدي مالا يتفقان عليه، لفظة إسلامية لا تعرفها الجاهلية. وسمّي هذا العقد كتابة إما لأنّ العادة جارية بكتابته لتأجيل العوض فيه، وإمّا لأنّ السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال، وإما لأنّ العوض فيه يكون منجما بنجوم يضم بعضها إلى بعض {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} عامّ في العبيد والإماء {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} للعلماء في تفسير الخير هنا أقوال: منها أنّ المراد به الأمانة والقدرة على الكسب، وذكر البيضاوي أنّ هذا التفسير قد روي مرفوعا، وهو مروي عن ابن عباس، واختاره الشافعي، لأنّ مقصود الكتابة لا يحصل إلا بأمانة العبد، وقدرته على الكسب، وقد يرشّح هذا التفسير قوله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26].
وفسّره بعضهم بالحرفة، وفي ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود في المراسيل والبيهقي في السنن وتعقب هذا القول ابن حجر بأنّ العبد إذا لم يكن أمينا أضاع ما كسبه، فلم يحصل المقصود من كتابته.
وعن قتادة وإبراهيم وابن أبي صالح أنهم فسروه بالأمانة، وضعّفه ابن حجر أيضا بأنّ المكاتب إذا لم يكن قادرا على الكسب كان في مكاتبته ضرر على سيده، ولا وثوق بإعانته بنحو الصدقة والزكاة.
وروي عن علي وابن عباس في رواية ثانية، وابن جريج ومجاهد وعطاء أنهم فسّروا الخير بالمال، ولعلّ مرادهم القدرة على كسب المال، كما هو أحد الأقوال السابقة، وإلّا فهو ضعيف لفظا ومعنى، أمّا ضعفه من جهة اللفظ فلأنّه لا يقال: فيه مال، وإنما يقال: عنده مال أو له مال، وأما ضعفه من جهة المعنى فلأنّ العبد لا مال له، وفسّر الحسن الخير بالصلاح، وهو ضعيف، لأنّه يقتضي ألا يكاتب غير المسلم، وقريب منه تفسير بعض الحنفية إياه بألا يضر بالمسلمين بعد العتق.
بعد أن أمر اللّه سبحانه وتعالى بإنكاح الصالحين من العبيد والإماء أمر جلّ شأنه بكتابة من يطلب الكتابة منهم، ليكون حرا، فيتصرّف في نفسه.