فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وكل ذلك أخبار لا يدري صحتها ولا كذبها، ولعل في بعضها ما يميل القلب إلى القول بكذبه والله تعالى أعلم.
{فَلَمَّا جَاء سليمان} في الكلام حذف أي فأرسلت الهدية فلما جاء الخ، وضمير {جَاء} للرسول، وجوز أن يكون لما أهدت إليه والأول أولى، وقرأ عبد الله {فَلَمَّا} أي المرسلون {سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} خطاب للرسول والمرسل تغليبًا للحاضر على الغائب وإطلاقًا للجمع على الاثنين، وجوز أن يكون للرسول ومن معه وهو أوفق بقراءة عبد الله، ورجح الأول لما فيه من تشديد الإنكار والتوبيخ المستفادين من الهمزة على ما قيل وتعميمهما لبلقيس وقومها، وأيد بمجىء قوله تعالى: {ارجع إِلَيْهِمْ} [النمل: 37] بالإفراد؛ وتنكير {مَّالِ} للتحقير.
وقرأ جمهور السبعة {تمدونن} بنونين وأثبت بعض الياء.
وقرأ حمزة بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم.
وقرأ المسيبي عن نافع بنون واحدة خفيفة والمحذوف نون الوقاية، وجوز أن يكون الأولى فرفعه بعلامة مقدرة كما قيل في قوله:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي ** وجهك بالعنبر والمسك الذكي

{فَمَا عَبْدُ الله} أي من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه {خَيْرٌ مّمَّا ءاتِيكُمْ} أي من المال الذي من جملته ما جئتم به، وقيل: عنى بما آتاه المال لأنه المناسب للمفضل عليه والأول أولى لأنه أبلغ، والجملة تعليل للإنكار والكلام كناية عن عدم القبول لهديتهم، وليس المراد منه الافتخار بما أوتيه فكأنه قيل: أنكر إمدادكم إياي بمال لأن ما عندي خير منه فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي، والظاهر أن الخطاب المذكور كان أول ما جاؤه كما يؤذن به قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ} الخ، ولعل ذلك لمزيد حرصه على إرشادهم إلى الحق، وقيل: لعله عليه السلام قال لهم ما ذكر بعد أن جرى بينهم وبينه ما جرى مما في خبر وهب.
وغيره، واستدل بالآية على استحباب رد هدايا المشركين.
والظاهر أن الأمر كذلك إذا كان في الرد مصلحة دينية لا مطلقًا، وإنما لم يقل: وما آتاني الله خير مما آتاكم لتكون الجملة حالًا لما أن مثل هذه الحال وهي الحال المقررة للإشكال يجب أن تكون معلومة بخلاف العلة وهي هنا ليست كذلك، وقوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال وتعليله إلى بيان ما حملهم عليه من قياس حاله عليه السلام على حالهم وهو قصور همتهم على الدنيا والزيادة فيها فالمعنى أنتم تفرحون بما يهدى إليكم لقصور همتكم على الدنيا وحبكم الزيادة فيها، ففي ذلك من الحط عليهم ما لا يخفى، والهدية مضافة إلى المهدي إليه وهي تضاف إلى ذلك كما تضاف إلى المهدي أو إضراب عن ذلك إلى التوبيخ بفرحهم بهديتهم التي أهدوها إليه عليه السلام فرح افتخار وامتنان واعتداد بها، وفائدة الإضراب التنبيه على أن إمداده عليه السلام بالمال منكر قبيح، وعد ذلك مع أنه لا قدر له عنده عليه السلام مما يتنافس فيه المتنافسون أقبح والتوبيخ به أدخل، قيل: وينبىء عن اعتداهم بتلك الهدية التنكير في قول بلقيس: {وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل: 35] بعد عدها إياه عليه السلام ملكًا عظيمًا وكذا ما تقدم في خبر وهب وغيره من حديث الحق والجزعة وتغيير زي الغلمان والجواري وغير ذلك، وقيل: فرحهم بما أهدوه إليه عليه السلام من حيث توقعهم به ما هو أزيد منه فإن الهدايا للعظماء قد تفيد ما هو أزيد منها ما لا أو غيره كمنع تخريب ديارهم هنا، وقيل: الكلام كناية عن الرد، والمعنى أنتم من حقكم أن تفرحوا بأخذ الهدية لا أنا فخذوها وافرحوا وهو معنى لطيف إلا أن فيه خفاء.
{اْرجِعِ} أمر للرسول ولم يجمع الضمير كما جمعه فيما تقدم من قوله: {أتمدونني} [النمل: 36] الخ لاختصاص الرجوع به بخلاف الإمداد ونحوه، وقيل: هو أمر للهدهد محملًا كتابًا آخر وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن زهير بن زهير، وتعقب بأنه ضعيف دراية ورواية.
وقرأ عبد الله {الحاكمين ارجعوا} على أنه أمر للمرسلين والفعل هنا لازم أي انقلب وانصرف {إِلَيْهِمُ} أي إلى بلقيس وقومها {فَلَنَأْتِيَنَّهُم} أي فوالله لنأتينهم {بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على مقابلتها وأصل القبل المقابلة فجعل مجازًا أو كناية عن الطاقة والقدرة عليها.
وقرأ عبد الله {بِهِمُ} {وَلَنُخْرِجَنَّهُم} عطف على جواب القسم {مِنْهَا} أي من سبأ {أَذِلَّةٍ} أي حال كونهم أذلة بعدما كانوا فيه من العز والتمكين، وفي جمع القلة تأكيد لذلتهم، وقوله تعالى: {وَهُمْ صاغرون} حال أخرى، والصغار وإن كان بمعنى الذل إلا أن المراد به هنا وقوعهم في أسر واستعباد فيفيد الكلام أن إخراجهم بطريق الأسر لا بطريق الإجلاء وعدم وقوع جواب القسم لأنه كان معلقًا بشرط قد حذف عند الحكاية ثقة بدلالة الحال عليه كأنه قيل: ارجع إليهم فليأتوني مسلمين وإلا فلنأتينهم. إلخ. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{قالت} جواب محاورة فلذلك فُصل.
أبدت لهم رأيها مفضِّلةً جانب السلم على جانب الحرب، وحاذرة من الدخول تحت سلطة سليمان اختيارًا لأن نهاية الحرب فيها احتمال أن ينتصر سليمان فتصير مملكة سبأ إليه، وفي الدخول تحت سلطة سليمان إلقاء للمملكة في تصرفه، وفي كلا الحالين يحصل تصرف مَلك جديد في مدينتها فعلمت بقياس شواهد التاريخ وبخبرة طبائع الملوك إذا تصرفوا في مملكة غيرهم أن يقلبوا نظامها إلى ما يساير مصالحهم واطمئنان نفوسهم من انقلاب الأمة المغلوبة عليهم في فُرص الضعف أو لوائح الاشتغال بحوادث مهمة، فأول ما يفعلونه إقصاء الذين كانوا في الحكم لأن الخطر يتوقع من جانبهم حيث زال سلطانهم بالسلطان الجديد، ثم يبدلون القوانين والنظم التي كانت تسير عليها الدولة، فأما إذا أخذوها عنوة فلا يخلو الأخذ من تخريب وسبي ومغانم، وذلك أشد فسادًا.
وقد اندرج الحالان في قولها {إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة}.
وافتتاح جملة: {إن الملوك} بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وتحقيقه، فقولها {إذا دخلوا قرية أفسدوها} استدلال بشواهد التاريخ الماضي ولهذا تكون {إذا} ظرفًا للماضي بقرينة المقام كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها} [الجمعة: 11] وقوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا} [التوبة: 92].
وجملة: {وكذلك يفعلون} استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة الاستصحاب وهو كالنتيجة للدليل الذي في قوله: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها}.
والإشارة إلى المذكور من الإفساد وجَعْللِ الأعزة أذلة، أي فكيف نلقي بأيدينا إلى من لا يألو إفسادًا في حالنا.
فدبرت أن تتفادى من الحرب ومن الإلقاء باليد، بطريقة المصانعة والتزلف إلى سليمان بإرسال هدية إليه، وقد عزمت على ذلك ولم تستطلع رأي أهل مشورتها لأنهم فوضوا الرأي إليها، ولأن سكوتهم على ما تخبرهم به يُعدّ موافقة ورضى.
وهذا الكلام مقدمة لما ستلقيه إليهم من عزمها، ويتضمن تعليلًا لما عزمت عليه.
والباء في {بهدية} باء المصاحبة.
ومفعول {مرسلة} محذوف دل عليه وصف {مرسلة} وكون التشاور فيما تضمنه كتاب سليمان.
فالتقدير: مرسلة إليهم كتابًا ووَفدًا مصحوبًا بهدية إذ لابد أن يكون الوفد مصحوبًا بكتاب تجيب به كتاب سليمان فإن الجواب عن الكتاب عادة قديمة، وهو من سنن المسلمين، وعدّ من حق المسلم على المسلم، قال القرطبي: إذا ورد على إنسان في كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يَرد الجواب لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر.
وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبًا كرد السلام. اهـ.
ولم أقف على حكم فيه من مذاهب الفقهاء.
والظاهر أن الجواب إن كان عن كتاب مشتمل على صيغة السلام أن يكون رد الجواب واجبًا وأن يشتمل على رد السلام لأن الرد بالكتابة يقاس على الرد بالكلام مع إلغاء فارق ما في المكالمة من المواجهة التي يكون ترك الرد معها أقرب لإلقاء العداوة.
ولم أر في كتب النبي صلى الله عليه وسلم جوابًا عن كتاب إلا جوابه عن كتاب مسيلمة والسلام على من اتّبع الهدى.
والهدية: فعيلة من أهدى: فالهدية ما يعطَى لقصد التقرب والتحبب، والجمع هَدايا على اللغة الفصحى، وهي لغة سُفلَى مَعَدَ.
وأصل هدايا: هدائيَ بهمزة بعد ألف الجمع ثم ياءٍ لأن فعيلة يجمع على فعائل بإبدال ياء فعيلة همزة لأنها حرف وقع في الجمع بعد حرف مدّ فلما وجدوا الضمة في حالة الرفع ثقيلة على الياء سكّنوا الياء طردًا للباب ثم قلبوا اليَاء الساكنة ألفًا للخفة فوقعت الهمزة بين ألفين فثقلت فقلبوها ياء لأنها مفتوحة وهي أخف، وأما لغة سُفلى معدّ فيقولون: هَدَاوَى بقلب الهمزة التي بين الألفين واوًا لأنها أخت الياء وكلتاهما أخت الهمزة.
و{ناظرة} اسم فاعل من نَظر بمعنى انتظَر، أي مترقبةٌ، فتكون جملة: {بم يرجع المرسلون} مبيّنة لجملة {فناظرة}، أو مستأنفة.
وأصل النظم: فناظرة ما يرجع المرسلون به، فغير النظم لمَّا أريد أنها مترددة فيما يرجع به المرسلون.
فالباء في قوله: {بم يرجع المرسلون} متعلقة بفعل {يرجع} قدمت على متعلَّقها لاقترانها بحرف ما الاستفهامية لأن الاستفهام له صدر الكلام.
ويجوز أن يكون {ناظرة} من النظر العقلي، أي عالمة، وتعلقَ الباء بفعل {يرجع}، وعلى كلا الوجهين ف {ناظرة} معلَّق عن العمل في مفعوله أو مفعوليه لوجود الاستفهام، ولا يجوز تعلق الباء ب {ناظرة} لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده فمن ثم غلطوا الحوفي في تفسيره لتعليقه الباء ب {ناظرة} كما في الجهة السادسة من الباب الخامس من مغني اللبيب.
{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)} أي فلما جاء الرسول الذي دل عليه قوله: {وإني مرسلة إليهم بهدية} [النمل: 35]، فالإرسال يقتضي رسولًا، والرسول لفظه مفرد ويصدق بالواحد والجماعة، كما تقدم في قصة موسى في سورة الشعراء.
وأيضًا فإن هدايا الملوك يحملها رَكب، فيجوز أن يكون فاعل {جاء} الركبُ المعهود في إرسال هدايا أمثال الملوك.
وقد أبى سليمان قبول الهدية لأن الملكة أرسلتها بعد بلوغ كتابه ولعلها سكتت عن الجواب عما تضمنه كتابه من قوله: {وأتوني مسلمين} [النمل: 31] فتبيّن له قصدُها من الهدية أن تصرفه عن محاولة ما تضمنه الكتاب، فكانت الهدية رشوة لتصرفه عن بثّ سلطانه على مملكة سبأ.
والخطاب في {أتمدونن} لوفد الهدية لقصد تبليغه إلى الملكة لأن خطاب الرسل إنما يقصد به من أرسلهم فيما يرجع إلى الغرض المرسل فيه.
والاستفهام إنكاري لأن حال إرسال الهدية والسكوت عن الجواب يقتضي محاولة صرف سليمان عن طلب ما طلبه بما بذل له من المال، فيقتضي أنهم يحسبونه محتاجًا إلى مثل ذلك المال فيقتنع بما وجّه إليه.
ويظهر أن الهدية كانت ذهبًا ومالًا.
وقرأ الجمهور: {أتمدونني} بنونين.
وقرأه حمزة وخلف بنون واحدة مشدّدة بالإدغام.
والفاء لتفريع الكلام الذي بعدها على الإنكار السابق، أي أنكرت عليكم ظنكم فرحي بما وجهتم إليّ لأنّ ما أعطاني الله خير مما أعطاكم، أي هو أفضل منه في صفات الأموال من نفاسة ووفرة.
وسَوق التعليل يشعر بأنه علم أن الملكة لا تعلم أن لدى سليمان من الأموال ما هو خير مما لديها، لأنه لو كان يظن أنها تعلم ذلك لما احتاج إلى التفريع.
وهذا من أسرار الفرق في الكلام البليغ بين الواو والفاء في هذه الجملة فلو قال: وما آتاني الله خير مما آتاكم، لكان مُشعرًا بأنها تعلم ذلك لأن الواو تكون واو الحال.
و{بل} للإضراب الانتقالي وهو انتقال من إنكاره عليهم إمداده بمال إلى رد ذلك المال وإرجاعه إليهم.
وإضافة {هديتكم} تشبيه؛ تحتمل أن تكون من إضافة الشيء إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما تهدونه.
ويجوز أن يكون شبيهة بالإضافة إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما يُهدى إليكم.
والخبر استعمل كناية عن رد الهدية للمهدي.
ومعنى: {تفرحون} يجوز أن يكون تُسرُّون، ويجوز أن يكون تفتخرون، أي أنتم تعظم عندكم تلك الهدية لا أنا، لأن الله أعطاني خيرًا منها.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في {أنتم تَفرحون} لإفادة القصر، أي أنتم.
وهو الكناية عن رد الهدية.
وتوعدهم وهددهم بأنه مرسل إليهم جيشًا لا قِبَل لهم بحربه.
وضمائر جمع الذكور الغائب في قوله: {فلنأتينهم} و{لنخرجنهم} عائدة إلى القوم، أي لنخرجن من نخرج من الأسرى.
وقوله: {فلنأتينهم بجنود} يحتمل أنه أراد غزو بلدها بنفسه، فتكون الباء للمصاحبة.
ويحتمل أنه أراد إرسال جنود لغزوها فتكون الباء للتعدية كالتي في قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17] أي أذهبه؛ فيكون المعنى: فلنؤتينهم جنودًا، أي نجعلها آتية إياهم.
والقِبَل: الطاقة.
وأصله المقابلة فأطلق على الطاقة لأن الذي يُطيق شيئًا يثبت للقائه ويقابله.
فإذا لم يُطقه تقهقر عن لقائه.
ولعل أصل هذا الاستعمال ناظر إلى المقابلة في القتال.
والباء في {بها} للسببية، أي انتفى قِبلهم بسببها، أو تكون الباء للمصاحبة، أي انتفى قِبلهم المصاحب لها، أي للقدرة على لقائها.
وضمير {بها} للجنود وضمير {منها} للمدينة، وهي مأرب، أي يخرجهم أسرى ويأتي بهم إلى مدينته.
والصاغر: الذليل، اسم فاعل من صغر بضم الغين المستعمل بمعنى ذل ومصدره الصغار.
والمراد: ذل الهزيمة والأسر. اهـ.