فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وجملة {يا ويلتا} معترضة بين جملة {يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا} وجملة {ليتني لم اتخذ فلانًا خليلًا}.
وفلان: اسم يكنّى عمّن لا يُذكر اسمه العلَمُ، كما يُكنّى بفلانة عمّن لا يُراد ذكر اسمها العلم، سواء كان ذلك في الحكاية أم في غيرها.
قاله ابن السكيت وابن مالك خلافًا لابن السراج وابننِ الحاجب في اشتراط وقوعه في حكايةٍ بالقول، فيعامل فلانُ معاملةَ العَلَم المقرون بالنون الزائدة وفلانة معاملة العَلَم المقترن بهاء التأنيث، وقد جمعهما قول الشاعر:
ألاَ قاتل اللَّه الوشَاةَ وقولَهم ** فُلانة أضحت خُلة لفلان

أراد نفسه وحبيبته.
وقال المَرار العبسي:
وإذا فلان مات عن أُكرومة ** دَفعوا معاوز فقده بفلان

أراد: إذا مات مَن له اسم منهم أخلفوه بغيره في السؤدد، وكذلك قول معن بن أوس:
وحتى سألتُ القَرض من كل ذي ** الغنى ورَدّ فلان حاجتي وفلان

وقال أبو زيد في نوادره: أنشدني المفضل لرجل من ضبة هلك منذ أكثر من مائة سنة، أي في أواسط القرن الأول للهجرة:
إن لسعد عندنا ديوانًا ** يخزي فلانًا وابنَه فلانًا

والداعي إلى الكناية بفلان إما قصد إخفاء اسمه خيفة عليه أو خيفة من أهلهم أو للجهل به، أو لعدم الفائدة لذكره، أو لقصد نوع من له اسمٌ عَلَم.
وهذان الأخيران هما اللذان يجريان في هذه الآية إن حُمِلت على إرادة خصوص عُقبة وأُبَيَ أو حملت على إرادة كل مشرك له خليل صَدّه عن اتّباع الإسلام.
وإنّما تمنّى أن لا يكون اتّخذه خليلًا دون تمنِّي أن يكون عصاه فيما سوّل له قصدًا للاشمئزاز من خلّته من أصلها إذ كان الإضلال من أحوالها.
وفيه إيماء إلى أن شأن الخُلّة الثقة بالخليل وحمل مشورته على النصح فلا ينبغي أن يضع المرءُ خلّته إلا حيث يوقن بالسلامة من إشارات السوء قال الله تعالى {يا أيّها الذين آمنوا لا تتَّخِذوا بطانةً من دُونِكم لا يألونكم خبالًا} [آل عمران: 118] فعلى من يريد اصطفاء خليل أن يسير سيرته في خُويصّته فإنه سيحمل من يخالّه على ما يسير به لنفسه، وقد قال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهُذلي:
فأول راضٍ سُنة مَن يسيرها

وهذا عندي هو محمل قول النبي صلى الله عليه وسلم «لو كنتُ متّخِذًا خليلًا غيرَ ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلًا» فإن مقام النبوءة يستدعي من الأخلاق ما هو فوق مكارم الأخلاق المتعارفة في الناس فلا يليق به إلا متابعة ما لله من الكمالات بقدر الطاقة ولهذا قالت عائشة: كان خُلُقُه القرآن.
وعلمنا بهذا أن أبا بكر أفضل الأمة مكارمَ أخلاق بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي جعَلَه المخيَّرَ لخلته لو كان مُتّخذًا خليلًا غيرَ الله.
وجملة {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني} تعليلية لتمنِّيه أن لا يكون اتخذ فلانًا خليلًا بأنه قد صدر عن خُلته أعظم خسران لخليله إذ أضله عن الحق بعد أن كاد يتمكن منه.
وقوله: {أضلني عن الذكر} معناه سوّل لي الانصراف عن الحق.
والضلال: إضاعة الطريق وخطؤه بحيث يسلك طريقًا غيرَ المقصود فيقع في غير المكان الذي أراده، وإنما وقع في أرض العدوّ أو في مَسبَعة.
ويستعار الضلال للحياد عن الحق والرشد إلى الباطل والسفه كما يستعار ضده وهو الهُدى الذي هو إصابة الطريق لمعرفة الحق والصواب حتى تساوى المعنيان الحقيقيان والمعنيان المجازيان لكثرة الاستعمال، ولذلك سموا الدليل الذي يَسلك بالركب الطريقَ المقصود هَاديًا.
والإضلال مستعار هنا للصرف عن الحق لمناسبة استعارة السبيل لهدى الرسول وليس مستعملًا هنا في المعنى الذي غلب على الباطل بقرينة تعديته بحرف {عن} في قوله: {عن الذكر} فإنه لو كان الإضلال هو تسويل الضلال لما احتاج إلى تعديته ولكن أريد هنا متابعة التمثيل السابق.
ففي قوله: {أضلني} مكنية تقتضي تشبيه الذكر بالسبيل الموصل إلى المنجَى، وإثبات الإضلال عنه تخييل كإثبات الأظفار للمنية، فهذه نكت من بلاغة نظْم الآية.
و{الذكر} هو القرآن، أي نهاني عن التدبر فيه والاستماع له بعد أن قاربت فهمه.
والمجيء في قوله: {إذ جاءني} مستعمل في إسماعه القرآن فكأنَّ القرآن جاءٍ حلَّ عنده.
ومنه قولهم: أتاني نبأ كذا، قال النابغة:
أتاني أبيْتَ اللعن أنك لُمتَني

فإذا حُمل الظالم في قوله: {ويوم يعضّ الظالم على يديه} على معيّن وهو عقبة بن أبي مُعيْط فمعنى مَجيء الذكر إياه أنه كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويأنس إليه حتى صرفه عن ذلك أُبيُّ بن خلف وحمله على عداوته وأذاته، وإذا حُمِل الظالم على العموم فمجيء الذكر هو شيوع القرآن بينهم، وإمكان استماعهم إياه.
وإضلال خِلاّنهم إياهم صرفُ كل واحد خليلَه عن ذلك، وتعاوُن بعضهم على بعض في ذلك.
وقيل: {الذكر} كلمة الشهادة، بناء على تخصيص الظالم بعقبة بن أبي معيط كما تقدم، وتأتي في ذلك الوجوه المتقدمة، فإن كلمة الشهادة لما كانت سببَ النجاة مثلت بسبيل الرسول الهادي، ومُثل الصرف عنها بالإضلال عن السبيل.
و{إذْ} ظرف للزمن الماضي، أي بعد وقتتٍ جاءني فيه الذكر، والإتيان بالظرف هنا دون أن يقال: بعد ما جاءني، أو بعد أن جاءني، للإشارة إلى شدة التمكن من الذكر لأنه قد استقر في زمن وتحقق، ومنه قوله تعالى: {وما كان الله لِيُضِلّ قومًا بعد إذْ هداهم} [التوبة: 115] أي تمكن هديه منهم.
وجملة {وكان الشيطان للإنسان خَذولًا} تذييل من كلام الله تعالى لا من كلام الظالم تنبيها للناس على أن كل هذا الإضلال من عمل الشيطان فهو الذي يسوّل لخليل الظالم إضلال خليله لأن الشيطان خذول الإنسان، أي مجبول على شدة خذله.
والخذل: ترك نصر المستنجِد مع القدرة على نصره، وقد تقدم عند قوله تعالى: {وإن يَخْذُلْكم فَمَنْ ذَا الذي يَنصرُكُم مِن بَعده} في سورة [آل عمران: 160].
فإذا أعان على الهزيمة فهو أشد الخذل، وهو المقصود من صيغة المبالغة في وصف الشيطان بخذل الإنسان لأن الشيطان يكيد الإنسان فيورطه في الضر فهو خذول.
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)}.
عطف على أقوال المشركين ومناسبته لقوله: {لقد أضلّني عن الذكر} [الفرقان: 29] أن الذكر هو القرآن فحكيت شكاية الرسول إلى ربّه قومَه من نبذهم القرآن بتسويل زعمائهم وسادتهم الذين أضلوهم عن القرآن، أي عن التأمل فيه بعد أن جاءهم وتمكنوا من النظر، وهذا القول واقع في الدنيا والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في الشكاية.
والمقصود من حكاية قول الرسول إنذار قريش بأن الرسول توجه إلى ربّه في هذا الشأن فهو يستنصر به ويوشك أن ينصره، وتأكيده ب {إنّ} للاهتمام به ليكون التشكّي أقوى.
والتعبير عن قريش ب {قومي} لزيادة التذمر من فعلهم معه لأن شأن قوم الرجل أن يوافقوه.
وفعل الاتخاذ إذا قيّد بحالة يفيد شدة اعتناء المتَّخذ بتلك الحالة بحيث ارتكب الفعل لأجلها وجعله لها قصدًا.
فهذا أشد مبالغة في هجرهم القرآن من أن يقال: إن قومي هجروا القرآن.
واسم الإشارة في {هذا القرآن} لِتَعظيمه وأن مثله لا يُتّخَذ مهجورًا بل هو جدير بالإقبال عليه والانتفاع به.
والمهجور: المتروك والمفارَق.
والمراد هنا ترك الاعتناء به وسماعِه.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)}.
هذه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ما لقِيَه من بعض قومه هو سنة من سنن الأمم مع أنبيائهم.
وفيه تنبيه للمشركين ليَعْرِضوا أحوالهم على هذا الحكم التاريخي فيعلموا أن حالهم كحال مَن كذّبوا من قوم نوح وعاد وثمود.
والقول في قوله: {وكذلك} تقدم في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا} [البقرة: 143].
والعدوّ: اسم يقع على المفرد والجمع والمراد هنا الجمع.
ووصف أعداء الأنبياء بأنهم من المجرمين، أي من جملة المجرمين، فإن الإجرام أعمّ من عداوة الأنبياء وهو أعظمها.
وإنما أريد هنا تحقيق انضواء أعداء الأنبياء في زمرة المجرمين، لأن ذلك أبلغ في الوصف من أن يقال: عدوًّا مجرمين كما تقدم عند قوله تعالى: {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} في سورة البقرة (67).
وأعقب التسلية بالوعد بهداية كثير ممّن هم يومئذ مُعرِضون عنه كما قال النبي: لعلّ الله أن يُخرج من أصلابهم مَن يعبدُه وبأنه ينصره على الذين يُصرّون على عداوته لأن قوله: {وكفى بربك هاديًا ونصيرًا} تعريض بأن يفوض الأمر إليه فإنه كاف في الهداية والنصر.
والباء في قوله: {بربك} تأكيد لاتصال الفاعل بالفعل.
وأصله: كفى ربُّك في هذه الحالة. اهـ.

.قال الشنقيطي:

{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25)}.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء تتشقق يوم القيامة بالغمام، وأن الملائكة تنزل تنزيلًا. وقال القرطبي: تتشقق السماء بالغمام أي عن الغمام. قال: والباء وعن يتعاقبان كقولك: رميت بالقوس، وعن القاموس انتهى. ويستأنس لمعنى عن بقوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: 44] الآية.
وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة من تشقق السماء يوم القيامة ووجود الغمام، وتنزيل الملائكة كلها جاءت موضحة في غير هذا الموضع.
أما تشقق السماء يوم القيامة فقد بينه جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه كقوله تعالى: {فَإِذَا انشقت السماء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} [الرحمن: 37] وقوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة وانشقت السماء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة: 1516] وقوله: {إِذَا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] الآية وقوله تعالى: {فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ وَإِذَا السماء فُرِجَتْ} [المرسلات: 89] الآية فقوله: فرجت: أي شقت، فكان فيها فروج أي شقوق كقوله: {إِذَا السماء انفطرت} [الأنفطار: 1] وقوله تعالى: {وَفُتِحَتِ السماء فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [النبّأ: 19] وأما الغمام ونزول الملائكة، فقد ذكرهما معًا في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة} [البقرة: 210] الآية. وقد ذكر جل وعلا نزول الملائكة في آيات أخرى كقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ والملك صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] وقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158] الآية وقوله تعالى: {مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ} [الحجر: 8].
قال الزمخشري: والمعنى: أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون، وفي أيديهم صحف أعمال العباد. انتهى منه.
وقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر تشقق بتشديد الشين، والباقون بتخفيفها بحذف إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير: وننزل الملائكة بنونين الأولى مضمومة، والثانية ساكنة مع تخفيف الزاي، وضم اللام، مضارع أنزل، والملائكة بالنصب مفعول به، والباقون بنون واحدة وكسر الزاي المشددة ماضيًا مبنيًا للمفعول، والملائكة مرفوعًا نائب فاعل نزل، والأظهر أن يوم منصوب باذكر مقدرًا، كما قاله القرطبي، والعلم عند الله تعالى.