فصل: قال السعدي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقرأ الجمهور {ملك} بفتح الميم وكسر اللام دون ألف ورويت هذه القراءة عن النبيء صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر في كتاب الترمذي.
قال ابن عطية: حكى أبو على عن بعض القراء أن أول من قرأ {مَلِك يوم الدين} مروان بن الحكم فرده أبو بكر بن السراج بأن الأخبار الواردة تبطل ذلك فلعل قائل ذلك أراد أنه أول من قرأ بها في بلد مخصوص.
وأما قراءة {مالك} بألف بعد الميم بوزن اسم الفاعل فهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف، ورويت عن عثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطلحة والزبير، ورواها الترمذي في كتابه أنها قرأَ بها النبيء صلى الله عليه وسلم وصاحباه أيضًا.
وكلتاهما صحيحة ثابتة كما هو شأن القراءات المتواترة كما تقدم في المقدمة السادسة.
وقد تصدى المفسرون والمحتجون للقراءات لبيان ما في كل من قراءة {ملك} بدون ألف وقراءة {مالك} بالألف من خصوصيات بحسب قَصْر النظر على مفهوم كلمة ملك ومفهوم كلمة {مالك} وغفلوا عن إضافة الكلمة إلى يوم الدين، فأما والكلمة مضافة إلى يوم الدين فقد استويا في إفادة أنه المتصرف في شؤون ذلك اليوم دون شبهة مشارك.
ولا محيصَ عن اعتبار التوسع في إضافة {ملك} أو {مالك} إلى {يوم} بتأويل شؤون يوم الدين.
على أن {مالك} لغة في {ملك} ففي القاموس: وكأمير وكتف وصاحب ذُو الملك.
ويوم الدين يوم القيامة، ومبدأ الدار الآخرة، فالدين فيه بمعنى الجزاء، قال الفِنْد الزماني:
فلما صرَّحَ الشرُّ ** فأَمسى وهْوَ عُريانُ

ولم يَبْقَ سوى العُدوا ** نِ دِنَّاهم كما دَانُوا

أي جازيناهم على صنعهم كما صنعوا مشاكلة، أو كما جازَوْا من قبل إذا كان اعتداؤهم ناشئًا عن ثأر أيضًا، وهذا هو المعنى المتعين هنا وإن كان للدين إطلاقات كثيرة في كلام العرب.
واعلم أن وصفه تعالى بملك يوم الدين تكملة لإجراء مجامع صفات العظمة والكمال على اسمه تعالى، فإنه بعد أن وُصف بأنه رب العالمين وذلك معْنى الإلهية الحقة إذ يفوق ما كانوا ينعتون به آلهتهم من قولهم إله بني فلان فقد كانت الأُمم تتخذ آلهة خاصة لها كما حكى الله عن بعضهم: {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى} [طه: 88] وقال: {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] وكانت لبعض قبائل العرب آلهة خاصة، فقد عبدت ثقيف اللات قال الشاعر:
ووقرت ثقيف إلى لاتها

وفي حديث عائشة في الموطأ: «كان الأنصار قبل أن يسلموا يهلون لمَنَاةَ الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل» الحديث.
فوُصِفَ اللَّهُ تعالى بأنه رب العالمين كلهم، ثم عقب بوَصفي الرحمن الرحيم لإفادة عظم رحمته، ثم وصف بأنه مَلِك يوم الدين وهو وَصْف بما هو أعظم مما قبله لأنه ينبئ عن عموم التصرف في المخلوقات في يوم الجزاء الذي هو أول أيام الخلود، فمَلِك ذلك الزمان هو صاحب المُلك الذي لا يشذ شيء عن الدخول تحت مُلكه، وهو الذي لا ينتهي ملكه ولا ينقضي، فأين هذا الوصف من أوصاففِ المبالغة التي يفيضها الناس على أعظم الملوك مثل مَلِك الملوك شَاهَانْ شَاهْ ومَلِك الزمان ومَلِك الدنيَا شاهْ جَهان وما شابه ذلك.
مع ما في تعريف ذلك اليوم بإضافته إلى الدين أي الجزاء من إدماج التنبيه على عدم حكم الله لأن إيثار لفظ الدين أي الجزاء للإشعار بأنه معاملة العَامل بما يعادِل أَعماله المَجْزِيَّ عليها في الخير والشر، وذلك العدلُ الخاص قال تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} [غافر: 17] فلذلك لم يقلْ ملك يوم الحساب فوَصفُه بأنه ملك يَوممِ العدل الصِّرف وصف له بأشرف معنى المُلك فإن الملوك تتخلد محَامدهم بمقدار تفاضلهم في إقامة العدل وقد عرف العرب المِدْحةَ بذلك.
قال النابغة يمدح الملك عَمْرو بن الحارث الغساني ملك الشام:
وكَم جزَانَا بأَيْدٍ غَيرِ ظالمة ** عُرْفًا بعُرف وإنكارًا بإنكارِ

وقال الحارث بن حلزة يمدح الملك عَمرو بن هند اللخمي ملك الحِيرة:
مَلِك مُقْسِط وأَفْضَلُ مَنْ يَمْ ** شِي ومن دون مَا لَدَيْه القَضَاء

وإجراء هذه الأوصاف الجليلة على اسمه تعالى إيماء بأن موصوفها حقيق بالحمد الكامل الذي أعربت عنه جملة: {الحمد لله} لأن تقييد مُفاد الكلام بأوصاف مُتَعَلَّق ذلك المفاد يُشعر بمناسبة بين تلك الأوصاف وبين مُفاد الكلام مُناسبة تفهم من المقام مثل التعليل في مقام هذه الآية. اهـ.

.قال السعدي:

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأضاف الملك ليوم الدين، وهو يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها، لأن في ذلك اليوم، يظهر للخلق تمام الظهور، كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق. حتى [إنه] يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار.
كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، فلذلك خصه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال في ملاك التأويل:

قوله تعالى: {ملك يوم الدين} وفى قراءة عاصم والكسائي {مالك يوم الدين} وفى سورة آل عمران: {قل اللهم مالك الملك} ولم يقرأ بغيره، وفى سورة الناس {ملك الناس} ولم يقرأ أيضًا بغيره. ومدار الآيات الثلاث على تعريف العباد بأنه سبحانه الملك المالك ثم ورد فيها من الاختلاف ما ذكر.
فللسائل أن يسأل فيقول: ما وجه هذا الاختلاف؟
وهل اختصاص آية أم القرآن بالقراءتين لموجب يخصها مع اتحاد المقصود في الآيات الثلاث من أنه سبحانه المنفرد بملك الكل وإيجادهم وأنه الملك المالك؟ أم ذلك لاختلاف المقاصد؟
والجواب: إن الآيات الثلاث حاصل منها ما ذكر أنه مقصود من أنه سبحانه ملك مالك أما آية الفاتحة فبإفصاح القراءتين، وأما آية آل عمران فلفظ الملك المضاف إليه مالك في قوله تعالى: {مالك الملك} يفهم أنه الملك لأن الملك من له الملك فأفهم لفظ الملك المضاف إليه مالك أنه ملك فحصل الاكتفاء بهذا وأفهمت الآية الأمرين.
وأما آية الناس فقوله تعالى: {برب الناس} مغن عن الإفصاح بمالك الناس لأن الرب المالك فكأن قد قيل: قل أعوذ بمالك الناس ملك الناس فاقتضى الإيجاز الاتصال ووحدة الكلام من حيث المعنى.
أما آية الفاتحة فقوله فيها: {ملك يوم الدين} آية انفردت عما قبلها بالتعريف بما لم تعرف به الآية التي قبلها من التنصيص على أنه ملك يوم الحساب فمصرف الكلامين في الآيتين إلى مقصودين وذلك أن قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} كلام مصرفه بحسب التفصيل الوارد هنا إلى حال الدنيا مع انسحاب معناه على الدارين ولكن ورد الكلام مفصلا فقال: {الحمد لله رب العالمين} فمصرف هذا بسبقية المفهوم وتقييد ما بعده وما يقتضيه التناظر والتقابل إلى حال الدنيا ثم قال: {ملك يوم الدين} فمصرف هذا إلى الآخرة فهذا في التفصيل كقوله تعالى: {له الحمد في الأولى والآخرة} فلم يكن ما مصرفه إلى حال الدنيا ليقع به الاستغناء عما مصرفه إلى حال الآخرة فلم يكن بد من الإفصاح بالصفتين فورد ذلك في القراءتين بخلاف ما في آية آل عمران وآية الناس فإن الآيتين من حيث الاتصال في المعنى في قوة آية واحده والكلام فيهما مطلق غير مقيد فيتناول بحسب إطلاقه الحكم في الدارين مع أنه كلام واحد.
فإن قلت: إذا كان قوله: {ملك يوم الدين} بحسب المصرف كما تقدم آية انفردت وأين مقصدها الآية قبلها على ما تمهد فقد صارت آيتا أم القرآن بحسب مصرف كل آية منهما كآية آل عمران وآية الناس فيحتاج في كل واحدة منهما على ما تمهد إلى ما يفهم أنه سبحانه ملك مالك وقد حصل ذلك من الآيات الثلاث فما المفهم لذلك من قوله تعالى: {رب العالمين} فالجواب أنه مفهوم من عموم قوله تعالى: {رب العالمين} إذ لم يقع مثل هذا العموم والاستيفاء من هذه الآى في غير هذه فإن لفظ العالمين يشمل كل مخلوق وإذا كان رب الكل ومالكهم فإن جميعهم تحت قهره وملكه فلا ملك لغيره سبحانه. فقد حصل من كل واحدة من هذه الآى الأربع أنه سبحانه الملك المالك وتبين أنه لا يلائم الآية من أم القرآن إلا ما ورد فيها من القرآتين وأن الآيات الأخر لو قرئت بالوجهين لكان تكرارا فورد كل على ما يجب ولا يناسب خلافه. والله أعلم. اهـ.

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} المالك من له المُلك، ومُلك الحق سبحانه وتعالى قدرته على الإبداع، فالملك مبالغة من المالك وهو سبحانه الملك المالك، وله المُلك. وكما لا إله إلا هو فلا قادر على الإبداع إلا هو، فهو بإلهيته متوحد، وبملكه متفرد، ملك نفوس العابدين فصرفها في خدمته، وملك قلوب العارفين فشرِّفها بمعرفته، وملك نفوس القاصدين فتيَّمها، وملك قلوب الواجدين فهيَّمها. ملك أشباح منْ عبَدَه فلاطفها بنواله وأفضاله، وملك أرواح مَنْ أحبهم [....] فكاشفها بنعت جلاله، ووصف جماله. ملك زمام أرباب التوحيد فصرفهم حيث شاء على ما شاء ووفَّقهم حيث شاء على ما شاء كما شاء، ولم يَكِلْهم إليهم لحظة، ولا مَلَّكَهم من أمرهم سِنَّة ولا خطرة، وكان لهم عنهم، وأفناؤهم له منهم.

.فصل: في إحسان الله:

مَلَكَ قلوبَ العابدين إحسانُه فطمعوا في عطائه، وملك قلوب الموحدين سلطانُه فقنعوا ببقائه. عرَّف أربابَ التوحيد أنه مالكهم فسقط عنهم اختيارهم، علموا أن العبد لا ملك له، ومن لا ملك له لا حكم له، ومن لا حكم له لا اختيار له، فلا لهم عن طاعته إعراض ولا على حكمه اعتراض، ولا في اختياره معارضة، ولا لمخالفته تعرّض،: {ويوم الدين}. يومُ الجزاء والنشر، ويوم الحساب والحشر- الحق سبحانه وتعالى يجزي كلًا بما يريد، فَمِنْ بين مقبولٍ يوم الحشر بفضله سبحانه وتعالى لا بفعلهم، ومن بين مردودٍ بحكمه سبحانه وتعالى لا بِجُرْمِهم. فأمَّا الأعداء فيحاسبهم ثم يعذبهم وأمَّا الأولياء فيعاتبهم ثم يقربهم:
قوم إذا ظفروا بنا ** جادوا بعتق رقابنا

. اهـ.

.قال أبو الليث السمرقندي:

سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي: {مالك يَوْمِ الدين} بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ: {مالك يَوْمِ الدين} فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ فَخْمًا مُفَخَّمًا»، فلم أترك القراءة ب: {ملك} حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ»، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشرًا في كل قراءة؟ فلما أصبحت، أتيت قطربًا وكان إمامًا في اللغة فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير.
فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك.
فرجعت إلى قراءة الكسائي. اهـ.

.فائدة في قراءة من قرأ {مَلِكِ}:

قال الطبري:
وأولى التأويلين بالآية، وأصحُّ القراءتين في التلاوة عندي، التأويلُ الأول، وهي قراءةُ من قرأ {مَلِكِ} بمعنى {المُلك}. لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك، إيجابًا لانفراده بالمِلْك، وفضيلة زيادة المِلك على المالك، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالك، وقد يكون المالكُ لا ملكًا.
وبعدُ، فإن الله جلّ ذكره، قد أخبر عبادَه في الآية التي قبل قوله: {ملِكِ يوم الدين} أنه مالكُ جميع العالمين وسيَّدهم، ومُصلحُهم، والناظرُ لهم، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة، بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.