فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والهيام: هو الحيرة والتردد في المرعى.
والوادُ: المنخفض بين عُدوتين.
وإنما ترعى الإبل الأودية إذا أقحلت الرُبى، والربى أجود كلأ، فمُثّل حال الشعراء بحال الإبل الراعية في الأودية متحيرة، لأن الشعراء في حرص على القول لاختلاب النفوس.
و{كل} مستعمل في الكثرة.
رُوي أنه اندسّ بعض المزَّاحين في زمرة الشعراء عند بعض الخلفاء فعرف الحَاجب الشعراء، وأنكر هذا الذي اندسّ فيهم، فقال له: هؤلاء الشعراء وأنتَ من الشعراء؟ قال: بل أنا من الغاوين، فاستطرفها.
وشفَّع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون}، والعرب يتمادحون بالصدق ويعيرون بالكذب، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما يخالف الواقع حتى قيل: أحسن الشعر أكذبه، والكذب مذموم في الدين الإسلامي فإن كان الشعر كذبًا لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح، وإن كان عليه قرينة كان كذبًا معتذَرًا عنه فكان غير محمود.
وفي هذا إبداء للبَون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يقول إلا حقًا ولا يصانع ولا يأتي بما يضلّل الأفهام.
ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله:
فبِتْن بجانبيَّ مصرَّعاتٍ ** وبتُّ أفضّ أغلاق الختام

فقال سليمان: قد وجب عليك الحد.
فقال: يا أمير المؤمنين قد دَرَأ الله عَني الحد بقوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون}.
وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملًا لعمر بن الخطاب فقال شعرًا:
مَن مُبلِغُ الحسناءِ أن حليلها ** بميسان يُسقى في زُجاج وحنتم

إلى أن قال:
لعل أميرَ المؤمنين يسوءه ** تنادُمُنا بالجَوْسَققِ المتهدم

فبلغ ذلك عمرَ فأرسل إليه بالقُدوم عليه وقال له: أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلتُ شيئًا مما قلتُ وإنما كان فضلةً من القول، وقد قال الله تعالى: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} فقال له عمر: أمّا عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملًا أبدًا وقد قلتَ ما قلت.
وقد كُني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين، وأفيد بتفظيع تمثيلهم بالإبل الهائمة تشويه حالتهم، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة الخبر بالمشتق، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغضّ منه، واستثناء {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}. إلخ.
من عموم الشعراء، أي من حكم ذمّهم.
وبهذا الاستثناء تعيّن أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام.
ومعنى: {وذكروا الله كثيرًا} إي كان إقبالهم على القرآن والعبادة أكثر من إقبالهم على الشعر.
{وانتصروا من بعد ما ظلموا} وهم مَن أسلموا من الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصارِ للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل الذين أسلموا وهاجروا إلى الحبشة، فقد قالوا شعرًا كثيرًا في ذم المشركين.
وكذلك من أسلموا من الأنصار كعبد الله بن رَواحة، وحسانَ بن ثابت ومن أسلم بعدُ من العرب مثل لَبيد، وكعب بن زهير، وسُحيم عبد بني الحسحاس، وليس ذكر المؤمنين من الشعراء بمقتضي كون بعض السُّورة مدنيًّا كما تقدم في الكلام على ذلك أول السورة.
وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين: حالة مذمومة، وحالة مأذونة، فتعين أن ذمه ليس لكونه شعرًا ولكن لما حفّ به من معان وأحوال اقتضت المذمة، فانفتح بالآية للشعر بابُ قبول ومدح فحقّ على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه، والتي تأوي إلى جانب رفضه.
وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله: {وانتصروا من بعد ما ظلموا}، وإلى الحالة المأذونة قوله: {وعملوا الصالحات}.
وكيف وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الشعر مما فيه محامد الخصال واستنصتَ أصحابُه لشعر كعب بن زهير مما فيه دقة صفات الرواحل الفارهة، على أنه أذِن لحسان في مهاجاة المشركين وقال له: «كلامك أشد عليهم من وقع النبل» وقال له: «قل ومعك روح القدس».
وسيأتي شيء من هذا عند قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} في سورة يس (69).
وأجاز عليه كما أجاز كعبَ بن زهير فخلع عليه بردته، فتلك حالة مقبولة لأنه جاء مؤمنًا.
وقال أبو هريرة: سمعت رسول الله يقول على المنبر: أصدَقُ كلمةٍ، أو أشْعَر كلمة قالتها العرب كلمةُ لبيد:
ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطل

وكان يستنشد شعر أمية بن أبي الصلت لما فيه من الحكمة وقال: كاد أميةُ أن يُسلم، وأمر حسّانًا بهجاء المشركين وقال له: قُل ومعك رُوح القدس.
وقال لكعببِ بن مالك: لكلامُك أشد عليهم من وقْع النبْل.
روى أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن بسنده إلى خُريم بن أوس بن حارثة أنه قال: هاجرت إلى رسول الله بالمدينة منصرَفَه من تبوك فسمعت العباس قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك.
فقال: قُل لا يفضُض الله فاك.
فقال العباس:
من قبلِها طبتَ في الظلال وفي ** مُستَوْدَع حيثُ يخصف الوَرق

الأبيات السبعة.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفضض الله فاك».
وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبدُ الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول:
خَلُّوا بني الكفار عن سبيله ** اليومَ نضربكم على تنزيله

ضَربًا يُزيل الهامَ عن مقيله ** ويُذهل الخليلَ عن خليله

فقال له عُمر: يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «خَلِّ عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نَضْح النبْل».
وعن الزهري أن كعب بن مالك قال: يا رسول الله ما تقول في الشعر؟ قال: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل».
ولعلي بن أبي طالب شعر كثير، وكثير منه غير صحيح النسبة إليه.
وقد بين القرطبي في تفسيره في هذه السورة وفي سورة النور القول في التفرقة بين حالي الشعر.
وكذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أول كتاب دلائل الإعجاز.
ووجب أن يكون النظر في معاني الشعر وحال الشاعر، ولم يزل العلماء يعنَون بشعر العَرب ومَن بعدهم، وفي ذلك الشعر تحبيب لفصاحة العربية وبلاغتها وهو آيل إلى غرض شرعي من إدراك بلاغة القرآن.
ومعنى: {من بعد ما ظلموا} أي من بعد ما ظلمهم المشركون بالشتم والهجاء.
{ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أي مُنقَلَبٍ}.
ناسب ذكر الظلم أن ينتقل منه إلى وعيد الظالمين وهم المشركون الذين ظلموا المسلمين بالأذى والشتم بأقوالهم وأشعارهم.
وجُعلت هذه الآية في موقع التذييل فاقتضت العموم في مسمى الظلم الشامل للكفر وهو ظلم المرء نفسه وللمعاصي القاصرة على النفس كذلك، وللاعتداء على حقوق الناس.
وقد تلاها أبو بكر في عهده إلى عمر بالخلافة بعده، والواو اعتراضية للاستئناف.
وهذه الآية تحذير عن غمص الحقوق وحثّ عن استقصاء الجهد في النصح للأمة وهي ناطقة بأهيب موعظة وأهول وعيد لمن تدبرها لما اشتملت عليه من حرف التنفيس المؤذن بالاقتراب، ومن اسم الموصول المؤذن بأن سوء المنقلب يترقب الظالمين لأجل ظلمهم، ومن الإبهام في قوله: {أي منقلب ينقلبون} إذ ترك تبيينه بعقاب معيّن لتذهل نفوس المُوعَدِين في كل مذهب ممكن من هول المنقلب وهو على الإجمال منقلَب سوء.
والمنقلب: مصدر ميمي من الانقلاب وهو المصير والمآلُ، لأن الانقلاب هو الرجوع.
وفعل العلم معلق عن العمل بوجود اسم الاستفهام بعده.
واسم الاستفهام في موضع نصب بالنيابة عن المفعول المطلق الذي أضيف هو إليه.
قال في الكشاف: وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدتها. اهـ.

.قال الشنقيطي:

{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)}.
قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في الآية قرينة، تدل على عدم صحته، وذكرنا أمثلة متعددة لذلك في الترجمة وفيما مضى من الكتاب.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا: {وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين} قال فيه بعض أهل العلم المعنى: وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين: أي المؤمنين بالله كآدم ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل.
واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم من آبائه بقوله تعالى عن إبراهيم {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28] وممن روى عنه هذا القول ابن عباس نقله عنه القرطبي، وفي الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول وهي قوله تعالى قبله مقترنًا به {الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الآباء إجماعًا، وأول الآية مرتبطة بآخرها: أي الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك، ومجلسك {وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين} أي المصلين، على أظهر الأقوال، لأنه صلى الله عليه وسلم، يتقلب في المصلين قائمًا، وساجداص وراكعًا، وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم أي إلى الصلاة وحدك وتقلبك في الساجدين: أي المصلين إذا صليت بالناس.
وقوله هنا: {الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} الآية. يدل على الاعتناء به صلى الله عليه وسلم، ويوضح ذلك قوله تعالى: {واصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنًَا تَقُومُ} [الطور: 48] الآية.
وقوله: {وتوكل} قرأه عامة السبعة غير نافع وابن عامر: {وتوكل} بالواو، وقرأه نافع وابن عامر {فتوكل} بالفاء، وبعض نسخ المصحف العثماني فيها الواو وبعضها فيها الفاء، وقوله هنا: {وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم} قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وبسطنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع بيان التوكل في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {وَآتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2].
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)}.
الشعراء: جمع كجاهل وجهلاء، وعالم وعلماء، والغاوون: جمع غاو وهو الضال، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {يَتَّبِعُهُمُ الغاوون} يدل على أن اتباع الشعراء من أتباع الشيطان بدليل قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين} [الحجر: 42] وقرأ هذا الحرف نافع وحده: يتبعهم بسكون التاء المثناة، وفتح الباء الموحدة، وقرأه الباقون يتبعهم بتشديد المثناة، وكسر الموحدة ومعناهما واحد.
وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة في قوله: {والشعراء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون} يدل الله لهم في ذلك، أما دعواهم أنه صلى الله عليه وسلم شاعر، لأن الذين يتبعهم الغاوون، لا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم.
ويوضح هذا المعنى ما جاء من الآيات مبينًا أنهم ادعوا عليه صلى الله عليه وسلم أنه شاعر وتكذيب الله لهم في ذلك، أما دعواهم أنه صلى الله عليه وسلم شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم: {بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] الآية، وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات: 36] وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} [الطور: 30] وأما تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 41] الآية، وقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} [يس: 69]، وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بالحق وَصَدَّقَ المرسلين} [الصافات: 36- 37]، لأن قوله تعالى: {بَلْ جَاءَ بالحق} الآية. تكذيب لهم في قولهم إنه: {لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ}.