فصل: قال سيد قطب في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والمعنى: ولقد أتوا أي: مشركو مكة على قرية قوم لوط التي أمطرت مطر السوء، وهو الحجارة أي: هلكت بالحجارة التي أمطروا بها، وانتصاب مطر على المصدرية، أو على أنه مفعول ثانٍ: إذ المعنى: أعطيتها، وأوليتها مطر السوء، أو على أنه نعت مصدر محذوف أي: إمطارًا مثل مطر السوء، وقرأ أبو السموأل: {السوء} بضم السين، وقد تقدّم تفسير السوء في براءة {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} الاستفهام للتقريع والتوبيخ؛ أي: يرون القرية المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة، فإنهم يمرّون بها، والفاء للعطف على مقدّر أي: لم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا} أضرب سبحانه عما سبق من عدم رؤيتهم لتلك الآثار إلى عدم رجاء البعث منهم المستلزم لعدم رجائهم للجزاء، ويجوز أن يكون معنى يرجون: يخافون.
{وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا} أي: ما يتخذونك إلاّ هزؤًا أي: مهزوءًا بك، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزوًا، فجواب {إذا} هو {إِن يَتَّخِذُونَكَ} وقيل: الجواب محذوف، وهو قالوا: أهذا الذي، وعلى هذا، فتكون جملة {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ} معترضة، والأوّل أولى.
وتكون جملة: {أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولًا} في محل نصب على الحال بتقدير القول: أي: قائلين أهذا؟ إلخ، وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له، وتهكمهم به، والعائد محذوف أي: بعثه الله، وانتصاب {رسولًا} على الحال أي: مرسلًا، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره الموصول، وصلته {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا} أي: قالوا: إن كاد هذا الرسول ليضلّنا: ليصرفنا عن آلهتنا، فنترك عبادتها، وإن هنا هي المخففة، وضمير الشأن محذوف أي: إنه كاد أن يصرفنا عنها {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} أي: حبسنا أنفسنا على عبادتها، ثم إنه سبحانه أجاب عليهم، فقال: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} أي: حين يرون عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه ويستوجبونه بسبب كفرهم من هو أضلّ سبيلا أي: أبعد طريقًا عن الحق والهدى، أهم أم المؤمنون؟
ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع الهوى، فقال معجبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم {أَرَءَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} قدّم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقًا زيدًا أي: أطاع هواه طاعة كطاعة الإله أي: انظر إليه يا محمد، وتعجب منه.
قال الحسن: معنى الآية: لا يهوى شيئًا إلاّ اتبعه {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} الاستفهام للإنكار والاستبعاد أي: أفأنت تكون عليه حفيظًا وكفيلًا حتى تردّه إلى الإيمان، وتخرجه من الكفر، ولست تقدر على ذلك ولا تطيقه، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك البلاغ.
وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بآية القتال.
ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر، فقال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} أي: أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من آيات القرآن، ومن المواعظ؟ أو يعقلون معاني ذلك، ويفهمونه حتى تعتني بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، وليسوا كذلك، بل هم بمنزلة من لا يسمع ولا يعقل.
ثم بين سبحانه حالهم، وقطع مادّة الطمع فيهم، فقال: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام} أي: ما هم في الانتفاع بما يسمعونه إلاّ كالبهائم التي هي مسلوبة الفهم والعقل فلا تطمع فيهم، فإن فائدة السمع والعقل مفقودة، وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يتلى عليهم، ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك كانوا كالفاقد له.
ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم بأنهم كالأنعام إلى ما هو فوق ذلك، فقال: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} أي: أضل من الأنعام طريقًا.
قال مقاتل: البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون، ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم.
وقيل: إنما كانوا أضلّ من الأنعام، لأنه لا حساب عليها، ولا عقاب لها، وقيل: إنما كانوا أضلّ؛ لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عنادًا ومكابرة وتعصبًا وغمطًا للحق.
وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هارون وَزِيرًا} قال: عونًا وعضدًا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فدمرناهم تَدْمِيرًا} قال: أهلكناهم بالعذاب.
وأخرج ابن جرير عنه قال: الرسّ قرية من ثمود.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضًا قال: الرسّ بئر بأذربيجان، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس: أنه سأل كعبًا عن أصحاب الرسّ قال: صاحب يس الذي قال: {قَالَ يَا قَوْم اتبعوا المرسلين} [ياس: 20] فرسه قومه في بئر بالأحجار.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أوّل الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله بعث نبيًا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلاّ ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية غدوا على النبي، فحفروا له بئرًا، فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه فيشتري به طعامًا وشرابًا، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة فيعينه الله عليها، فيدلي طعامه وشرابه، ثم يردّها كما كانت، فكان كذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يومًا يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته، وفرغ منها، فلما أراد أن يحملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب على أذنه سبع سنين نائمًا، ثم إنه ذهب فتمطى، فتحوّل لشقه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه ذهب فاحتمل حزمته ولا يحسب إلاّ أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية، فباع حزمته، ثم اشترى طعامًا، وشرابًا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه، فلم يجده، وقد كان بدا لقومه فيه بدّ فاستخرجوه فآمنوا به وصدقوه، وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون: ما ندري حتى قبض ذلك النبي، فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك، إن ذلك الأسود لأوّل من يدخل الجنة».
قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراجه: وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجًا. انتهى.
الحديث أيضًا مرسل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال: القرن مائة وعشرون عامًا.
وأخرج هؤلاء عن قتادة قال: القرن سبعون سنة، وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة قال: القرن مائة سنة.
وقد روي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «القرن مائة سنة»، وقال: «القرن خمسون سنة»، وقال: «القرن أربعون سنة» وما أظنه يصح شيء من ذلك، وقد سمى الجماعة من الناس قرنًا كما في الحديث الصحيح: «خير القرون قرني» وأخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى معدّ ابن عدنان أمسك، ثم يقول: «كذب النسابون قال الله: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذلك كَثِيرًا}».
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية} قال: هي سدوم قرية لوط {التى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء} قال: الحجارة.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {أَرَءَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} قال: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانًا من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجرًا أحسن منه رمى به وعبد الآخر، فأنزل الله الآية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في الآية قال: ذلك الكافر لا يهوى شيئًا إلاّ اتبعه. اهـ.

.قال سيد قطب في الآيات السابقة:

{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)}.
يبدأ هذا الشوط من السورة بما يشبه بدء الشوط الأول، ويسير سيرته في تقديم ما يتطاول به المشركون على ربهم، وما يتفوهون به من اعتراضات واقتراحات، مقدمة لما يتطاولون به على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام تسليته وتعزيته. غير أن السياق هنا يعجل بعرض ما ينتظرهم من عذاب الآخرة عقابًا على ذلك التطاول، في سلسلة متصلة من مشاهد القيامة، ردًا على قولهم: {لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا}.. ثم يعرض اعتراضاتهم على تنزيل القرآن منجمًا، ويعقب ببيان الحكمة من تنزيله متتابعًا، ويطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم على عون الله له كلما تحدوه في جدل: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا.. ويعرض عليه وعليهم مصارع المكذبين قبلهم، ويوجه نظرهم إلى مصرع قوم لوط، وهم يمرون على قريته المدمرة، مستنكرًا ألا يحرك قلوبهم منظرها وهم يمرون عليها.. كل أولئك مقدمة لعرض استهزائهم بشخصه صلى الله عليه وسلم وتطاولهم على مقامه، وما يكاد يعرض هذا حتى يعقب عليه تعقيبًا قويًا، يحقرهم فيه ويحتقرهم: {إِن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا}.
{وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا! لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًا كبيرًا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرًا محجورًا وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلًا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يومًا على الكافرين عسيرًا ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا يا ويلتا! ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولًا}.
إن المشركين لا يرجون لقاء الله، أي لا ينتظرون هذا اللقاء، ولا يحسبون حسابه، ولا يقيمون حياتهم وتصرفاتهم على أساسه. ومن ثم لا تستشعر قلوبهم وقار الله وهيبته وجلاله، فتنطلق ألسنتهم بكلمات وتصورات لا تصدر عن قلب يرجو لقاء الله.
{وقال اللذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا!}.
فقد كانوا يستبعدون أن يكون الرسول بشرًا؛ وكانوا يطلبون، لكي يؤمنوا بالعقيدة التي يدعوهم إليها، أن تنزل عليهم الملائكة تشهد بها، أو أن يروا الله سبحانه وتعالى فيصدقوا.. وهو تطاول على مقام الله سبحانه. تطاول الجاهل المستهتر الذي لا يحس جلال الله في نفسه، ولا يقدر الله حق قدره. فمن هم حتى يتطاولوا هذا التطاول؟ من هم إلى جوار الله العظيم الجبار المتكبر؟ من هم وهم في ملك الله وخلقه كالذرة التائهة الصغيرة، إلا أن يربطوا أنفسهم بالله عن طريق الإيمان فيستمدوا منه قيمتهم.
ومن ثم يرد عليهم في نفس الآية قبل أن تنتهي، يكشف عن منبع هذا التطاول:
{لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًا كبيرًا}.
لقد عظم شأنهم في نظر أنفسهم، فاستكبروا واطغوا طغيانًا كبيرًا. لقد تضخم شعورهم بأنفسهم حتى شغلهم عن تقدير القيم الحقيقية ووزنها وزنًا صحيحًا. لقد عادوا ما يحسون إلا أنفسهم وقد كبرت في أعينهم وتضخمت وعظمت، حتى ليحسبونهم شيئًا عظيمًا في هذا الكون يستحق أن يظهر لهم الله جل جلاله ليؤمنوا ويصدقوا!
ثم يسخر منهم بصدق وحق، إذ يطلعهم على الهول الذي ينتظرهم يوم يرون الملائكة ورؤية الملائكة هي أقل الطلبين تطاولًا فإنهم لا يرون الملائكة إلا في يوم عصيب هائل، ينتظرهم فيه العذاب الذي لا طاقة لهم به، ولا نجاة لهم منه. ذلك هو يوم الحساب والعقاب:
{يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرًا محجورًا وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا}.
يوم يتحقق اقتراحهم الذي اقترحوه: {يوم يرون الملائكة} يومئد لا يبشر المجرمون ولكن يعذبون. فيالها من استجابة لما يقولون! يومئذ يقولون: {حجرًا محجورًا} أي حرامًا محرمًا. وهي جملة اتقاء للشر وللأعداء كانوا يقولونها استبعادًا لأعدائهم وتحرزًا من أذاهم. وهي تجري في ذلك اليوم على ألسنتهم بحكم العادة من الذهول حين يفاجأون. ولكن أين هم اليوم مما كانوا يقولون! إن الدعاء لا يعصمهم ولا يمنعهم: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا}.
هكذا في لحظة. والخيال يتبع حركة القدوم المجسمة المتخيلة على طريقة القرآن في التجسيم والتخييل وعملية الإثارة للأعمال، والتذرية في الهواء، فإذا كل ما عملوا في الدنيا من عمل صالح هباء. ذلك أنه لم يقم على الإيمان، الذي يصل القلب بالله، والذي يجعل العمل الصالح منهجًا مرسومًا وأصلًا قاصدًا، لا خبط عشواء، ولا نزوة طارئة، ولا حركة مبتورة لا قصد لها ولا غاية. فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج، ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم.
إن وجود الإنسان وحياته وعمله في نظرة الإسلام موصولة كلها بأصل هذا الكون، وبالناموس الذي يحكمه، والذي يصله كله بالله. بما فيه الإنسان وما يصدر عنه من نشاط. فإذا انفصل الإنسان بحياته عن المحور الرئيسي الذي يربطه ويربط الكون، فإنه يصبح لقي ضائعًا لا وزن له ولا قيمة، ولا تقدير لعمله ولا حساب. بل لا وجود لهذا العمل ولا بقاء.