فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



أجمع المفسرون أن هذه الآية وما يتعلق بها بعدها.
نزلت في قصة عائشة، وفي حديث الإِفك أن هذه الآية إِلى عشر آيات نزلت في قصة عائشة.
وقد ذكرنا حديث الإِفك في كتاب الحدائق وفي كتاب المغني في التفسير فلم نطل بذكره، لأن غرضنا اختصار هذا الكتاب، ليحفظ فأما الإِفك فهو الكذب والعصبة: الجماعة، ومعنى قوله: {مِنْكُم} أي: من المؤمنين.
وروى عروة عن عائشة أنها قالت: هم أربعة حسان بن ثابت وعبد الله بن أبي بن سلول ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وكذلك عدهم مقاتل.
قوله تعالى: {لا تَحسَبُوه شَرًا لَكُم} قال المفسرون: هذا خطاب لعائشة وصفوان بن المعطل، وقيل: لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة.
والمعنى: إٍنكم تؤجرون فيه.
{لِكلِ امرىءٍ مِنهُم} يعني: من العصبة الكاذبة {مَا اكتَسَبَ مِنَ الإِثم} أي جزاء ما اجترح من الذنب على قدر خوضه فيه، {والذي تَوَلَى كِبْره منهم} وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وعكرمة، ومجاهد وابن أبي عبلة، والحسن، ومحبوب عن أبي عمرو، ويعقوب: {كُبْره} بضم الكاف.
قال الكسائي: وهما لغتان.
وقال ابن قتيبة: كِبْر الشيء: معظمه، ومنه هذه الآية.
قال قيس بن الخطيم يذكر امرأة:
تنام عن كبر شأنها فإذا ** قامت رويدا تكاد تنغرف

وفي المتولي لذلك قولان:
أحدهما: أنه عبد الله بن أبي، رواه أبو صالح عن ابن عباس وعروة عن عائشة، وبه قال مجاهد والسدي ومقاتل.
قال المفسرون: هو الذي أشاع الحديث فله عذاب عظيم بالنار، وقال الضحاك: هو الذي بدأ بذلك.
والثاني: أنه حسان، روى الشعبي: أن عائشة قالت: ما سمعت أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة، فقيل: يا أم المؤمنين، أليس الله يقول: {والذي تَولى كِبْره منهم له عَذاب ٌ عَظِيم} فقالت: أليس قد ذهب بصره؟ وروى عنها مسروق أنها قالت: وأي عذاب أشد من العمى، ولعل الله أن يجعل ذلك العذاب العظيم، ذهاب بصره، تعني: حسان بن ثابت.
ثم إن الله عز وجل أنكر على الخائضين في الإفك بقوله تعالى: {لولا إِذْ سَمِعتُمُوهُ} أي: هلا إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة {ظَنَ المُؤمِنُون} من العصبة الكاذبة وهم حسان ومسطح {والمُؤمِنَاتِ} وهي حمنة بنت جحش {بِأنُفسِهِم} وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: بأمهاتهم.
والثاني: بأخواتهم.
والثالث: بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة، {وقَالُوا هذا إِفكٌ مُبِين} أي: كذب بيِّن.
وجاء في التفسير أن أبا أيوب الأنصاري قالت له أمه: ألا تسمع ما يقول الناس في أمر عائشة فقال: هذا إفك مبين، أكنت يا أماه فاعلته قالت: معاذ الله قال: فعائشة والله خير منك فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: {لولا جَاؤوا} أي: هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة {بِأَرَبعةِ شهداء} وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: بأربعة منونة؛ والمعنى: يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به، {فإذا لم يَأتُوا بالشُهَدَاءِ فَأُولَئِك عِندَ اللهِ} أي: في حكمه {هم الكاذبون}. اهـ.

.قال القرطبي:

{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ}.
فيه ثمان وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ الذين جَاءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} {عُصْبَةٌ} خبر {إنّ}.
ويجوز نصبها على الحال، ويكون الخبر {لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم}.
وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان الله عليها، وهو خبر صحيح مشهور، أغنى اشتهاره عن ذكره، وسيأتي مختصرًا.
وأخرجه البخارِيّ تعليقًا، وحديثه أتم.
قال: وقال أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأخرجه أيضًا عن محمد بن كثير عن أخيه سليمان من حديث مسروق عن أم رُومان أم عائشة أنها قالت: لما رُميت عائشة خرّت مغشيًّا عليها.
وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال: حدثني مسروق بن الأجدع قال: حدثتني أمّ رومان وهي أم عائشة قالت: بينا أنا قاعدة أنا وعائشةُ إذ وَلَجت امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل بفلان! فقالت أم رومان: وما ذاكِ؟ قالت اتّي فيمن حدّث الحديث! قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا.
قالت عائشة: سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم.
قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم! فخرّت مغشيًّا عليها؛ فما أفاقت إلا وعليها حُمَّى بنافضٍ، فطرحْتُ عليها ثيابها فغطيتها؛ فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ما شأن هذه؟» فقلت: يا رسول الله، أخذتها الحُمَّى بنافض.
قال: «فلعلّ في حديثٍ تُحُدِّث به» قالت: نعم.
فقعدت عائشة فقالت: والله، لئن حلفتُ لا تصدّقوني! ولئن قلت لا تَعْذِروني! مَثلي ومثلُكم كيعقوبَ وبَنِيه، واللَّهُ المستعان على ما تصفون.
قالت: وانصرف ولم يقل شيئًا؛ فأنزل الله عذرها.
قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك قال أبو عبد الله الحميدي: كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول الإرسال في هذا الحديث أبْيَن، واستدلّ على ذلك بأن أم رومان تُوفّيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسروقٌ لم يشاهد النبيّ صلى الله عليه وسلم بلا خلاف.
وللبخاريّ من حديث عبيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة أن عائشة كانت تقرأ {إذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} وتقول: الوَلْق الكذب.
قال ابن أبي مُليكة: وكانت أعلمَ بذلك من غيرها لأنه نزل فيها.
قال البخارِيّ: وقال مَعْمَر بن راشد عن الزهري: كان حديث الإفك في غَزْوَة الْمُرَيْسِيع.
قال ابن إسحاق: وذلك سنة ستّ.
وقال موسى بن عقبة: سنة أربع.
وأخرج البخاري من حديث معمر عن الزُّهرِيّ قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًّا كان فيمن قَذَف؟ قال: قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما: كان عليٌّ مُسَلَّمًا في شأنها.
وأخرجه أبو بكر الإسماعيليّ في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من حديث معمر عن الزهري، وفيه: قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولَّى كِبرْه منهم عليّ بن أبي طالب؟ فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيّب وعُروة وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلّهم يقول سمعت عائشة تقول: والذي تولّى كبره عبدُ الله بن أبَيّ بن سلول.
وأخرج البخاري أيضًا من حديث الزهري عن عروة عن عائشة: والذي تولّى كِبْرَه منهم عبدُ الله بن أبَيّ.
الثانية: قوله تعالى: {بالإفك} الإفك الكذب.
والعصبة ثلاثة رجال؛ قاله ابن عباس.
وعنه أيضًا من الثلاثة إلى العشرة.
ابن عُيينة: أربعون رجلًا.
مجاهد: من عشرة إلى خمسة عشر.
وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعةُ الذين يتعصّب بعضهم لبعض.
والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره.
والشرّ ما زاد ضره على نفعه.
وإنّ خيرًا لا شرَّ فيه هو الجنة.
وشرًّا لا خير فيه هو جهنم.
فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى.
فنبّه الله تعالى عائشة وأهلها وصَفْوان، إذ الخطاب لهم في قوله: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}؛ لرجحان النفع والخير على جانب الشر.
الثالثة: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غَزْوة بني المُصْطَلِق وهي غزوة المُرَيْسِيع، وقَفَل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل قامت حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرّحْل فلمست صدرها فإذا عِقدٌ من جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه، فوجدته وانصرفت فلم تجد أحدًا، وكانت شابَّة قليلة اللحم، فرفع الرجال هَوْدَجها ولم يشعروا بزوالها منه؛ فلما لم تجد أحدًا اضطجعت في مكانها رجاء أن تُفتقد فيُرجع إليها، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صَفْوان بن المُعَطَّل: إنا لِلَّه وإنا إليه راجعون؛ وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحِفْظ الساقة.
وقيل: إنها استيقظت لاسترجاعه، ونزل عن ناقته وتنحَّى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نَحْر الظَّهِيرة؛ فوقع أهل الإفك في مقالتهم، وكان الذي يُجتمع إليه فيه ويَسْتَوْشِيهِ ويُشْعلُه عبدُ الله بن أُبَيٍّ بن سَلُول المنافق، وهو الذي رأى صفوان آخذًا بزمام ناقة عائشة فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيِّكم باتت مع رجل.
وكان من قالته حسان بن ثابت ومِسْطح بن أُثَاثة وحَمْنَة بنت جَحْش هذا اختصار الحديث، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم، وهو في مسلم أكمل.
ولما بلغ صَفْوان قولُ حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربةً على رأسه وقال:
تَلَقَّ ذُباب السيف عني فإنني ** غلام إذا هُوجِيت ليس بشاعر

فأخذ جماعة حسان ولَبَّبُوه وجاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح حسان واستوهبه إيّاه.
وهذا يدل على أن حسان ممن تَوَلَّى الكِبْر؛ على ما يأتي والله أعلم.
وكان صفوان هذا صاحبَ ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته، وكان من خيار الصحابة رضي الله عنه وعنهم.
وقيل: كان حَصُورًا لا يأتي النساء؛ ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة.
وقيل: كان له ابنان؛ يدل على ذلك حديثُه المروي مع امرأته، وقولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ابنيه: «لهما أشبه به من الغراب بالغراب» وقوله في الحديث: والله ما كَشَفْت كَنَف أنثى قطّ؛ يريد بزنًى.
وقتل شهيدًا رضي الله عنه في غزوة أرمِينِيَة سنة تسع عشرة في زمان عمر، وقيل: ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية.
الرابعة: قوله تعالى: {لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم} يعني ممن تكلم بالإفك.
ولم يُسَمَّ من أهل الإفك إلا حسان ومِسْطَح وحَمْنة وعبد الله؛ وجُهل الغير؛ قاله عروة بن الزبير، وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان، وقال: إلا أنهم كانوا عُصْبة؛ كما قال الله تعالى.
وفي مصحف حَفْصة {عصبة أربعة}.
الخامسة: قوله تعالى: {والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} وقرأ حُميد الأعرج ويعقوب {كُبْرَه} بضم الكاف.
قال الفراء: وهو وجه جيّد؛ لأن العرب تقول: فلان تولَّى عُظْم كذا وكذا؛ أي أكبره.
روي عن عائشة أنه حسان، وأنها قالت حين عَمِيَ: لعل العذاب العظيم الذي أوعده الله به ذهابُ بصره؛ رواه عنها مسروق.
وروي عنها أنه عبد الله بن أبَيّ؛ وهو الصحيح، وقاله ابن عباس.
وحكى أبو عمر بن عبد البر أن عائشة برّأت حسان من الفِرْية، وقالت: إنه لم يقل شيئًا.