فصل: قال البيضاوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وإنما عرف الماء في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شيء حَىّ} [الأنبياء: 30] لأن المقصود ثم أن أجناس الحيوان مخلوقة من جنس الماء وأنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط.
قالوا: إن أول ما خلق الله الماء فخلق منه النار والريح والطين، فخلق من النار الجن، ومن الريح الملائكة، ومن الطين آدم ودواب الأرض، ولما كانت الدابة تشمل المميز وغير المميز غلب المميز فأعطى ما وراءه حكمه كأن الدواب كلهم مميزون فمن ثم قيل {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ} كالحية والحوت.
وسمي الزحف على البطن مشيًا استعارة كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر، أو على طرائق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى على رِجْلَيْنِ} كالإنسان والطير {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ} كالبهائم وقدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو غيرها ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع {يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء} كيف يشاء {إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ} لا يتعذر عليه شيء.
{لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايات مبينات والله يَهْدِى مَن يَشَاء} بلطفه ومشيئته {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} إلى دين الإسلام الذي يوصل إلى جنته والآيات لإلزام حجته لما ذكر إنزال الآيات، ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق: فرقة صدقت ظاهرًا وكذبت باطنًا وهم المنافقون، وفرقة صدقت ظاهرًا وباطنًا وهم المخلصون، وفرقة كذبت ظاهرًا وباطنًا وهم الكافرون على هذا الترتيب.
وبدأ بالمنافقين فقال: {وَيِقُولُونَ امَنَّا بالله وبالرسول} بألسنتهم {وَأَطَعْنَا} الله والرسول {ثُمَّ يتولى} يعرض عن الانقياد لحكم الله ورسوله {فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذلك} أي من بعد قولهم آمنا بالله وبالرسول وأطعنا {وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين} أي المخلصين وهو إشارة إلى القائلين آمنا، وأطعنا، لا إلى الفريق المتولي وحده.
وفيه إعلام من الله بأن جميعهم منتفٍ عنهم الإيمان لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء والإعراض وإن كان من بعضهم فالرضا بالإعراض من كلهم.
{وَإِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ} أي إلى رسول الله كقولك أعجبني زيد وكرمه تريد كرم زيد {لِيَحْكُمَ} الرسول {بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي فاجأ من فريق منهم الإعراض نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق إلى كعب بن الأشرف ويقول: إن محمدًا يحيف علينا {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق} أي إذا كان الحق لهم على غيرهم {يَأْتُواْ إِلَيْهِ} إلى الرسول {مُذْعِنِينَ} حال أي مسرعين في الطاعة طلبًا لحقهم لا رضا بحكم رسولهم.
قال الزجاج: الإذعان الإسراع مع الطاعة.
والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر والعدل البحث يمتنعون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة الخصم.
{أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه.
ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله: {بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} أي لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام فمن ثم يأبون المحاكمة إليه.
{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين} وعن الحسن {قول} بالرفع، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسمًا لكان أوغلهما في التعريف وأن يقولوا أوغل بخلاف {قول المؤمنين} {إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ} النبي عليه الصلاة والسلام ليحكم أي ليفعل الحكم {بَيْنَهُمْ} بحكم الله الذي أنزل عليه {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا} قوله: {وَأَطَعْنَا} أمره {وأولئك هُمُ المفلحون} الفائزون {وَمَن يُطِعِ الله} في فرائضه {وَرَسُولُهُ} في سننه {وَيَخْشَ الله} على ما مضى من نوبه {وَيَتَّقْهِ} فيما يستقبل {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون} وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية.
وهي جامعة لأسباب الفوز {ويتقه} بسكون الهاء: أبو عمرو وأبو بكر بنية الوقف، وبسكون القاف وبكسر الهاء مختلسة: حفص، وبكسر القاف والهاء، غيرهم. اهـ.

.قال البيضاوي:

{الله نُورُ السموات والأرض}.
النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولًا وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك: زيد كرم بمعنى ذو كرم، أو على تجوز إما بمعنى منور السموات والأرض وقد قرئ به فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء. أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور. أو موجدهما فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود كما أن أصل الخفاء هو العدم، والله سبحانه وتعالى موجود بذاته موجد لما عداه. أو الذي به تدرك أو يدرك أهلها من حيث إنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإِدراك عليه ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكًا فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات، وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل، ثم إن هذه الإِدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها وهو الله سبحانه وتعالى إبتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنوارًا، ويقرب منه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون، وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالها على الأنوار، الحسية والعقلية وقصور الإِدراكات عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما. {مَثَلُ نُورِهِ} صفة نوره العجيبة الشأن، وإضافته إلى ضميره سبحانه وتعالى دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره. {كَمِشْكَاةٍ} كصفة مشكاة، وهي الكوة الغير النافذة. وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإِمالة. {فِيهَا مِصْبَاحٌ} سراج ضخم ثاقب، وقيل المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة. {المصباح في زُجَاجَةٍ} في قنديل من الزجاج. {الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّيٌّ} مضيء متلألىء كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدرء أو فعيل كمريق من الدرء فإنه يدفع الظلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضًا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل، وقراءة أبي عمرو والكسائي {درىء} كشريب وقد قرئ به مقلوبًا.
{يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مباركة زَيْتُونَةٍ} أي إبتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت ذبالته بزيتها، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء والبناء للمفعول من أوقد وحمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء كذلك على إسناده إلى {الزجاجة} بحذف المضاف، وقرئ {توقد} من تتوقد ويوقد بحذف التاء لاجتماع زيادتين وهو غريب. {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} تقع الشمس عليها حينًا بعد حين بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة، أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى، أو لا نابتة في شرق المعمورة وغربها بل في وسطها وهو الشام فإن زيتونه أجود الزيتون، أو لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائمًا فتحرقها أو في مفيأة تغيب عنها دائمًا فتتركها نيئًا وفي الحديث: «لا خير في شجرة ولا نبات في مفيأة ولا خير فيهما في مضحى» {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لتلألئه وفرط وبيصه. {نُّورٌ على نُورٍ} نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لأشعته، وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه، الأول: أنه تمثيل للهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة، أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح، وإنما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس، أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها، ويؤيده قراءة أبي: {مثل نور المؤمن} أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الداركة الخمس المترتبة التي منوط بها المعاش والمعاد وهي: الحساسة التي تدرك بها المحسوسات بالحواس الخمس، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت، والعاقلة التي تدرك الحقائق الكلية، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم، والقوة القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنية بقوله تعالى: {ولكن جعلناه نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية وهي: المشكاة، و{الزجاجة} و{المصباح} والشجرة، والزيت، فإن الحساسة كالمشكاة لأن محلها كالكوى ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للأنوار العقلية وإنارتها بما تشتمل عليه من المعقولات، والعاقلة كالمصباح لإِضاءتها بالإِدراكات الكلية والمعارف الإِلهية، والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها الزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلين منتفعة من الجانبين، والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكر ولا تعلم، أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة، ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات بحيث تتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار، وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وإن كان بالحدس فكالزيت، وإن كان بقوة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضيء لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي والإِلهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنه، ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح، فإذا استحضرتها كانت نورًا على نور.
{يَهْدِي الله لِنُورِهِ} لهذا النور الثاقب. {مَن يَشَاء} فإن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها. {وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ} إدناء للمعقول من المحسوس توضيحًا وبيانًا. {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} معقولًا كان أو محسوسًا ظاهرًا كان أو خفيًا، وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها وإن لم يكترث بها.
{فِي بُيُوتٍ} متعلق بما قبله أي كمشكاة في بعض بيوت، أو توقد في بيوت فيكون تقييد للممثل به بما يكون تحبيرًا ومبالغة فيه فإن قناديل المساجد تكون أعظم، أو تمثيلًا لصلاة المؤمنين أو أبدانهم بالمساجد، ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة إذ المراد بها ماله هذا الوصف بلا اعتبار وحدة ولا كثرة أو بما بعده وهو يسبح، وفيها تكرير مؤكد لا بيذكر لأنه من صلة أن فلا يعمل فيما قبله أو بمحذوف مثل سبحوا في بيوت، والمراد بها المساجد لأن الصفة تلائمها. وقيل المساجد الثلاثة والتنكير للتعظيم. {أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ} بالبناء أو التعظيم. {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه} عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه. {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال} ينزهونه أي يصلون له فيها بالغدوات والعشيات، والغدو مصدر أطلق للوقت ولذلك حسن اقترانه بالآصال وهو جمع أصيل، وقرئ {والايصال} وهو الدخول في الأصيل وقرأ ابن عامر وأبو بكر {يسبح} بالفتح على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة ورفع رجال بما يدل عليه، وقرئ تسبح بالتاء مكسورًا لتأنيث الجمع ومفتوحًا على إسناده إلى أوقات الغدو.
{رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة} لا تشغلهم معاملة رابحة. {وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله} مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعارضة، أو بإفراد ما هو الأهم من قسمي التجارة فإن الربح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء، وقيل المراد بالتجارة الشراء فإنه أصلها ومبدؤها، وقيل الجلب لأنه الغالب فيها ومنه يقال تجر في كذا إذا جلبه وفيه إيماء بأنهم تجار. {وَإِقَامِ الصلاة} عوض فيه الإِضافة من التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإِعلال كقوله:
وَأَخْلَفُوكَ عد الأَمرِ الَّذِي وَعَدُوا... {وَإِيتَاء الزكوة} ما يجب إخراجه من المال للمستحقين. {يخافون يَوْمًا} مع ما هم عليه من الذكر والطاعة. {تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار} تضطرب وتتغير من الهول، أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصره، أو تتقلب القلوب مع توقع النجاة وخوف الهلاك والأبصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتبهم.