فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال القرطبي:

{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا}.
قرأ الحسن {الحُلْم} فحذف الضمة لثقلها.
والمعنى: أن الأطفال أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة؛ وأبيح لهم الأمر في غير ذلك كما ذكرنا.
ثم أمر الله تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا بلغوا الحلم على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت.
وهذا بيان من الله عز وجل لأحكامه وإيضاح حلاله وحرامه، وقال: {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} ولم يقل فليستأذنوكم.
وقال في الأولى {لِيَسْتَأْذِنْكُم} لأن الأطفال غير مخاطبين ولا متعبَّدين.
وقال ابن جُريج: قلت لعطاء: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} قال: واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا، أحرارًا كانوا أو عبيدًا.
وقال أبو إسحاق الفَزَارِيّ: قلت للأوزاعِيّ ما حدّ الطفل الذي يستأذن؟ قال: أربع سنين، قال: لا يدخل على امرأة حتى يستأذن.
وقال الزهريّ: أي يستأذن الرجل على أمّه؛ وفي هذا المعنى نزلت هذه الآية.
{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}.
فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {والقواعد مِنَ النساء} القواعد واحدتها قاعد، بلا هاء؛ ليدلّ حذفها على أنه قعود الكِبَر، كما قالوا: امرأة حامل؛ ليدلّ بحذف الهاء أنه حمل حَبَل.
قال الشاعر:
فلو أنّ ما في بطنه بين نِسوَةٍ ** حَبِلْن وإن كنّ القواعدُ عُقرَا

وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها، بالهاء.
والقواعد أيضًا: أساس البيت؛ واحده قاعدة، بالهاء.
الثانية: القواعد: العُجّز اللواتي قعدن عن التصرف من السنّ، وقعدن عن الولد والمحيض؛ هذا قول أكثر العلماء.
قال ربيعة: هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كِبَرِها.
وقال أبو عبيدة: اللاتي قعدن عن الولد؛ وليس ذلك بمستقيم، لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمتَع؛ قاله المهدوِيّ.
الثالثة: قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} إنما خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن؛ إذ لا مذهب للرجال فيهن، فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن، وأزيل عنهن كُلْفة التحفظ المتعب لهن.
الرابعة: قرأ ابن مسعود وأبَيّ وابن عباس {أنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيابهن} بزيادة {من}.
قال ابن عباس: وهو الجِلْباب.
وروي عن ابن مسعود أيضًا {من جلابيبهن}.
والعرب تقول: امرأة واضع، للتي كَبِرت فوضعت خِمارها.
وقال قوم: الكبيرة التي أيِست من النكاح، لو بدا شعرها فلا بأس؛ فعلى هذا لا يجوز لها وضع الخمار.
والصحيح أنها كالشابة في التستّر؛ إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدِّرع والخِمار؛ قاله ابن مسعود وابن جُبير وغيرهما.
الخامسة: قوله تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة ليُنْظر إليهن؛ فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق.
والتبرّج: التكشّف والظهور للعيون؛ ومنه: بروج مشيّدة.
وبروج السماء والأسوار؛ أي لا حائل دونها يسترها.
وقيل لعائشة رضي الله عنها: يا أمّ المؤمنين، ما تقولين في الخِضاب والصِّباغ والتمائم والقُرْطين والخَلْخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء، قصتكنّ قصةُ امرأة واحدة، أحلّ الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروْا منكن مُحَرَّمًا.
وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب.
وعلى هذا {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ} غير خارجات من بيوتهن.
وعلى هذا يلزم أن يقال: إذا كانت في بيتها فلابد لها من جلباب فوق الدِّرع، وهذا بعيد، إلا إذا دخل عليها أجنبي.
ثم ذكر تعالى أن تحفّظ الجميع منهن، واستعفافَهنّ عن وضع الثياب والتزامَهنّ ما يلزم الشباب أفضل لهن وخير.
وقرأ ابن مسعود {وأن يتعففن} بغير سين.
ثم قيل: من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها.
روى الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِنفان من أهل النار لم أرهما قومٌ معهم سِيَاط كأذناب البَقَر يضربون بها الناس ونساءٌ كاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مائلات رؤوسهن كأَسْنِمة البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن رِيحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» قال ابن العربي: وإنما جعلهنّ كاسيات لأن الثياب عليهنّ، وإنما وصفهنّ بأنهنّ عاريات لأن الثوب إذا رَقَّ يصفهنّ، ويبدي محاسنهنّ؛ وذلك حرام.
قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى.
والثاني: أنهنّ كاسيات من الثياب عارِياتٌ من لباس التّقْوَى الذي قال الله تعالى فيه: {وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ} [الأعراف: 26].
وأنشدوا:
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التُّقَى ** تقلّب عُرْيَانًا وإن كان كاسِيا

وخيُر لباس المرء طاعةُ ربِّه ** ولا خيرَ فيمن كان لِلَّه عاصِيا

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم رأيت الناس يُعْرَضون عليّ وعليهم قُمُص منها ما يبلغ الثُّدِيَّ ومنها ما دون ذلك ومَرّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه» قالوا: ماذا أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: «الدِّين» فتأويله صلى الله عليه وسلم القميص بالدِّين مأخوذ من قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ}.
والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب؛ كما قال شاعرهم:
ثياب بني عَوْف طَهارَى نَقِيَّة

وقد قال صلى الله عليه وسلم لعثمان: «إن الله سيُلْبِسك قميصًا فإن أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه» فعبّر عن الخلافة بالقميص، وهي استعارة حسنة معروفة.
قلت: هذا التأويل أصح التأويلين، وهو اللائق بهنّ في هذه الأزمان، وخاصّةً الشباب، فإنهنّ يتزيّن ويخرجن متبرِّجات؛ فهن كاسيات بالثياب عاريات من التّقْوَى حقيقة، ظاهرًا وباطنًا، حيث تُبْدِي زينتها، ولا تبالي بمن ينظر إليها، بل ذلك مقصودهنّ، وذلك مشاهد في الوجود منهنّ، فلو كان عندهنّ شيء من التقوى لما فعلن ذلك، ولم يعلم أحد ما هنالك.
ومما يقوي هذا التأويل ما ذكر من وصفهنّ في بقيّة الحديث في قوله: «رؤوسهنّ كأسنمة البُخْت».
والبُخْت ضرب من الإبل عظام الأجسام، عظام الأسنمة؛ شبه رؤوسهنّ بها لما رفعن من ضفائر شعورهنّ على أوساط رؤوسهنّ.
وهذا مشاهد معلوم، والناظر إليهنّ ملوم.
قال صلى الله عليه وسلم: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ على الرجال من النساء» خرّجه البخاري. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وإذا بلغ الأطفال} أي من أولادكم وأقربائكم {فليستأذنوا} أي في كل الأوقات فإنهم قبل البلوغ كانوا يستأذنون في ثلاث الأوقات.
{كما استأذن الذين من قبلهم} يعني البالغين.
وقيل: الكبار من أولاد الرجل وأقربائه.
ودل ذلك على أن الابن والأخ البالغين كالأجنبي في ذلك وتكلموا هنا فيما به البلوغ وهي مسألة تذكر في الفقه.
كذلك الإشارة إلى ما تقدم ذكره من استئذان المماليك وغير البلغ.
ولما أمر تعالى النساء بالتحفظ من الرجال ومن الأطفال غير البلغ في الأوقات التي هي مظنة كشف عورتهن استثنى {القواعد من النساء} اللاتي كبرن وقعدن عن الميل إليهن والافتتان بهن فقال {والقواعد} وهو جمع قاعد من صفات الإناث.
وقال ابن السكيت: امرأة قاعد قعدت عن الحيض.
وقال ابن قتيبة: سُميِّن بذلك لأنهن بعد الكبر يكثرن القعود.
وقال ربيعة لقعودهن عن الاستمتاع بهن فأيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج.
وقيل قعدن عن الحيض والحبل.
و{ثيابهن} الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار والملاء الذي فوق الثياب أو الخمر أو الرداء والخمار أقوال، ويقال للمرأة إذا كبرت امرأة واضع أي وضعت خمارها.
{غير متبرجات بزينة} أي غير متظاهرات بالزينة لينظر إليهن، وحقيقة التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه أو غير قاصدات التبرج بالوضع، ورب عجوز يبدو منها الحرص على أن يظهر بها جمال.
{وأن يستعففن} عن وضع الثياب ويتسترن كالشباب أفضل لهن.
{والله سميع} لما يقول كل قائل {عليم} بالمقاصد.
وفي ذكر هاتين الصفتين توعد وتحذير. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم}.
لمَّا بيِّن فيما مرَّ آنفًا حكمَ الأطفالِ في أنَّه لا جناح عليهم في ترك الاستئذانِ فيما عدا الأوقاتِ الثلاثة عقب ببيان حالِهم بعد البلوغِ دفعًا لمَا عسى يُتوهم أنَّهم وإنْ كانُوا أجانبَ ليسُوا كسائرِ الأجانبِ بسببِ اعتيادهم الدُّخولَ أي إذا بلغَ الأطفالُ الأحرارُ الأجانبُ {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} إذا أرادُوا الدخولَ عليكم وقوله تعالى: {كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ} في حيِّز النَّصبِ على أنَّه نعتٌ لمصدر مؤكِّد للفعل السَّابقِ والموصول عبارةٌ عمَّن قيل لهم: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ} الآية، ووصفهم بكونِهم قبل هؤلاء باعتبار ذكرِهم قبل ذكرِهم لا باعتبار بلوغِهم قبل بلوغِهم كما قيل لما أنَّ المقصودَ بالتشبيه بيانُ كيفيَّةِ استئذان هؤلاءِ وزيادةُ إيضاحِه ولا يتسنَّى ذلك إلا بتشبيهِه باستئذانِ المعهودين عند السَّامعِ ولا ريبَ في أنَّ بلوغهم قبلَ بلوغِ هؤلاءِ مما لا يخطُر ببال أحدٍ وإنْ كان الأمرُ كذلك في الواقع وإنَّما المعهودُ المعروفُ ذكرهم قبلَ ذكرِهم أي فليستأذنُوا استئذانًا كائنًا مثل استئذانِ المذكورينَ قبلهم بأنْ يستأذنُوا في جميع الأوقاتِ ويرجعُوا إنْ قيل لهم: ارجعُوا حسبما فُصِّل فيما سلف {كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الكلامُ فيه كالذي سبقَ والتَّكريرُ للتأكيد والمبالغةِ في الأمر بالاستئذانِ، وإضافةُ الآياتِ إلى ضمير الجلالةِ لتشريفها.
{والقواعد مِنَ النساء} أي العجائزُ اللاتي قعدنَ عن الحيض والحملِ {اللاتى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا} أي لا يطمعنَ فيه لكبرهنَّ {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} أي الثيابَ الظَّاهرةَ كالجلباب ونحوِه، والفاءُ فيه لأن اللاَّمَ في القواعدِ بمعنى اللاَّتِي أو للوصفِ بها {غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ} غير مظهراتٍ لزينةٍ ممَّا أمر بإخفائِه في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} وأصلُ التَّبرجِ التَّكلُّفُ في إظهارِ ما يَخْفى من قولِهم: سفينةٌ بارجةٌ لا غطاءَ عليها والبَرَجُ سعةُ العينِ بحيث يُرى بياضُها محيطًا بسوادِها كلِّه إلا أنَّه خُصَّ بكشفِ المرأةِ زينتَها ومحاسنَها للرِّجال {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} بترك الوضعِ {خَيْرٌ لَّهُنَّ} من الوضعِ لبُعده من التُّهمَة {والله سَمِيعٌ} مبالغٌ في سمعِ جميعِ ما يُسمع فيسمعُ ما يَجري بينهنَّ وبين الرِّجالِ من المقاولةِ {عَلِيمٌ} فيعلم مقاصدهنَّ وفيه من التَّرهيبِ ما لا يخفى. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ}.
لما بين سبحانه آنفًا حكم الأطفال من أنهم لا يحتاجون إلى الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة عقب جل وعلا ببيان حالهم إذا بلغوا دفعًا لما عسى أن يتوهم أنهم وإن كانوا أجانب ليسوا كسائر الأجانب بسبب اعتيادهم الدخول فاللام في {الأصفال} للعهد إشارة إلى {الذين لم يبلغوا الحلم} [النور: 58] المجعولين قسمًا للمماليك أي إذا بلغ الأطفال الأحرار الأجانب {الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} إذا أرادوا الدخول عليكم {كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ} أي الذين ذكروا من قبلهم في قوله تعالى: {كَرِيمٌ يا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا} [النور: 72] وجوز أن تكون القبلية باعتبار الوصف لا باعتبار الذكر في النظم الجليل بقرينة ذكر البلوغ وحكم الطفولية أي الذين بلغوا من قبلهم.