فصل: الحكم السابع: هل آية اللعان ناسخة لآية القذف؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.الحكم السابع: هل آية اللعان ناسخة لآية القذف؟

إنّ الروايات التي ذكرت في سبب النزول متفقة كلها على ثلاثة أمور: أولها: أن آيات اللعان نزلت بعد آية القذف أن حكم من رمى زوجة كحكم من رمى الأجنبية.
ثالثها: أن آية اللعان نزلت تخفيفًا على الزوج وبيانًا للمخرج مما وقع فيه من القذف.
وبناء على ذلك فإن قواعد أصول الحنيفية تقضي بأن آيات اللعان ناسخة لعموم آية القذف {والذين يَرْمُونَ المحصنات} [النور: 4] لتراخي نزولها عنها.
وعلى مذهب الأحناف: يكون ثبوت حد القذف على من قذف زوجته منسوخًا بآيات اللعان وليس على الزوج سوى الملاعنة لا غير... وعلى مذهب الأئمة الثلاثة: تتكون آيات اللعان مخصّصة للعموم في آية القذف لا ناسخة لها.
ويصبح معنى الآيتين: كل من قذف محصنة ولم يأتي بأربعة شهداء فعليه حد القذف إلا من قذف زوجته فعليه الحد أو اللعان، والخلاف في الحقيقة شكلي لا جوهري.

.الحكم الثامن: هل يُفَرّقُ بين المتلاعنَيْن؟

قضت السنة النبوية أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدًا، فإذا تلاعن الزوجان وقعت الفرقة بينهما على سبيل التأبيد لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدًا». وعن علي وابن مسعود قالا: مضت السنة ألاّ يجتمع المتلاعنان.. والحكمة في ذلك التحريم المؤبد أنه قد وقع بينهما من التباغض والتقاطع ما أوجب القطيعة بينهما بصفة دائمة. فإن الرجل إنْ كان صادقًا فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي والغضب، وإن كان كاذبًا فقد أضاف إلى ذلك أنه بهتها وزاد في إيلامها وحسرتها وغيظها.
وكذلك المرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد وأوجبت عليه لعنة الله وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة. فقد حصل بينهما النفرة الدائمة والوحشة البالغة. ومن المعلوم أنَّ أساس الحياة الزوجية السكنُ والمودة، والرحمة، وقد زالت هذه باللعان فكانت عقوبتهما الفرقة المؤبدة.
وقد اتفق الفقهاء على وجوب التفريق بين المتلاعنين وعلى أن الحرمة بينهما. تكون مؤبدة لم يخالف في ذلك أحد إلاّ ما روي عن عثمان البتي أنه قال: لا يقع باللعان فرقة إلا أن يطلقها وهو قول مردود للنصوص المتقدمة.
ولكنّ الفقهاء اختلفوا متى تقع الفرقة بين المتلاعنين؟
فذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الفرقة تقع بمجرد لعان الزوج وحده ولو لم تلاعن الزوجة.
وذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أن الفرقة لا تقع إلا بلعانهما جميعًا.
وذهب أبو حنيفة وأحمد في روايته الأخرى إلى أن الفرقة لا تقع إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم بينهما.
أما حجة الشافعي: فهي أن الفرقة حاصلة بالقول، فيستقل بها قول الزوج وحده كالطلاق ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها كما قال تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب} فدل على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها.
أما حجة مالك: فهي أن الشارع قد أمر بالتفريق بين المتلاعنين ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده.. وأيضًا لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لأصبحت المرأة أجنبية عنه فتكون الملاعِنَةُ أجنبية وقد أوجب الله اللعان بين الزوجين.
أما حجة أبي حنيفة وأحمد: فهي أن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم بينهما عملًا بالسنة المطهرة ففي حديث ابن عباس السابق ففرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وهذا يتقضي أن الفرقة لم تحصل قبله، ولأن اللعان نوع من الحدود، والحدودُ إنما يجريها الحاكم فلابد إذًا من تفريق الحاكم... ولعلّ هذا الرأي هو الأصح والأرجح.

.الحكم التاسع: إذا أكذب الرجل نفسه فهل تعود إليه زوجته؟

وإذا تلاعن الزوجان ثم أكذب الرجل نفسه فحُدَّ حد القذف فهل تحل له زوجته؟
قال مالك والشافعي لا تحل له زوجته لأن الفرقة مؤبدة وقد قضت السنة بأنهما لا يجتمعان أبدًا فلا طريق إلى العودة عملًا بالنصوص المتقدمة كما في المطلقة ثلاثًا وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين.
وقال أبو حنيفة إذا أكذب الرجل نفسه فهو خاطب من الخطاب لأنه إذا اعترف بكذبه وحُدَّ حدَّ القذف لم يبق ملاعنا وإنما أصبح كاذبًا فيحل له العودة إلى زوجته. قال ابن الجوزي: وروي عن أحمد روياتان أصحهما أنه لا تحل له زوجته، والثانية يجتمعان بعد التكذيب وهو قول أبي حنيفة.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأن اللعان يوجب الحرمة المؤبدة كما دلت بذلك الآثار سواء أكذب نفسه أم لا والله أعلم.

.الحكم العاشر: هل يلحق ولد اللعان بأمه؟

إذا نفى الرجل ابنه وتم اللعان بنفيه له انتقى نسبه من أبيه وسقطت نفقته عنه، وانتفى التوارث بينهما ولحق بأمه فهي ترثه وهو يرثها لحديث عمرو بن شعيب: وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه، ومن رماها به جلد ثمانين ويؤيد هذا الحديث الأدلة الدالة على أن الولد للقراش ولا فراش هنا لنفي الزوج إياه.. وأما من رماها به اعتبر قاذفًا وجلد ثمانين جلدة لأن الملاعِنة داخلة في المحصنات ولم يثبت عليها ما يخالف ذلك فيجب على من رماها بابنها حد القذف ومن قذف ولدها يجب حده كمن قذف أمه سواء بسواء.
أما بالنسبة للأحكام الشرعية فإنه يعامل كأنه أبوه من باب الاحتياط فلا يعطيه زكاة المال، ولو قتله لا قصاص عليه، ولا تجوز شهادة كل منهما للآخر، ولا يعد مجهول النسب فلا يصح أن يدعيه غيره، وإذا أكذب نفسه ثبت نسب الولد منه ويزول كل أثر اللعان بالنسبة للولد.
وروى الإمام الفخر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: يتعلق باللعان خمسة أحكام: درء الحدّ، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبّد، ووجوب الحدّ عليها، وكلها تثبت بمجرد لعانه، ولا تفتقر إلى حكم الحاكم.

.ما ترشد إليه الآيات الكريمة:

1- إذا قذف الرجل زوجته ولم تكن لديه بينة فإمّا أن يُحدّ أو يلاعن.
2- لا يجري اللعان في اتهام غير الزوجة من المحصنات لأنه خاص بالزوجين.
3- تشريعُ اللعان لمصلحة الزوجين يبرئ الزوج من حد القذف والزوجة من حدّ الزنى.
4- لابد في المُلاَعَنَة أن تكون خمس مرات بالصيغة المذكورة في القرآن الكريم.
5- ينبغي تغليظ أمر اللّعان بالزمان والمكان وحضور جمع من المسلمين.
6- اللّعانُ يوجب الحُرْمة المؤبّدة بين الزوجين، فلا ترجع للزوج بحالٍ من الأحوال.
7- تخصيص الرجل باللعنة، وتخصيص المرأة بالغضب، للتفريق بين نفسيّة الزوجين.
8- الله واسع المغفرة، عظيم الفضل والمِنّة، لولا ستره على العباد لعذّبهم وأهلكهم.

.خاتمة البحث:

حكمة التشريع:
شرع الحكيم العليم اللعان لحكمة جليلة سامية، هي من أدق الحكم وأسماها في صيانة المجتمع، وتطهير الأسرة، ومعالجة المخاطر والمشاكل التي تعترض طريق الحياة الزوجية وما يهددها من متاعب وعقبات.
وعالج القرآن بهذا التشريع الدقيق ناحية من اخطر النواحي التي يمكن أن يجابهها الإنسان في حياته الواقعية الأليمة، حين يبصر بعينه جريمة الزنى ترتكب في أهل بيته فلا يستطيع أن يتكلم، ولا أن يجهر، لأنه ليس لديه بينة تثبت ذلك، ولا يستطيع أن يقدم على القتل لغسل العار لأن هناك القصاص ويبقى ذاهلًا، مشتتًا، محتارًا، كيف يصنع!! أيترك عرضه ينتهك وشرفه يُلوّث، وفراشه يدنّس، ثم يغمض عينيه خشية الفضيحة أو خوف العار؟ أم يقدم على الانتقام من زوجة الخائن، وذلك اللص الماكر، شريكها في الخيانة والإجرام فيكون سبيله العقاب والقصاص؟!
إنها حالات من الضيق النفسي والقلق والاضطراب لا يملك المرء لها دفعًا ولا يدري ماذا يصنع تجاهها وهو يعاني هذه الأزمة النفسية الخائفة؟! وتشاء حكمة الله أن تقع مثل هذه الحوادث في أفضل العصور عصر النبوة وبين أطهر الأقوام صحابة الرسول والقرآن ينزل والوحي يتلى، ليكون درسًا عمليًا تربويًا يتلقاه المسلمون بكل قولة، وصلابة عزم.
فهذا هلال بن أمية يأتي بيته مساء فيرى بعينه وسيمع بأذنية صوت الخيانة واضحًا فيكبح جماح نفسه، ويغالب غضبه وثورته، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وهو واثق من نفسه لأنها رؤيا العين ويطلب منه الرسول البينة ولكن من أين يأتي بها؟ وكيف له أن يأتي بأربعة شهود يشهدون معه لإثبات دعواه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: البينة أو حد في ظهرك!! ويسمع سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار ذلك فيقول يا رسول الله: إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلًا لم يكن له أن يحركه أو يُهيجَه حتى يأتي بأربعة شهداء، والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه ويلتفت الرسول إلى أصحابه قائلًا: أتعجبون من غيره سعد والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، يطلب الرسول البينة من هلال وليس معه بينة ويشتد الأمر على الرسول وعلى أصحابه ويتحدث الناس: الآن يضرب الرسول هلالًا، ويبطل بين الناس شهادته، فيقول هلال يا رسول الله والله إني لصادق وإني لأرجو أن يجعل الله لي منها فرجًا ومخرجًا وينزل الوحي على الرسول بهذه الآيات الكريمة التي أصبحت قرآنًا يتلى ودرسًا يحفظ ونظامًا يطبقه المسلمون في حياتهم ويقول الرسول الكريم: «أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا» فيقول هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل.
هذه ناحية دقيقة، عالجها الإسلام بحكمته الرفيعة وجعل لها فرجًا ومخرجًا فشرع اللعان بين الزوجين، ليستر المولى على عباده زلاتهم ويفسح أمامهم المجال للتوبة والإنابة. ولولا هذا التشريع الحكيم لأريقت الدماء. وأزهقت الأرواح في سبيل الدفاع عن العرض والشرف وقد يكون هناك عدوان من أحد الزوجين على الآخر فلو سمح للزوج أن ينتقم بنفسه فيقتل زوجه لكان هناك ضحايا بريئات يذهبن ضحية المكر والخبث إذ ليس كل زوج يكون صادقًا؛ ولو أقيم عليه حد القذف لأنه قذف امرأة محصنة لكان في ذلك أبلغ الألم والضرر إذ قد يكون صادقًا في دعواه فيجتمع عليه عقوبة الجلد وتدنيس الفراش فإذا تكلم جلد، وإذا سكت سكت على غيظ.
فكان في هذا التشريع الإلهي الحكيم أسمى ما يتصوره المرء من العدالة والحماية وصيانة الأعراض وقبر الجريمة في مهدها فهو بطريق اللعان إذ يترك الأمر معلقًا لا يستطيع أحد أن يجزم بوقوع الجريمة أو بخيانة الزوجة، ولا يقطع بكذب الزوج إذ يحتمل أن يكون صادقًا ثم يفرق بينهما فرقة مؤبدة تخلِّص الإنسان من الشقاء، وتقطع ألسنة السوء، وتصون كرامة الأسرة.
فللَّه ما أسمى تشريع الإسلام وما أدق نظره وأحكامه!! وصدق الله {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]. اهـ.