فصل: مطلب ما يقال في مواقف القيامة وعدم جواز أخذ الأجرة على الأمور الدينية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مطلب ما يقال في مواقف القيامة وعدم جواز أخذ الأجرة على الأمور الدينية:

{قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ} بعضهم لبعض أثناء الخصام {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} نحن وإياكم ومن الضلال بمكان {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ} فنعليكم ونجعلكم سواسية معه، وما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، فكيف نعبدكم دون خالقكم {وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} الّذين سنوا لنا الشرك قديما من إبليس وقابيل، فهما أول من سن العصيان في الأرض، وهذا إنما يتجه إذا كان هذا القول من التابعين والمتبوعين، أما إذا كان من التابعين فقط فيكون معنى المجرمين الرؤساء والقادة، يدل على الأول قوله تعالى {فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ} يشفعون لنا اليوم مثل ما للمؤمنين من الأبناء والأولياء والملائكة والصالحين {وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} مخلص كما لهم أيضا، حيث يكون التصادق إذ ذاك بين المؤمنين والتعادي بين الكافرين، قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} الآية 28 من سورة الزخرف، وهؤلاء الذين كان يجمعهم إخاؤهم على التقوى، أما الذين يجمعهم إخاؤهم على المعصية الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه فيكون كل منهم عدوا للآخر، لأن كل من كانت صداقته في الدنيا لأغراض قبيحة لا تدوم صداقته في الدنيا ولا تنفع في الآخرة ذويها، وتكون عليهم حسرة، راجع تفسير الآية 34 من سورة مريم المارة والآية 140 من سورة البقرة في ج 3.
قال الحسن استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة، وقال صلّى اللّه عليه وسلم: استكثروا من الإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة.
{فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً} رجعة أخرى في الدنيا {فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بالرسل وما جاءوا به من اللّه، طفقوا يتمنون المحال لشدة الندم والأسف على ما فاتهم في الدنيا، مع أنهم لو أجيبوا لرجعوا إلى كفرهم، قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ} الآية 29 من الانعام. انتهى كلامهم.
وسياق الآيات يدل على أنه من الطرفين كما ذكرنا {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} تقدم تفسير مثلها، ومن كمال رحمته إمهال أكثر قريش حتى آمنوا به، بخلاف الأمم الماضية فإنه عجل عقوبتهم دفعة واحدة {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} قبله كإدريس وشيث كما كذّبته هو، ومن كذب نبيا فكأنما كذب جميع الأنبياء {إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ} بالنسب لا في الخلقة فقط، لأنه منهم {أَلا تَتَّقُونَ} اللّه فتؤمنوا بي، وألا أداة استفتاح بستفتح بها الكلام، وتفيد التنبيه وطلب الشيء بلين ورفق، ويقابلها هلّا للحثّ على فعل الشيء بشدّة وإزعاج {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ} من اللّه خالقكم {أَمِينٌ} على أداء رسالته إليكم وعليكم وكان مشهورا عندهم بالأمانة مثل محمد صلّى اللّه عليه وسلم إذ كان يسمى الأمين {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم وأنهاكم لئلا ينزل بكم عقابه {وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} لتتهموني بقصد ما وإنما أسديكم نصحي وإرشادي مجانا {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ} لا على أحد منكم، لأن العمل إذا كان للّه فلا يطلب عليه أجر من غيره، تفيد هذه الآية لزوم تحاشي العلماء عن طلب أجر على تعليم القرآن والحديث والعلم، لأنهم ورثة الأنبياء فينبغي أن يقتدوا بمورثيهم ويبثوا ما عندهم من العلوم مجانا للعامة كما علمهم اللّه، وكذلك الجهات الدينية كالإمامة والخطابة والأذان والوعظ فلا ينبغي أن يؤخذ عليها أجر ما إلا لحاجة ماسة، كمن ليس له مورد ما ولا شيء من الوقف ولا يقدر على العمل مع القيام بذلك {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} كررها تأكيدا وتقريرا أولا بأنه رسول اللّه، وثانيا بأنه لا يأخذ أجرة على هذه الدعوة، وانظر بماذا أجابوه قاتلهم اللّه {قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} السفلة الفقراء، أي كيف نؤمن بك وانك تساوينا معهم ولم نرضهم خدما، وهم آمنوا بك من غير حجة ونظر واستدلال أو حذق بصر أو بصيرة بل ليعيشوا بفضلك.

.مطلب لا تضرّ خسّة الصنعة مع الإيمان ولا يكفي النسب بلا تقوى:

ومعنى الرذالة الخسة، وخصوهم بها لقلة ذات يدهم من الدنيا ولخسة صنائعهم، لأن منهم الحاكة والحجامة والإسكافية والمعدم الذي لا مال له ولا نشب، على أن الفقر ليس بشيء يعاب عليه وكذلك الصنعة قال:
قد يدرك المجد الفتى ورداؤه ** خلق وجيب قميصه مرقوع

وقال أبو العتاهية:
وليس على عبد تقي نقيصة إذا ** صحح التقوى وإن حاك أو حجم

وخسة الصنعة خير من السؤال قال الأصمعي رأيت زبالا ينشد:
وأكرم نفسي إنني إن أهنتها ** وحقّك لا تكرم على أحد بعدي

فقلت له وما بعد هذه الإهانة؟ قال السؤال منك، فحجني ووليت.
وكذلك عدم النسب لا يزري بالشرف، قال تعالى: {فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ} الآية 102 من سورة المؤمنين في ج 2، وقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ} الآية 13 من سورة الحجرات في ج 3، وقال صلّى اللّه عليه وسلم: أنا جد كل تقي، وقال: لا فضل لأسود على أحمر ولا لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وقال القائل:
وليس بنافع نسب زكي ** تدنسه صنائعك القباح

وقال أيضا:
لا ينفع النسب من هاشم ** إذا كانت النفس من باهله

على أن الإسلام قد ساوى بين أكثر الناس واحتفظ بحق الشرف الاصلي للرجل فقال صلّى اللّه عليه وسلم: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا.
وقال القائل:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ** إذا افتخروا بقيس أو تميم

وليعلم أن الغنى غنى الدين، والنسب نسب التقوى، والرفع والخفض من جهتهما:
لقد رفع الإسلام سلمان فارس ** وقد وضع الشرك الحسيب أبا لهب

والصنعة مهما كانت حقيرة خير من ذل السؤال، وأحفظ لماء وجه الرجل، ولا يجوز أن يسمى المؤمن رذيلا ولو كان أفقر الناس مالا وأوضعهم نسبا وأخسهم صنعة، وما زالت اتباع الرسل بادي الرأي كذلك، وأتباع الصالحين من بعدهم حتى الآن، فترى أكثر علماء المدن وصالحيها من القرى ومن عادي الناس، لكن مع الأسف بعد أن رفعهم العلم وينالوا الشرف على الناس بسلّمه الذي صعدوا عليه ترى خلفهم عمدوا إلى تحطيم ذلك السلم واعرضوا عن العلم الذي هو أساس شرفهم وتقدمهم، فما تحس بهم إلا وقد أخمد اللّه تلك الشعلة النورانية فيهم، فصاروا من أحسن الناس بسوء عملهم، قال تعالى: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ} الآية 55 من سورة الأنفال، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ} واللّه تعالى أكرم من أن يسلب نعمة من عبده وهو يشكرها، ولكن كفرانها مزيل لها، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ} الآية 7 من سورة إبراهيم في ج 2، {قالَ} تعالى حاكيا على لسان نوح عليه السّلام {وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} من الصناعات، أو أن إيمانهم عن غير نظر واستدلال، إنما أطلب منهم الإيمان الظاهري في الدنيا واللّه يتولى سرائرهم في الآخرة، يدلك على هذا قوله: {إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} إن اللّه سيحاسبهم على ما في ضمائرهم وعقائدهم لا على صنائعهم وظواهرهم ومكانتهم بينكم وضعة نسبهم فيكم، فلو علمتم هذا لما عيرتموهم بذلك {وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} من أجل فقرهم وخسة صنعتهم وضعة نسبهم، أو لأن إيمانهم بقصد التعيش كما زعمتم {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} بالبرهان الصحيح والدليل القاطع أظهر لكم الحق من الباطل، فأقبل من يتبعني، وأدعوا لمن يعرض عني لأقيه من عذاب اللّه، لا لغرض ولا لعوض، أملا من اللّه أن يرشدكم للصواب ويهديكم لما به نجاتكم.
وانظر بماذا أجابوه على نصحه هذا {قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ} عن دعوتك هذه {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} بالحجارة حتى تموت {قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} فيما وعدتهم به من نزول العذاب بهم إن لم يؤمنوا بك وجحدوا رسالتي ووحدانيتك {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} أي احكم بيننا لأن فتح بمعنى حكم، والفتاح الحاكم لأنه يفتح مغلقات الأمور، كما يسمى فيصلا ففصله بين الخصمين {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بك والمصدقين لرسالتي فأجابه اللّه تعالى بقوله: {فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} المملوء الموقر من أصناف الإنسان والحيوان والطير، قال تعالى: {قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} وتقدمت قصته مفصلة في تفسير الآية 59 من سورة الأعراف المارة {ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ} الذين لم يؤمنوا به بما فيهم زوجته واعلة وابنه كنعان {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً} عظيمة {وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} بانقاذ المؤمنين ويفهم من قوله الباقين أن نوحا عليه السّلام مرسل لمن على وجه الأرض أجمع ولانه قال في قصة موسى {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} قالوا ان عدد المؤمنين الذين كانوا في السفينة ثمانون نسمة، وانهم أنشئوا قرية في محل إرسائها قرب الجودي وسموها قرية الثمانين، وسنأتي على تمام القصة في تفسير الآية المذكورة من سورة هود، وسنبحث في عموم رسالته من حيث الآخر، وخصوصها من حيث المبدأ هناك أيضا، وأن رسالة محمد عامة أولا وآخرا، ورسالة بقية الرسل خاصة أولا وآخرا، وان عاقبة المصرين على الكفر المستكبرين عن الحق الانتقام بالعذاب الأليم، قال تعالى: {كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ} أنت الضمير باعتبار القبيلة، وعاد اسم أبيهم الأقصى وكثير ما يعبر عن القبيلة بالأب إذا كانت كبيرة أو كان رئيسها عظيما، وقد يعبر عنها ببني فلان أو آل فلان {إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} نسبا لادينا {هُودٌ} هو عابر بن شالخ بن ارفخشد، بن سام بن نوح عليه السّلام، وسمي هودا لوقاره أخذا من الهوادة التؤدة والسكينة، وهو اسم عربي فصيح، وقومه وقوم صالح عرب، لأنه من نسل نوح أيضا أما شعيب وإسماعيل فمن نسل إبراهيم عليهم السّلام، فيكون مجموع الأنبياء العرب خمسة: عاش مئة وخمسين سنة، وأرسل على رأس الأربعين من عمره إلى أولاد عاد، وخاطبهم بقوله: {أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} وهكذا كل الأنبياء أمناء اللّه على وحيه وعلى عباده {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم وأنهاكم بقصد إرشادكم وهدايتكم {وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ} تقدم مثله، وهو عبارة عن تنزيهه عن المطامع الدنيوية والأغراض الدنيئة حتى لا يشك فيه ان له رائدا آخر غير اللّه، ثم شرع يعدد مساويهم فقال: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ} مكان مرتفع، وقيل هو الفج بين الجبلين والطريق وكل ما يشرف على غيره {آيَةً} برجا عاليا كالعلم وقد بين مواضع الذم في اتخاذهم البناء العالي بقوله: {تَعْبَثُونَ} بالمارة وتستهزئون بهم من فوقهم بسبب اشرافكم عليهم مع انكم بغنى عن ذلك وتقصدون به التفاخر والتطاول عليهم لالسدّ حاجتكم وكفايتكم، او لا حاجة لكم لعلو البناء لفسحة أراضيكم {وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ} حياضا كبيرة محصنات لجمع الماء {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} بذلك في هذه الدنيا التي لا خلود فيها، فاقطعوا أملكم منها واعلموا انكم ميّتون ما عمرتم فيها وتاركون قصوركم وحياضكم وغيرها {وَإِذا بَطَشْتُمْ} عاقبتم أحدا لجرم ما {بَطَشْتُمْ} ضربتم ضربا مبرحا بالسوط وقتلا بالسيف بطش أناس {جَبَّارِينَ} بلا رحمة ولا شفقة ولا رأفة والجبار وصف مذموم بالخلق لأن الذي يضرب ويقتل بمجرد غضبه غير ناظر للمضروب انه مستحق ذلك أم لا {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} بالكف عن هذه الأفعال الذميمة.
{اتَّقُوا اللّه الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ} من العافية والنعم المبينة بقوله: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ} كثيرة متنوعة {وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} جاربة بينها ولم تشكروه وقد ضرب صفحا عن نعمة خلقهم وما متعهم به من سمع وبصر وقوة وعقل، لانهم ليسوا بأهل للاستدلال والنظر، ولهذا اقتصر على النعم المنهمكين فيها، وكان خلقهم التكاثر بالأموال والأولاد، والتفاخر بالكثرة فيها {إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ} ان لم تؤمنوا أن يصبّ عليكم {عَذابَ يَوْمٍ} من ربكم {عَظِيمٍ} لا أعظم منه إن بقيتم على كفركم وأصررتم على عصيانكم، وانظر بماذا جاوبره {قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ} فإنا لا نسمع قولك ولا نطيع أمرك، وهو جواب بغاية الاستخاف وقلة الاكتراث وعدم المبالاة، مع أن ما وعظهم به كان على غاية من اللين، ولكن قلوبهم قاسية يلين الحجر ولا تلين، راجع الآية 13 من البقرة في ج 3.
ثم قالوا له {إِنْ هذا} الذي نحن عليه من بناء القصور ومصانع المياه وشدة البطش والعبث ما هو {إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} آبائنا ومن قبلهم أي عبادتهم وديدنهم ولم يبعثوا بعد موتهم كما تقول ولم يعذبوا، ولهذا فلا محل لقبول نصحك {وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أيضا ولا مبعوثين ولا محاسبين على ما نفعله، قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} ولم ينتفعوا بإرشاده {فَأَهْلَكْناهُمْ} بريح صرصر عاتية فلم تبق لهم باقية، وتقدمت قصتهم مفصلة في الآية 72 من الأعراف المارة، {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً} كافية لمن يعتبر بها.
{وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} تقدم تفسيره.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ} بن غاير بن أرم بن سام بن نوح كانت مساكنهم بين الحجاز والشام {الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ} بن عبيد بن جاوز بن ثمود أرسله اللّه إليهم بعد هود بمئة سنة، وعاش مئتين وعشرين سنة {أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ} تقدم مثله {أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا} في هذه الدنيا ونعيمها {آمنين} من الموت وعذاب الآخرة الذي لابد لكم منه، الذي لم ينج منه من تقدمكم من الأمم الكافرة، فلا تغتروا بما أنتم عليه، فإنه نازل بكم إذا لم تؤمنوا باللّه ورسوله وصحفه وتموتوا على ذلك، فلا تأمنوا مكر اللّه بما أنعم عليكم {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ} نضيج لين رطب، ينهضم في المعدة فلا يحتاج إلى كثير مضغ {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ} أشرين بطرين في هذه الدنيا، كلا لا تتوهموا ذلك فهو محال اغترّ فيه من قبلكم فهلكوا وخلفوها لمن بعدهم وتحملوا عذابها.
سأل نافع بن الأرزق ابن عباس رضي اللّه عنهم عن معنى الهضيم فقال: هو المنضمّ بعضه إلى بعض، فقال له وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت قول امرئ القيس:
دار لبيضاء العوارض طفلة ** مهضومة الكشحين ريّا المعصم

{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} في المعاصي الذين تآمروا على مخالفته، وهم الرهط التسعة الآتي ذكرهم في الآية 47 من سورة النمل الآتية.
{الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} لتوغلهم في الفساد ودأبهم على المخالفة للحق {قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} الذين خدعهم السحر واستولى على حواسهم {ما أَنْتَ} أيها الآمر المدعي النبوة {إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا} تأكل وتشرب وتنكح ولست برسول ولا ملك {فَأْتِ بِآيَةٍ} تدل على صحة دعواك {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} بأن اللّه أرسلك إلينا مما ذكرت {قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ} حظ من الماء العائد لكم {وَلَكُمْ} مثله.
{شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} لكم يوم ولها يوم فلا تزاحموها عليه وهي آية على نبوتي {وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ} من ضرب أو نهر أو منع عن الورود والمرعى، فإذا فعلتم شيئا من ذلك {فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فلم يعبأوا بقوله فعمدوا إليها {فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ} إذ شاهدوا العذاب أظلهم.