فصل: قال ابن جزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن جزي:

{بِكُلِّ رِيعٍ} الريع المكان المرتفع وقيل الطريق {آيَةً} يعني المباني الطوال وقبل أبراج الحمام {مَصَانِعَ} جمع مصنع وهو ما أتقن صنعه من المباني، وقيل: مأخذ الماء {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ} الآية تفسير لقوله أمدكم بما تعلمون فأبْهَمَ أولًا ثم فسره {خُلُقُ الأولين} بضم الخاء واللام أي عادتهم والمعنى أنهم قالوا: ما هذا الذي عليه من ديننا إلا عادة الناس الأولين، وقرأ ابن كثير والكسائي وأبو عمرو بفتح الخاء وإسكان اللام، ويحتمل على هذا وجهين: أحدهما أنه بمعنى الخلقة والمعنى ما هذه الخلقة التي نحن عليها إلا خلقة الأولين، والآخر أنها من الاختلاق بمعنى الكذب، والمعنى ما هذا الذي جئت به إلا كذب الأولين {أَتُتْرَكُونَ} تخويف لهم معناه: أتطمعون أن تتركوا في النعم على كفركم {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} الطلع عنقود التمر في أول نباته قبل أن يخرج من الكم، والهضيم: اللين الرطب، فالمعنى طلعها يتم ويرطب، وقيل: هو الرَّخْص أول ما يخرج، وقيل: الذي ليس فيه نوى، فإن قيل: لم ذكر النخل بعد ذكر الجنات، والجنات تحتوي على النخل؟ فالجواب: أن ذلك تجريد كقوله: {فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، ويحتمل أنه أراد الجنات التي ليس فيها نخل ثم عطف عليها النخل.
{وَتَنْحِتُونَ} ذكر في [الأعراف: 74] {فَارِهِينَ} قرئ بألف وبغير ألف وهو منصوب على الحال في الفاعل من تنحتون، وهو مشتق من الفراهة وهي النشاط والكيس، وقيل: معناه أقوياء وقيل: أشرين بطرين {مِنَ المسحرين} مبالغة في المسحورين، وهو من السحر بكسر السين، وقيل: من السحر بفتح السين وهي الرؤية، والمعنى على هذا إنما أنت بشر {لَّهَا شِرْبٌ} أي حظ من الماء {فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ} لما تغيرت ألوانهم حسبما أخبرهم صالح عليه السلام ندموا حين لا تنفعهم الندامة {فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة} [الحجر: 73، 83، المؤمنون: 41] التي ماتوا منها وهي العذاب المذكور هنا {مِّنَ القالين} أي من المبغضين، وفي قوله: {قال} {ومن القالين}: ضرب من ضروب التجنيس {مِمَّا يَعْمَلُونَ} أي تجّني من عقوبة عملهم أو اعصمني من عملهم، والأول أرجح {إِلاَّ عَجُوزًا} يعني امرأة لوط {فِي الغابرين} ذكر في [الأعراف: 83] وكذلك {وَأَمْطَرْنَا} [الأعراف: 84] {أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ} قرئ بالهمز وخفض التاء مثل الذي في الحجر وق، ومعناه الغيضة من الشجر، وقرئ هنا وفي ص: بفتح اللام والتاء، فقيل: إنه مسهل من الهمز، وقيل: اسم بلدهم، ويقوي هذا: القول بأنه على هذه القراءة بفتح التاء غير منصرف، يدل على ذلك أنه اسم علم، وضعّف ذلك الزمخشري، وقال: إن الأيكة اسم لا يعرف {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} لم يقل هنا أخوهم كما قال في قصة نوح وغيره، وقيل: إن شعيبًا بعث إلى مدين، وكان من قبيلتهم، فلذلك قال: {وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85، هود: 84، العنكبوت: 36]، وبعث أيضًا إلى أصحاب الأيكة ولم يكن منهم، فلذلك لم يقل أخوهم، فكان شعيبًا على هذا مبعوثًا إلى القبلتين وقيل: إن أصحاب الأيكة مدين، ولكنه قال أخوهم حين ذكرهم باسم قبيلتهم، ولم يقل أخوهم حين نسبهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها تنزيهًا لشعيب عن النسبة إليها {مِنَ المخسرين} أي من الناقصين للكيل والوزن {بالقسطاس} الميزان المعتدل {والجبلة} يعني القرون المتقدمة {عَذَابُ يَوْمِ الظلة} هي سحابة من نار أحرقتهم، فأهلك الله مدين بالصيحة، وأهل أصحاب الأيكة بالظلة، فإن قيل: لم كرر قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} مع كل قصة؟
فالجواب: أن ذلك أبلغ من الاعتبار، وأشدّ تنبيهًا للقلوب وأيضًا فإن كل قصة منها كأنها كلام قائم مستقل بنفسه، فختمت بما ختمت به صاحبتها. اهـ.

.قال النسفي:

{كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين}.
هي قبيلة وفي الأصل اسم رجل هو أبو القبيلة {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله} في تكذيب الرسول الأمين {وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ} مكان مرتفع {ءايَةً} برج حمام أو بناء يكون لارتفاعه كالعلامة يسخرون بمن مر بهم {تَعْبَثُونَ} تلعبون {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} مآخذ الماء أو قصورًا مشيدة أو حصونًا {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ترجون الخلود في الدنيا {وَإِذَا بَطَشْتُمْ} أخذتم أحدًا بعقوبة {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} قتلًا بالسيف وضربًا بالسوط والجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.
{فاتقوا الله} في البطش {وَأَطِيعُونِ} فيما أدعوكم إليه {واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} من النعم.
ثم عددها عليهم فقال: {أَمَدَّكُمْ بأنعام وَبَنِينَ} قرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام عليها {وجنات وَعُيُونٍ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} إن عصيتموني {قَالُواْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الواعظين} أي لا نقبل كلامك ودعوتك وعظت أم سكت.
ولم يقل أم لم تعظ لرءوس الآي {إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الأولين} ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت واتخاذ الابتناء إلا عادة الأولين، أو ما نحن عليه دين الأولين.
{إلا خلق الأولين} مكي وبصري ويزيد وعلي أي ما جئت به اختلاق الأولين وكذب المتنبئين قبلك كقولك {أساطير الأولين} [الأنعام: 25] أو خلقنا كخلق الأولين نموت ونحيا كما حيوا {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} في الدنيا ولا بعث ولا حساب.
{فَكَذَّبُوهُ} أي هودًا {فأهلكناهم} بريح صرصر عاتية.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالح أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَتُتْرَكُونَ} إنكار لأن يتركوا خالدين في نعيمهم لا يزالون عنه {فِى مَا هَاهُنَا} في الذي استقر في هذا المكان من النعيم {ءامِنِينَ} من العذاب والزوال والموت.
ثم فسره بقوله.
{فِى جنات وَعُيُونٍ} وهذا أيضًا إجمال ثم تفصيل {وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ} وعطف {نخل} على {جنات} مع أن الجنة تتناول النخل أول شيء تفضيلًا للنخل على سائر الشجر {طَلْعِهَا} هو ما يخرج من النخل كنصل السيف {هَضِيمٌ} لين نضيج كأنه قال: ونخل قد أرطب ثمره {وَتَنْحِتُونَ} تنقبون {مِنَ الجبال بُيُوتًا فارهين} شامي وكوفي حاذقين حال وغيرهم {فرهين} أشرين، والفراهة الكيس والنشاط {فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَلاَ تُطِيعُواْ أَمْرَ المسرفين} الكافرين أو التسعة الذين عقروا الناقة جعل الأمر مطاعًا على المجاز الحكمي والمراد الامر وهو كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التأول كقولهم أنبت الربيع البقل {الذين يُفْسِدُونَ في الأرض} بالظلم والكفر {وَلاَ يُصْلِحُونَ} بالإيمان والعدل والمعنى أن فسادهم مصمت ليس معه شيء من الصلاح كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح.
{قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين} المسحر الذي سحر كثيرًا حتى غلب على عقله.
وقيل: هو من السرح الرئة وأنه بشر {مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} في دعوى الرسالة.
{قَالَ هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ} نصيب من الماء فلا تزاحموها فيه {وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} لا تزاحمكم هي فيه، روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقبًا، فجعل صالح يتفكر فقال له جبريل: صل ركعتين واسأل ربك الناقة، ففعل فخرجت الناقة ونتجت سقبًا مثلها في العظم وصدرها ستون ذراعًا، وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه الماء، وهذا دليل على جواز المهايأة لأن قولهم: {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} من المهايأة.
{وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء} بضرب أو عقر أو غير ذلك {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} عظم اليوم لحلول العذاب فيه ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد {فَعَقَرُوهَا} عقرها قدار ولكنهم راضون به فأضيف إليهم، روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم {فَأَصْبَحُواْ نادمين} على عقرها خوفًا من نزول العذاب بهم لا ندم توبة أو ندموا حين لا ينفع الندم وذلك عند معاينة العذاب أو على ترك الولد {فَأَخَذَهُمُ العذاب} المقدم ذكره.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم}.
{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين} أراد بالعالمين الناس، أتطئون الذكور من الناس مع كثرة الإناث، أو أتطئون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران أي أنتم مختصون بهذه الفاحشة والعالمين على هذا كل ما ينكح من الحيوان.
{وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مّنْ أزواجكم} {من} تبيين لما خلق، أو تبعيض والمراد بما خلق العضو المباح منهن وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم، وفيه دليل على تحريم أدبار الزوجات والمملوكات ومن أجازه فقد أخطأ خطأ عظيمًا {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} العادي المتعدي في ظلمه المتجاوز فيه الحد أي بل أنتم قوم أحق بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة.
{قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط} عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا {لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين} من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا وطردناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال {قَالَ إِنّى لِعَمَلِكُمْ مّنَ القالين} هو أبلغ من أن يقول قال، فقول فلان من العلماء أبلغ من قولك فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم.
والقلى البغض يقلي الفؤاد والكبد، وفيه دليل على عظم المعصية لأن قلاه من حيث الدين {رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ} من عقوبة عملهم {فنجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} يعني بناته ومن آمن معه {إِلاَّ عَجُوزًا} هي امرأة لوط وكانت راضية بذلك والراضي بالمعصية في حكم العاصي، واستثناء الكافرة من الأهل وهم مؤمنون للاشتراك في هذا الاسم وإن لم تشاركهم في الإيمان {فِى الغابرين} صفة لها في الباقين في العذاب فلم تنج منه، والغابر في اللغة الباقي كأنه قيل: إلا عجوزًا غابرة أي مقدرًا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت تنجيتهم.
{ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخرين} والمراد بتدميرهم الائتفاك بهم {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا} عن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكهم الله.
وقيل: لم يرض بالائتفاك حتى أتبعه مطرًا من حجارة {فَسَاء} فاعله {مَطَرُ المنذرين} والمخصوص بالذم وهو مطرهم محذوف ولم يرد بالمنذرين قومًا بأعيانهم بل المراد جنس الكافرين {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم كَذَّبَ أصحاب لْئَيْكَةِ} بالهمزة والجر هي غيضة تنبت ناعم الشجر عن الخليل {ليكة} حجازي وشامي وكذا في ص علم لبلد.
قيل: أصحاب الأيكة هم أهل مدين التجئوا إلى غيضة إذ ألح عليهم الوهج.
والأصح أنهم غيرهم نزلوا غيضة بعينها بالبادية وأكثر شجرهم المقل بدليل أنه لم يقل هنا أخوهم شعيب لأنه لم يكن من نسبهم بل كان من نسب أهل مدين ففي الحديث: «أن شعيبًا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة» {المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَوْفُواْ الكيل} أتموه {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين} ولا تنقصوا الناس حقوقهم فالكيل وافٍ وهو مأمور به، وطفيف وهو منهي عنه، وزائد وهو مسكوت عنه، فتركه دليل على أنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعل فلا شيء عليه.
{وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم} وبكسر القاف كوفي غير أبي بكر وهو الميزان أو القبان، فإن كان من القسط وهو العدل وجعلت العين مكررة فوزنه فعلاس وإلا فهو رباعي.
{وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس} يقال بخسته حقه إذا نقصته إياه {أَشْيَاءهُمْ} دراهمهم ودنانيرهم بقطع أطرافهما {وَلاَ تَعْثَوْاْ في الأرض مُفْسِدِينَ} ولا تبالغوا فيها في الإفساد نحو: قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع.
وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه.
يقال: عثا في الأرض إذا أفسد وعثي في الأرض لغة في عثا.
{واتقوا الذي خَلَقَكُمْ والجبلة} {الجبلة} عطف على كم أي اتقوا الذي خلقكم وخلق الجبلة {الأولين} الماضين {قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا} إدخال الواو هنا ليفيد معنيين كلاهما مناف الرسالة عندهم: التسحير والبشرية.
وتركها في قصة ثمود ليفيد معنى واحدًا وهو كونه مسحرًا، ثم كرر بكونه بشرًا مثلهم {وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين} إن مخففة من الثقيلة واللام دخلت للفرق بينهما وبين النافية.
وإنما تفرقتا على فعل الظن وثاني مفعوليه لأن أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ والخبر كقولك إن زيدًا لمنطلق فلما كان بابا كان وظننت من جنس باب المبتدأ والخبر فعل ذلك في البابين فقيل: إن كان زيد لمنطلقًا وإن ظننته لمنطلقًا {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا} {كِسُفا} حفص وهما جمعا كسفة وهي القطعة وكسفه قطعه {مّنَ السماء} أي السحاب أو الظلة {إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} أي إن كنت صادقًا أنك نبي فادع الله أن يسقط علينا كسفًا من السماء أي قطعًا من السماء عقوبة.
{قَالَ رَبّى} بفتح الياء: حجازي وأبو عمرو، وبسكونها: غيرهم {أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي إن الله أعلم بأعمالكم وبما تستحقون عليها من العذاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن أراد عقابًا آخر فإليه الحكم والمشيئة {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة} هي سحابة أظلتهم بعدما حبست عنهم الريح وعذبوا بالحر سبعة أيام فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالهم من الحر فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم} وقد كرر في هذه السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر تقريرًا لمعانيها في الصدور ليكون أبلغ في الوعظ والزجر، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها فكانت جديرة بأن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها وأن تختتم بما اختتمت به. اهـ.