فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الألوسي:

{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين}.
القوم كما في المصباح يذكر ويؤنث وكذلك كل اسم جمع لا واحد له من لفظه نحو رهط ونفر ولذا يصغر على قويمة، وقيل: هو مذكر ولحقت فعله علامة التأنيث على إرادة الأمة والجماعة منه وتكذيبهم المرسلين باعتبار إجماع الكل على التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأعصار، وجوز أن يراد بالمرسلين نوح عليه السلام بجعل اللام للجنس فهو نظير قولك: فلان يركب الدواب ويلبس البرود وماله إلا دابة واحدة وبرد واحد، و{إِذْ} في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ} ظرف للتكذيب على أنه عبارة عن زمان مديد وقع فيه ما وقع من الجانبين إلى تمام الأمر كما أن تكذيبهم عبارة عما صدر منهم من حين ابتداء دعوته عليه السلام إلى انتهائها، وزعم بعضهم أن {إِذْ} للتعليل أي كذبت لأجل أن قال لهم: {أَخُوهُمْ نُوحٌ} أي نسيبهم كما يقال: يا أخا العرب ويا أخا تميم، وعلى ذلك قوله:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا

والضمير لقوم نوح، وقيل: هو للمرسلين والأخوة المجانسة وهو خلاف الظاهر {أَلاَ تَتَّقُونَ} الله عز وجل حيث تعبدون غيره.
{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ} من الله تعالى أرسلني لمصلحتكم {أَمِينٌ} مشهور بالأمانة فيما بينكم، وقيل: أمين على أداء رسالته جل شأنه.
{فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله تعالى، وقدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بالطاعة لأن تقوى الله تعالى سبب لطاعته عليه السلام.
{وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح {مِنْ أَجْرٍ} أي ما أطلب منكم على ذلك أجرًا أصلًا لا مالًا ولا غيره {إِنْ أَجْرِىَ} فيما أتولاه {إِلاَّ على رَبّ العالمين} فهو سبحانه الذي يؤجرني في ذلك تفضلًا منه لا غيره، والفاء في قوله تعالى: {فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزهه عليه السلام من الطمع كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على كونه رسولًا من الله تعالى بما فيه نفع الدارين مع أمانته، والتكرير للتأكيد والتنبيه على أن كلًا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة فكيف إذا اجتمعا، وقرئ {إِنْ أَجْرِىَ} بسكون الياء وهو والفتح لغتان مشهورتان في مثل ذلك اختلف النحاة في أيتهما الأصل.
{قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون} أي وقد اتبعك على أن الجملة في موضع الحال وقد لازمه فيها إذا كان فعلها ماضيًا وكثير من الأجلة لا يوجب ذلك، وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وأبو حيوة والضحاك وابن السميقع وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري وطلحة ويعقوب {وأتباعك} جمع تابع كصاحب وأصحاب، وقيل: جمع تبيع كشريف وأشراف، وقيل: جمع تبع كبطل وأبطال، وهو مرفوع على الابتداء و{واتبعك الارذلون} خبره، والجملة في موضع الحال أيضًا، وقيل: معطوف على الضمير المستتر في {نُؤْمِنُ} وحسن ذلك للفصل بلك و{الارذلون} صفته، ولا يخفى أنه ركيك معنى، وعن اليماني {واتباعك} بالجر عطفًا على الضمير في {أَحْلَلْنَا لَكَ} وهو قليل وقاسه الكوفيون و{الارذلون} رفع بإضمارهم، وهو جمع الأرذل على الصحة والرذالة الخسة والدناءة، والظاهر أنهم إنما استرذلوا المؤمنين به عليه السلام لسوء أعمالهم يدل عليه قوله في الجواب: {قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر وبناء الأحكام عليها دون التجسس والتفتيش عن البواطن، وما استفهامية، وقال الحوفي والطبرسي: نافية، وعليه يكون في الكلام حذف أي وما علمي بما كانوا يعملون ثابت.
{إِنْ حِسَابُهُمْ} أي محا محاسبتهم على ما يعملون {إِلاَّ على رَبّى} فاعتبار البواطن من شئون عز وجل وهو المطلع عليها {لَوْ تَشْعُرُونَ} أي بشيء من الأشياء أو لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك لكنكم لستم كذلك فلذا قلتم ما قلتم، وأل على هذا الوجه للجنس، وقال جمع: إن استرذالهم إياهم لقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: لكونهم من أهل الصناعات الدنيئة، وقد كانوا كما روي عن عكرمة حاكة وأساكفة، وقيل: لا تضاع نسبهم، ومنشأ ذلك على الجميع سخافة عقولهم وقصور أنظارهم لأن الفقر ليس من الرذالة في شيء:
قد يدرك المجد الفتى ورداؤه ** خلق وجيب قميصه مرقوع

وكذا خسة الصناعة لا تزري بالشرف الأخروي ولا تلحق التقي نقيصة عند الله عز وجل، وقد أنشد أبو العتاهية:
وليس على عبد تقي نقيصة ** إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم

ومثلها صفة النسب فقد قيل:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ** إذا افتخروا بقيس أو تميم

وما ذكره الفقهاء في باب الكفاءة مبني على عرف العامة لانتظام أمر المعاش ونحوه على أنه روي عن الإمام مالك عدم اعتبار شيء من ذلك أصلًا وأن المسلمين كيفما كانوا أكفاء بعضهم لبعض، وأل على هذه الأقوال للعهد.
والجواب بما ذكر عما أشاروا إليه بقولهم ذلك من أن إيمانهم لم يكن عن نظر وبصيرة وإنما كان لحيظ نفساني كحصول شوكة بالاجتماع ينتظمون بها في سلك ذوي الشرف ويعدون بها في عدادهم، وحاصله وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر دون الشق عن القلوب والتفتيش عما في السرائر فما يضرني عدم إخلاصهم في إيمانهم كما تزعمون؛ وجوز أن يقال: إنهم لما قالوا: {واتبعك الارذلون} [الشعراء: 111] وعنوا الذين لا نصيب لهم من الدنيا أو الذين اتضعت أنسابهم أو كانوا من أهل الصنائع الدنيئة تغابى عليه السلام عن مرادهم وخيل لهم أنهم عنوا بالأرذلين من لا إخلاص له في العمل ولم يؤمن عن نظر وبصيرة فأجابهم بما ذكر كأنه ما عرف من الأرذلين إلا ذلك، ولو جعل هذا نوعًا من الأسلوب الحكيم لم يبعد عندي، وفيه من لطف الرد عليهم وتقبيح ما هم عليه ما لا يخفى، وزعم بعضهم أنهم عنوا بالأرذلين نساءه عليه السلام وبنيه وكناته وبنى بنيه واسترذالهم لعضة النسب لا يتصور في جميعهم حقيقة كما لا يخفى فلابد عليه من اعتبار التغليب ونحوه، وقرأ الأعرج وأبو زرعة وعيسى بن عمر الهمداني {يَشْعُرُونَ} بياء الغيبة وقوله تعالى: {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين} جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك حيث جعلوا اتباعهم مانًا عنه، وقد نزلوا لذلك منزلة من يدعي أنه عليه السلام ممن يطرد المؤمنين وأنه ممن يشترك معه فيه فقدم المسند إليه وأولي حرف النفي لإفادة أن ذلك ليس شأنه بل شأن المخاطبين.
وجوز أن يكون التقديم للتقوى وهو أقل مؤنة كما لا يخفى، وقيل: إنهم طلبوا منه عليه السلام طردهم فأجابهم بذلك كما طلب رؤساء قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم طرد من آمن به من الضعفاء فنزلت {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الأنعام: 52] الآية، وقوله تعالى: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} كالعلة له أي ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عما لا يرضيه سبحانه وتعالى سواء كانوا من الأشرفين أو الأرذلين فكيف يتسنى لي طرد من زعمتم أنهم أرذلون.
وحاصله أنا مقصور على إنذار المكلفين لا أتعداه إلى طرد الأرذلين منهم أو ما علي إلا إنذاركم بالبرهان الواضح وقد فعلته وما علي استرضاء بعضكم بطرد الآخرين، وحاصله أنا مقصور على إنذاركم لا أتعداه إلى استرضائكم.
وقيل: إن مجموع الجملتين جواب وإن إيلاء الضمير حرف النفي يدل على أنهم زعموا أنه عليه السلام موصوف بصفتين، إحداهما: اتباع أهوائهم بطرد المؤمنين لأجل أن يؤمنوا، وثانيتهما: أنه نذير مبين فقصر الحكم على الثاني دون الأول ولا يخلو عن بحث.
{قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يا لوط نُوحٌ} عما أنت عليه {لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين} أي المرميين بالحجارة كما روي عن قتادة، وهو توعد بالقتل كما روي عن الحسن، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن المعنى من المشتومين على أن الرجم مستعار للشتم كالطعن، وفي إرشاد العقل السليم أنهم قاتلهم الله تعالى قالوا ذلك في أواخر الأمر، ومعنى قوله تعالى: {قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ} استمروا على تكذيبي وأصروا عليه بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة ولم يزدهم دعائي إلا فرارًا.
وهذا ليس بإخبار بالاستمرار على التكذيب لعلمه عليه السلام أن عالم الغيب والشهادة أعلم ولكنه أراد إظهار ما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق لا تخويفهم له واستخفافهم به في قولهم: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط نُوحٌ لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين} [الشعراء: 116] تلطفًا في فتح باب الإجابة، وقيل: لدفع توهم الخلق فيه المتجاوز أو الحدة، وقيل: إنه خبر لم يقصد منه الإعلام أصلًا وإنما أورد لغرض التحزن والتفجع كما في قوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي ** فلئن رميت يصيبني سهمي

ويبعد ذلك في الجملة تفريع الدعاء عليهم بقوله تعالى: {فافتح بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} على ذلك أي أحكم بيننا بما يستحقه كل واحد منا من الفتاحة بمعنى الحكومة، و{فَتْحًا} مصدر، وجوز أن يكون مفعولًا به على أنه بمعنى مفتوحًا وهذه حكاية إجمالية لدعائه عليه السلام المفصل في سورة نوح {وَنَجّنِى وَمَن مَّعِى مِنَ المؤمنين} أي من قصدهم أو شؤم أعمالهم، وفيه إشعار بحلول العذاب بهم.
{فأنجيناه وَمَن مَّعَهُ} على حسب دعائه عليه السلام {فِى الفلك المشحون} أي المملوء بهم وبما يحتاجون إليه حالًا كالطعام أو مالًا كالحيوان.
والملك يستعمل واحدًا وجمعًا، وحيث أتى في القرآن الكريم فاصلة استعمل مفردًا أو غير فاصلة استعمل جمعًا كما في البحر.
{ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ} أي بعد إنجائهم، و{ثُمَّ} للتفاوت الرتبي، ولذا قال سبحانه بعد بعد {الباقين} أي من قومه. اهـ.