فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {فلما تَراءى الجمعان}.
وقرأ أبو رجاء، والنخعي، والأعمش: {تَرِاأَى} بكسر الراء وفتح الهمزة، أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه.
قوله تعالى: {كَلاّ} أي: لن يُدركونا {إِنَّ مَعِيَ ربِّي سَيَهدين} أي: سيدلُّني على طريق النجاة.
قوله تعالى: {فانْفَلَقَ} فيه إِضمار فضرب فانفلق، أي: انشقَّ الماء اثني عشر طريقًا {فكان كُلُّ فِرْقٍ} أي: كل جزءٍ انفرق منه.
وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري: {كُلُّ فِلْقٍ} باللام، {كالطود} وهو الجبل.
قوله تعالى: {وأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِين} أي: قرَّبْنا الآخَرين من الغرق، وهم أصحاب فرعون.
وقال أبو عبيدة: {أزلفنا} أي: جمعنا.
قال الزجاج: وكلا القولين حسن، لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض، وأصل الزُّلفى في كلام العرب: القُرْبَى.
وقرأ ابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب، وأبو رجاء، والضحاك، وابن يعمر: {أَزْلَقْنَا} بقاف، وكذلك قرأوا: {وأُزْلِقَتِ الجنَّةُ} [الشعراء: 90] بقاف أيضًا.
قوله تعالى: {إِنَّ في ذلكَ لآيةً} يعني: في إِهلاك فرعون وقومه عبرة لمن بعدهم {وما كان أكثرُهم مؤمنِين} أي: لم يكن أكثر أهل مصر مؤمنين، إِنما آمنت آسية، وخِربيل مؤمن آل فرعون، وفنّة الماشطة، ومريم امرأة دلَّت موسى على عظام يوسف، هذا قول مقاتل.
وما أخللنا به من تفسير كلمات في قصة موسى، فقد سبق بيانها، وكذلك ما يُفقد ذِكْره في مكان، فهو إِما أن يكون قد سبق، وإِما أن يكون ظاهرًا، فتنبَّه لهذا. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان} أي تقابلا الجمعان بحيث يرى كل فريق صاحبه، وهو تفاعل من الرؤية.
{قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} أي قرب منا العدوّ ولا طاقة لنا به.
وقراءة الجماعة {لَمُدْرَكُونَ} بالتخفيف من أدرك.
ومنه {حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق} [يونس: 90].
وقرأ عبيد بن عمير والأعرج والزهري {لَمُدَّرِكُونَ} بتشديد الدال من ادّرك.
قال الفراء: حفر واحتفر بمعنى واحد، وكذلك {لَمُدْرَكُونَ} و{لَمُدَّرَكُونَ} بمعنى واحد.
النحاس: وليس كذلك يقول النحويون الحذّاق؛ إنما يقولون: مُدْرَكون ملحقون، ومدّركون مجتهد في لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت، واكتسبت بمعنى اجتهدت وطلبت وهذا معنى قول سيبويه.
قوله تعالى: {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} لما لحق فرعون بجمعه جمعَ موسى وقرب منهم، ورأت بنو إسرائيل العدوّ القويّ والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} فردّ عليهم قولهم وزَجَرهم وذكَّرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر {كَلاَّ} أي لم يدركوكم {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي} أي بالنصر على العدوّ.
{سَيَهْدِينِ} أي سيدلّني على طريق النجاة؛ فلما عظم البلاء على بني إسرائيل، ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم بها، أمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه؛ وذلك أنه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله؛ وإلا فضرب العصا ليس بفارق للبحر، ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله تعالى واختراعه.
وقد مضى في البقرة قصة هذا البحر.
ولما انفلق صار فيه اثنا عشر طريقًا على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء بينها كالطود العظيم، أي الجبل العظيم.
والطود الجبل؛ ومنه قول امرىء القيس:
فبينا المرءُ في الأحياءِ طَوْدٌ ** رَماهُ الناسُ عن كَثَبٍ فَمَالاَ

وقال الأسود بن يَعْفُر:
حَلُّوا بأنْقرةٍ يَسيلُ عليهمُ ** ماءُ الفُراتِ يجيءُ من أَطْوَادِ

جمع طود أي جبل.
فصار لموسى وأصحابه طريقًا في البحر يَبَسًا؛ فلما خرج أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون على ما تقدّم في يونس انصب عليهم وغرق فرعونُ؛ فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعونُ؛ فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه.
وروى ابن القاسم عن مالك قال: خرج مع موسى عليه السلام رجلان من التجار إلى البحر فلما أتوا إليه قالا له بم أمرك الله؟ قال: أمرت أن أضرب البحر بعصاي هذه فينفلق؛ فقالا له: افعل ما أمرك الله فلن يخلفك؛ ثم ألقيا أنفسهما في البحر تصديقًا له؛ فما زال كذلك البحر حتى دخل فرعون ومن معه، ثم ارتد كما كان.
وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة.
قوله تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخرين} أي قربناهم إلى البحر؛ يعني فرعون وقومه.
قاله ابن عباس وغيره؛ قال الشاعر:
وكلُّ يوم مَضَى أو ليلةٍ سلَفَتْ ** فيها النفوسُ إلى الآجال تَزْدَلِفُ

أبو عبيدة: {أَزْلَفْنَا} جمعنا ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جَمْع.
وقرأ أبو عبد الله بن الحارث وأبيّ بن كعب وابن عباس: {وَأَزْلَقَنَا} بالقاف على معنى أهلكناهم؛ من قوله: أزلقت الناقةُ وأزلقت الفرسُ فهي مُزْلِق إذا أزلقت ولدها.
{وَأَنجَيْنَا موسى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخرين} يعني فرعون وقومه.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي علامة على قدرة الله تعالى {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} لأنه لن يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل وابنته آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ذا موسى العجوز التي دلّت على قبر يوسف الصديق عليه السلام.
وذلك أن موسى عليه السلام لما خرج ببني إسرائيل من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا.
قال موسى: فأيكم يدري قبره؟ قال: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل؛ فأرسل إليها؛ فقال: دلّيني على قبر يوسف، قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة؛ فثقل عليه، فقيل له: أعطها حكمها؛ فدلّتهم عليه، فاحتفروه واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها، فإذا الطريق مثل ضوء النهار في رواية: فأوحى الله إليه أن أعطها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة، فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء فأنضبوه واستخرجوا عظام يوسف عليه السلام؛ فتبينت لهم الطريق مثل ضوء النهار.
وقد مضى في يوسف.
وروى أبو بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي فأكرمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حاجتك» قال: ناقة أرحلها وأعنزا أحلبها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلم عجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل» فقال أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل؟ فذكر لهم حال هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن تكون معه في الجنة. اهـ.

.قال أبو حيان:

{فلما تراءى الجمعان}:
أي رأى أحدهما الآخر، {قال أصحاب موسى إنا لمدركون}: أي ملحقون، قالوا ذلك حين رأوا العدوّ القوي وراءهم والبحر أمامهم، وساءت ظنونهم.
وقرأ الأعمش: وابن وثاب: تراي الجمعان، بغير همز، على مذهب التخفيف بين بين، ولا يصح القلب لوقوع الهمزة بين ألفين، إحداهما ألف تفاعل الزائدة بعد الفاء، والثانية اللام المعتلة من الفعل.
فلو خففت بالقلب لاجتمع ثلاث ألفات متسقة، وذلك مما لا يكون أبدًا، قاله أبو الفضل الرازي.
قال ابن عطية: وقرأ حمزة: تريء، بكسر الراء ويمد ثم يهمز؛ وروى مثله عن عاصم، وروي عنه أيضًا مفتوحًا ممدود، أو الجمهور يقرءونه مثل تراعى، وهذا هو الصواب، لأنه تفاعل.
وقال أبو حاتم: وقراءة حمزة هذا الحرف محال، وحمل عليه، قال: وما روي عن ابن وثاب والأعمش خطأ. انتهى.
وقال الأستاذ أبو جعفر أحمد ابن الأستاذ أبي الحسن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري، هو ابن الباذش، في كتاب الإقناع من تأليفه: تراءى الجمعان في الشعراء.
إذا وقف عليها حمزة والكسائي، أما لا الألف المنقلبة عن لام الفعل، وحمزة يميل ألف تفاعل وصلًا ووقفًا لإمالة الألف المنقلبة؛ ففي قراءته إمالة الإمالة.
وفي هذا الفعل، وفي راءى، إذا استقبله ألف وصل لمن أمال للإمالة، حذف السبب وإبقاء المسبب، كما قالوا: صعقى في النسب إلى الصعق.
وقرأ الجمهور: لمدركون، بإسكان الدال؛ والأعرج، وعبيد بن عمير: بفتح الدال مشددة وكسر الراء، على وزن مفتعلون، وهو لازم، بمعنى الفناء والاضمحلال.
يقال: منه ادّرك الشيء بنفسه، إذا فني تتابعًا، ولذلك كسرت الراء على هذه القراءة، نص على كسرها أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح، والزمخشري في كشافه وغيرهما.
وقال أبو الفضل الرازي: وقد يكون ادّرك على افتعل بمعنى أفعل متعديًا، فلو كانت القراءة من ذلك، لوجب فتح الراء، ولم يبلغني ذلك عنهما، يعني عن الأعرج وعبيد بن عمير.
قال الزمخشري: المعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد، ومنه بيت الحماسة:
أبعد بني أمي الذين تتابعوا ** أرجى الحياة أم من الموت أجزع

{قال كلا إن معي ربي سيهدين}: زجرهم وردعهم بحرف الردع وهو كلا، والمعنى: لن يدركوكم لأن الله وعدكم بالنصر والخلاص منهم، إن معي ربي سيهدين عن قريب إلى طريق النجاة ويعرفنيه.
وقيل: سيكفيني أمرهم.
ولما انتهى موسى إلى البحر، قال له مؤمن آل فرعون، وكان بين يدي موسى: أين أمرت، وهذا البحر أمامك وقد غشيتك آل فرعون؟ قال: أمرت بالبحر، ولا يدري موسى ما يصنع.
ورويت هذه المقالة عن يوشع، قالها لموسى عليه السلام، فأوحى الله إليه {أن اضرب بعصاك البحر}، فخاض يوشع الماء.
وضرب موسى بعصاه، فصار فيه اثنا عشر طريقًا، لكل سبط طريق.
أراد تعالى أن يجعل هذه الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل فعله، ولكنه بقدرة الله إذ ضرب البحر بالعصا لا يوجب انفلاق البحر بذاته، ولو شاء تعالى لفلقه دون ضربه بالعصا، وتقدّم الخلاف في مكان هذا البحر.
{فانفلق}: ثم محذوف تقديره: فضرب فانفلق.
وزعم ابن عصفور في مثل هذا التركيب أن المحذوف هو ضرب، وفاء انفلق.
والفاء في انفلق هي فاء ضرب، فأبقى من كل ما يدل على المحذوف، أبقيت الفاء من فضرب واتصلت بانفلق، ليدل على ضرب المحذوفة، وأبقى انفلق ليدل على الفاء المحذوفة منه.
وهذا قول شبيه بقول صاحب البرسام، ويحتاج إلى وحي بسفر عن هذا القول.
وإذا نظرت القرآن وجدت جملًا كثيرة محذوفة، وفيها الفاء نحو قوله: {فأرسلون يوسف أيها} أي فأرسلوه، فقال يوسف أيها الصديق، والفرق الجزء المفصل.
والطود: الجبل العظيم المنطاد في السماء.
وحكى يعقوب عن بعض القراء، أنه قرأ كل فلق باللام عوض الراء.
{وأزلفنا}: أي قربنا، {ثم}: أي هناك، وثم ظرف مكان للبعد.
{الآخرين}: أي قوم فرعون، أي قربناهم، ولم يذكر من قربوا منه، فاحتمل أن يكون المعنى: قربناهم حيث انفلق البحر من بني إسرائيل، أو قربنا بعضهم من بعض حتى لا ينجو أحد، أو قربناهم من البحر.
وقرأ الحسن، وأبو حيوة: وزلفنا بغير ألف.
وقرأ أبي، وابن عباس، وعبد الله بن الحارث: وأزلقنا بالقاف عوض الفاء، أي أزللنا، قاله صاحب اللوامح.
قيل: من قرأ بالقاف صار الآخرين فرعون وقومه، ومن قرأ بالعامة يعني بالقراءة العامة، فالآخرون هم موسى وأصحابه، أي جمعنا شملهم وقربناهم بالنجاة. انْتَهَى. وفي الكلام حذف تقديره: ودخل موسى وبنو إسرائيل البحر وأنجينا.
قيل: دخلوا البحر بالطول، وخرجوا في الصفة التي دخلوا منها بعد مسافة، وكان بين موضع الدخول وموضع الخروج أوعار وجبال لا تسلك.
{إن في ذلك لآية}: أي لعلامة واضحة عاينها الناس وشاع أمرها.
قال الزمخشري: {وما كان أكثرهم مؤمنين}: أي ما تنبه أكثرهم عليها ولا آمنوا.
وبنو إسرائيل، الذين كانوا أصحاب موسى المخصوصين بالإنجاء، قد سألوه بقرة يعبدونها، واتخذوا العجل، وطلبوا رؤية الله جهرة. انتهى.
والذي يظهر أن قوله: {وما كان أكثرهم مؤمنين}: أي أكثر قوم فرعون، وهم القبط، إذ قد آمن السحرة، وآمنت آسية امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وعجوز اسمها مريم، دلت موسى على قبر يوسف عليه السلام، واستخرجوه وحملوه معهم حين خرجوا من مصر. اهـ.