فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال الشاعر:
طراقُ الخَوَافِي مشرق فَوْقَ رِيعَةٍ ** نَدَى ليلِهِ في ريشه يَتَرَقرقُ

وقال عمارة: الريع الجبل الواحد رِيعة والجمع رِياع.
وقال مجاهد: هو الفجّ بين الجبلين.
وعنه الثنّية الصغيرة.
وعنه: المنظرة.
وقال عكرمة ومقاتل: كانوا يهتدون بالنجوم إذا سافروا، فبنوا على الطريق أمثالًا طوالًا ليهتدوا بها: يدل عليه قوله تعالى: {آيَةً} أي علامة.
وعن مجاهد: الريع بنيان الحَمَام دليله {تَعْبَثُونَ} أي تلعبون؛ أي تبنون بكل مكان مرتفع آية علَما تلعبون بها على معنى أبنية الحمام وبروجها.
وقيل: تعبثون بمن يمرّ في الطريق.
أي تبنون بكل موضع مرتفع لتشرفوا على السابلة فتسخروا منهم.
وقال الكلبي: إنه عبث العشّارين بأموال من يمر بهم؛ ذكره الماوردي.
قال ابن الأعرابي: الريع الصومعة، والرّيع البرج من الحمام يكون في الصحراء.
والرّيع التلُّ العالي.
وفي الرّيع لغتان؛ كسر الراء وفتحها وجمعها أرياع؛ ذكره الثعلبي.
قوله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} أي منازل؛ قاله الكلبي.
وقيل: حُصُونا مشيدة؛ قاله ابن عباس ومجاهد.
ومنه قول الشاعر:
تَرَكْنَا ديارَهُم مِنهم قِفَارًا ** وهَدَّمْنا المصانعَ وَالْبُرُوجَا

وقيل: قصورًا مشيدة؛ وقاله مجاهد أيضًا.
وعنه؛ بروج الحمام؛ وقاله السدي.
قلت: وفيه بعدٌ عن مجاهد؛ لأنه تقدّم عنه في الريع أنه بنيان الحمام فيكون تكرارًا في الكلام.
وقال قتادة: مآجِل للماء تحت الأرض.
وكذا قال الزجاج: إنها مصانع الماء، واحدتها مُصْنَعَةٌ ومَصْنَعٌ.
ومنه قول لَبِيد:
بَلِينا وما تَبْلَى النجومُ الطوالعُ ** وتبقَى الجبالُ بَعْدَنا والمصَانِعُ

الجوهري: المصنَعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنُعة بضم النون.
والمصانع الحصون.
وقال أبو عبيدة: يقال لكل بناء مصنعة.
حكاه المهدوي.
وقال عبد الرزاق: المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية.
{لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي كي تخلدوا.
وقيل: لعل استفهام بمعنى التوبيخ أي فهل {تَخْلُدُونَ} كقولك: لعلك تشتمني أي هل تشتمني.
روي معناه عن ابن زيد.
وقال الفراء: كيما تخلدون لا تتفكرون في الموت.
قال ابن عباس وقتادة: كأنكم خالدون باقون فيها.
وفي بعض القراءات {كَأَنَّكُمْ تُخَلَّدُون} ذكره النحاس.
وحكى قتادة: أنها كانت في بعض القراءات {كأنكم خالدِون}.
قوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} البطش السطوة والأخذ بالعنف.
وقد بَطَش به يبطُش ويبطِش بطشًا.
وباطشه مباطشة.
قال ابن عباس ومجاهد: البطش العسف قتلًا بالسيف وضربًا بالسوط.
ومعنى ذلك فعلتم ذلك ظلمًا.
وقال مجاهد أيضًا: هو ضرب بالسياط؛ ورواه مالك ابن أنس عن نافع عن ابن عمر فيما ذكر ابن العربي.
وقيل: هو القتل بالسيف في غير حق.
حكاه يحيى بن سَلاّم.
وقال الكلبي والحسن: هو القتل على الغضب من غير تثبت.
وكله يرجع إلى قول ابن عباس.
وقيل: إنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء.
قال ابن العربي: ويؤيد ما قال مالك قول الله تعالى عن موسى: {فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يا موسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بالأمس إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرض} [القصص: 19] وذلك أن موسى عليه السلام لم يسل عليه سيفًا ولا طعنه برمح، وإنما وكزه وكانت منيّته في وكزته.
والبطش يكون باليد وأقله الوكز والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد، والكل مذموم إلا بحق.
والآية نزلت خبرًا عمن تقدّم من الأمم، ووعظًا من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم.
قلت: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الأمة، لاسيما بالديار المصرية منذ وليتها البحرية؛ فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق.
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك يكون.
كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سِياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عارياتَ مميلاتٌ مائلاتٌ رءوسهُنّ كأسْنِمة البُخْت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحَها وإنّ ريحها ليُوجَد من مسيرة كذا وكذا» وخرج أبو داود من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذلاّ لا ينزِعه حتى ترجعوا إلى دينكم» {جَبَّارِينَ} قتّالين.
والجبار القتال في غير حق.
وكذلك قوله تعالى: {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرض} [القصص: 19] قاله الهروي.
وقيل: الجبار المتسلّط العاتي؛ ومنه قوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45] أي بمسلَّط.
وقال الشاعر:
سَلَبْنَا من الجَبَّار بالسّيف مُلْكَهُ ** عَشِيًّا وأطرافُ الرِّمَاحِ شَوَارِعُ

قوله تعالى: {فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ} تقدّم.
{واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} أي من الخيرات؛ ثم فسرها بقوله: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي سخر ذلك لكم وتفضل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر.
{إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} إن كفرتم به وأصررتم على ذلك.
{قَالُواْ سَوَاءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين} كل ذلك عندنا سواء لا نسمع منك ولا نلوي على ما تقوله.
وروى العباس عن أبي عمرو وبِشْر عن الكسائي: {أَوَعَظتَّ} مدغمة الظاء في التاء وهو بعيد؛ لأن الظاء حرف إطباق إنما يدغم فيما قرب منه جدًا وكان مثلَه ومخرجَه.
{إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الأولين} أي دينهم؛ عن ابن عباس وغيره.
وقال الفرّاء: عادة الأوّلين.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {خَلْقُ الأَوّلِينَ}.
الباقون {خُلُقُ}.
قال الهروي: وقوله عز وجل: {إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الأولين} أي اختلاقهم وكذبهم، ومن قرأ: {خُلُقُ الأَوّلِينَ} فمعناه عادتهم، والعرب تقول: حدّثنا فلان بأحاديث الخَلْق أي بالخرافات والأحاديث المفتعلة.
قال ابن الأعرابي: الخلقُ الدين والخلقُ الطبع والخلقُ المروءة.
قال النحاس: {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} عند الفراء يعني عادة الأولين.
وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال: {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} مذهبهم وما جرى عليه أمرهم؛ قال أبو جعفر: والقولان متقاربان، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا» أي أحسنهم مذهبًا وعادة وما يجري عليه الأمر في طاعة الله عز وجل، ولا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرًا فاضلًا، ولا أن يكون أكمل إيمانًا من السيّىء الخلق الذي ليس بفاجر.
قال أبو جعفر: حكي لنا عن محمد بن يزيد أن معنى {خَلْقُ الأَوّلِينَ} تكذيبهم وتخرصهم غير أنه كان يميل إلى القراءة الأولى؛ لأن فيها مدح آبائهم، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم لآبائهم، وقولهم: {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَاءَنَا على أُمَّةٍ} [الزخرف: 23].
وعن أبي قِلاَبَة: أنه قرأ: {خُلْق} بضم الخاء وإسكان اللام تخفيف {خُلُقُ}.
ورواها ابن جبير عن أصحاب نافع عن نافع.
وقد قيل: إن معنى {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} دين الأولين.
ومنه قوله تعالى: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} [النساء: 119] أي دين الله.
و{خُلُقُ الأَوّلِينَ} عادة الأولين: حياة ثم موت ولا بعث.
وقيل: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش إلا عادة من قبلنا فنحن نقتدي بهم {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} على ما نفعل.
وقيل؛ المعنى خلق أجسام الأوّلين؛ أي ما خلقنا إلا كخلق الأوّلين الذين خلقوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شيء مما تحذرنا به من العذاب.
{فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} أي بريح صرصر عاتية على ما يأتي في الحاقة.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} قال بعضهم: أسلم معه ثلثمائة ألف ومؤون وهلك باقيهم.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم}. اهـ.

.قال أبو حيان:

{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123)}.
كان أخاهم من النسب، وكان تاجرًا جميلًا، أشبه الخلق بآدم عليه السلام، عاش أربعمائة سنة وأربعًا وستين سنة، وبينه وبين ثمود مائة سنة.
وكانت منازل عاد ما بين عمان إلى حضرموت.
أمرع البلاد، فجعلها الله مفاوز ورمالًا.
أمرهم أولًا أمر به نوح قومه، ثم نعى عليهم من سوء أعمالهم مع كفرهم فقال: {أتبنون بكل ريع}؟ قال ابن عباس: هو رأس الزقاق.
وقال مجاهد: فج بين جبلين.
وقال عطاء: عيون فيها الماء.
قال ابن بحر: جبل.
وقيل: الثنية الصغيرة.
وقرأ الجمهور: ريع بكسر الراء، وابن أبي عبلة: بفتحها.
قال ابن عباس: {آية}: علمًا.
وقال مجاهد: أبراج الحمام.
وقال النقاش وغيره: القصور الطوال.
وقيل: بيت عشار.
وقيل: ناديًا للتصلف.
وقيل: أعلامًا طوالًا ليهتدوا بها في أسفارهم، عبثوا بها لأنهم كانوا يهتدون بالنجوم.
وقيل: علامة يجتمع إليها من يعبث بالمار في الطريق.
وفي قوله إنكار للبناء على صورة العبث، كما يفعل المترفون في الدنيا.
والمصانع: جمع مصنعة.
قيل: وهي البناء على الماء.
وقيل: القصور المشيدة المحكمة.
وقيل: الحصون.