فصل: قال الثعلبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وروي عن أبي هريرة أنه قال: تخرج الدابة ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان عليهما السلام فتجلو وجه المؤمن بعصا موسى، وتختم وجه الكافر بخاتم سليمان ثم تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فترى أهل البيت مجتمعين على خوانهم يقول لهذا يا مؤمن، ولهذا يا كافر.
وروى ابن جريج عن أبي الزبير قال: رأسها رأس ثور، وعيناها عينا خنزير، وأذناها أذنا فيل، وقرناها أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين منها اثني عشر ذراعًا بذراع آدم عليه السلام تخرج ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتنكت على وجه المؤمن حتى يبيض، وتختم على وجه الكافر بخاتم سليمان حتى يسود، فيعرف المؤمن من الكافر.
وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء، فتفشو في وجهه حتى يبيض وجهه، ويتابعون في الأسواق، فيعرفون المؤمن من الكافر.
قوله عز وجل: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجًا} يعني: نوجب عليهم العذاب في يوم نحصر من كل أمة فوجًا.
يعني: من أهل كل دين جماعة.
ويقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ} يعني: نجمع من كل أمة فوجًا يعني: جماعة {مّمَّن يُكَذّبُ بآياتنا فَهُمْ يُوزَعُونَ} يعني: يحبس أولهم لآخرهم يجتمعوا {حتى إِذَا} يعني: اجتمعوا للحشر {جَاءوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بئاياتى} يعني: قال الله تعالى لهم أكذبتم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؟ اللفظ لفظ الاستفهام.
والمراد به التقرير.
يعني: قد كذبتم بآياتنا {وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمًا} اللفظ لفظ النفي، والمراد به المناقشة في الحساب.
يعني: كذبتم كأنكم لم تعلموا.
ويقال: لم تعرفوها حق معرفتها ثم قال: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} اللفظ لفظ السؤال، والمراد به التوبيخ، ومعناه: ماذا كنتم تعملون أن تؤمنوا بالكتاب والرسل؟ يعني: أي عمل منعكم من ذلك {وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم} يعني: نزل عليهم العذاب، ووجب عليهم {بِمَا ظَلَمُواْ} يعني: بما أشركوا {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} يعني: لا يمكنهم أن يتكلموا من الهيبة لما ظهر لهم من المعاينة، ولما تحيروا في ذلك.
ثم وعظ كفار مكة فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ} يعني: ألم يعتبروا {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ} يعني: مضيئًا، وأضاف الفعل إلى النهار، لأن الكلام يخرج مخرج الفاعل، إذا كان هو سببًا للفعل.
كما قال: {وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ الليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب وَجَعَلْنَا الاغلال في أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33] {إِنَّ في ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: فيما ذكر من الليل والنهار، لعبرات لقوم يصدقون بتوحيد الله تعالى.
وقال عز وجل: {وَيَوْمَ يُنفَخُ في الصور} أي: واذكر يوم ينفخ إسرافيل في الصور {فَفَزِعَ مَن في السموات وَمَن في الأرض} أي: من شدة الصوت والفزع.
ويقال: ماتوا.
وقال بعضهم: النفخ ثلاثة: أحدها الفزع وهو قوله: {فَفَزِعَ مَن في السموات} ونفخة أخرى للموت.
وهو قوله: {وَنُفِخَ في الصور فَصَعِقَ مَن في السماوات وَمَن في الأرض إِلاَّ مَن شَاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] ونفخة للبعث وهي قوله: {وَنُفِخَ في الصور فَصَعِقَ مَن في السماوات وَمَن في الأرض إِلاَّ مَن شَاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] وقال بعضهم: إنما هما نفختان والفزع والصعق كناية عن الهلاك، ثم نفخة للبعث {إِلاَّ مَن شَاء الله} يعني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم يموتوا بعد ذلك {وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين}.
روى سفيان بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} بغير مد ونصب التاء، وهي قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص.
والباقون بالمد والضم.
ومن قرأ بالمد وضم التاء، فمعناه كل حاضروه {داخرين} أي: صاغرين.
ويقال: متواضعين.
ومن قرأ بغير مد يعني: يأتوا الله {وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي: تحسبها واقفة مكانها ويقال: مستقرة {وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب} حتى تقع على الأرض فتستوي، أي في أعين الناظرين كأنها واقفة.
قال القتبي: وكذلك كل عسكر غض به الفضاء، فينظر الناظر، فيرى أنها واقفة وهي تسير {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شيء} يعني: أحكم خلق كل شيء.
ويقال: الشيء المتقن أن يكون وثيقًا ثابتًا، فما كان من صنع غيره يكون واهيًا، ولا يكون متقنًا {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} أي: عليم بما فعلتم {مَن جَاء بالحسنة} أي: بالإيمان والتوحيد، وكلمة الإخلاص، وشهادة أن لا إله إلا الله {فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا} على وجه التقديم، وله منها خير أي: حين ينال بها الثواب والجنة.
ويقال: فله خير منها.
أي: خير من الحسنة.
يعني: أكثر منها للواحد عشرة.
ويقال: فله خير منها من الحسنة، وهي الجنة، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله، والعمل هو اكتساب العبد، فما كان من فضله وعطائه، فهو أفضل، وهذا تفسير المعتزلة، والأول قول المفسرين.
{وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ} أي: من فزع يوم القيامة.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع في رواية ورش {مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} بغير تنوين، {وَيَوْمَئِذٍ} بكسر الميم، والباقون بالتنوين، ونصب الميم.
قال أبو عبيد: وبالإضافة نقرأ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع، فزع ذلك اليوم، وإذا قال: فزع بالتنوين، صار كأنه قال: فزع دون فزع.
وقال غيره: إنما أراد به الأكبر، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} بالياء على معنى الإخبار عنهم، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة {وَمَن جَاء بالسيئة} أي بالشرك {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ في النار} ويقال: يكبون على وجوههم، ويجرون إلى النار، وتقول لهم خزنة النار: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من الشرك ويقال: فكبت أي: ألقيت وطرحت {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ البلدة} أي: قل يا محمد لأهل مكة: أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة.
يعني: مكة الذي حرمها بدعاء إبراهيم عليه السلام وحرم فيها القتل والصيد.
قال بعضهم: كان حرامًا أبدًا.
قال بعضهم: وهو أصح إن إبراهيم لما دعا، فجعلها الله حرامًا بدعوته.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْهَا».
ثم روي أنه قد رخص في المدينة ثم قال تعالى: {وَلَهُ كُلُّ شيء} أي وخلق كل شيء، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين}، أي: من المخلصين {وَأَنْ أَتْلُوَ القرءان} يعني: أمرت أن أقرأ عليكم القرآن يا أهل مكة {فَمَنُ اهتدى} أي: آمن بالقرآن {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} أي: يؤمن لنفسه ويثاب عليها {وَمَن ضَلَّ} ولم يوحد، ولم يؤمن بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ: {فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ المنذرين} أي: من المخوفين ومن المرسلين، فليس عليَّ إلا تبليغ الرسالة {وَقُلِ الحمد لِلَّهِ} يعني: الشكر لله على ما هداني {سَيُرِيكُمْ} أيها المشركون آياته.
يعني: العذاب في الدنيا {فَتَعْرِفُونَهَا} أنها حق، وذلك أنه أخبرهم بالعذاب، فكذبوه فأخبرهم أنهم يعرفونها أنها حق، وذلك إذا نزل بهم، وهو القحط والقتل.
ويقال: هو فتح مكة {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} فهذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم.
وقال الزجاج في قوله: {سَيُرِيكُمْ ءاياته} أي: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم.
قرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في إحدى الروايتين {تَعْمَلُونَ} بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنه، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. اهـ.

.قال الثعلبي:

{قُلِ الحمد لِلَّهِ}.
قال الفرّاء: قيل للوط: {قُلِ الحمد لِلَّهِ} على هلاك كفار قومي.
وقال الباقون: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني و{قُلِ الحمد لِلَّهِ} على هلاك كفّار الأُمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه.
{وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى} لرسالاته وهم الأنبياء عليهم السلام، عن مقاتل دليله قوله: {وَسَلاَمٌ على المرسلين} [الصاقات: 181] وأخبرني عبدالله بن حامد قال: أخبرنا السدي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس {وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى} قال: أصحاب محمّد عليه السلام. وأخبرني عبدالرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبدالله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سُئل عن {عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} قال: هم أصحاب محمّد.
وقال الكلبي: هم أُمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزامًا للحجّة: {ءَآللَّهُ} القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ إستفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: آلذين وآلآن جعلت المدّة علمًا بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء {خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة بالياء، الباقون بالتاء، وكان النبي عليه السلام إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خيرٌ وأبقى وأجلّ وأكرم».
{أَمَّنْ} قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي {خَلَقَ السماوات والأرض وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السماء مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} حُسْن.
{مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} هو {مَّا} النفي، يعني ما قدرتم عليه {أإله مَّعَ الله} يعينه على ذلك، ثمّ قال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} يشركون {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَارًا} لا تميد بأهلها {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ} وسطها {أَنْهَارًا} تطّرد بالمياه {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} جبالا ثوابت {وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين} العذب والملح {حَاجِزًا} مانعًا لئلاّ يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر {أإله مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ} أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس.
وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبدالله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبدالله التستري يقول: {المضطر} الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيًا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها {وَيَكْشِفُ السواء} أي الضرّ {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرض} يهلك قرنًا وينشئ آخرين {أإله مَّعَ الله قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر} إذا سافرتم.
{وَمَن يُرْسِلُ الرياح بُشْرًَا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} قدّام رحمته {أإله مَّعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ} للبعث {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السماء} المطر {والأرض} النبات {أإله مَّعَ الله قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلهًا آخر {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله} نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة.
قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد {إِلاَّ} لأنّ قبلها جحدًا كما يقال: ما ذهب أحد إلاّ أبوك {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ} متى {يُبْعَثُونَ} قالت عائشة: مَن زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله}.