فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)}.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: {كان الناس أمة واحدة} قال: على الإِسلام كلهم.
وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا}.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم، ففطرهم الله على الإِسلام وأقروا له بالعبودية، فكانوا أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {كان الناس أمة واحدة} قال: آدم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أنه كان يقرأها {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين} وإن الله إنما بعث الرسل، وأنزل الكتاب، بعد الاختلاف {وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه} يعني بني إسرائيل أوتوا الكتاب والعلم {بغيًا بينهم} يقول: بغيًا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، فضرب بعضهم رقاب بعض، {فهدى الله الذين آمنوا} يقول: فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإِخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، واعتزلوا الاختلاف، فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، وأن رسلهم بلغتهم، وأنهم كذبوا رسلهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {كان الناس أمة واحدة} قال: كفارًا.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن الأولون والآخرون. الأوّلون يوم القيامة، وأول الناس دخولًا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى، وهو في الصحيح بدون الآية».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، ونشر من آدم الناس فبعث فيهم النبيين مبشرين ومنذرين.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله نوحًا، وكان أول رسول أرسله الله إلى الأرض، وبعث عند الاختلاف من الناس وترك الحق، فبعث الله رسله وأنزل كتابه يحتج به على خلقه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} فاختلفوا في يوم الجمعة فأخذ اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد بيوم الجمعة. واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا. وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال في قراءة ابن مسعود: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا عنه} يقول: اختلفوا عن الإِسلام.
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: في قراءة أبي بن كعب {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق فيه بإذنه ليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} فكان أبو العالية يقول: في هذه الآية يهديهم للمخرج من الشبهات والضلالات والفتن. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال ابن عادل:

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)}.
قال القفَّال: الأُمَّةُ هم المجتمعون على الشَّيء الواحد، يَقتدي بعضُهم ببعض؛ مأخوذٌ من الائتمام.
ودَلَّتِ الآيةُ على أَنَّ الناس كانت أُمَّةً واحدةً، ولم تدلَّ على أَنَّهُم كانوا أُمَّةً وَاحدةً: في الحقِّ، أم في الباطل.

.فصل في معاني كلمة أمة:

قد جاءت الأمة على خمسة أَوْجُهٍ:
الأوَّل: الأُمَّةُ المِلَّة، كهذه الآية، أي: مِلَّة واحدة، ومثله: {وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: 52] أي: مِلتكُم.
الثاني: الأُمَّةُ الجماعة؛ قال تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق} [الأعراف: 181] أي: جماعةٌ.
الثالث: الأُمَّةُ السنين؛ قال تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود: 8]، أي: إلى سنين معدودةٍ، ومثله {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أي: بعد سنين.
الرابع: بمعنى إمامٍ يُعلِّمُ الخير؛ قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120].
الخامس: الأُمَّةُ: إحدى الأُمم؛ قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وباقي الكلام على ذلك يأتي في آخرِ النحل عند قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120].
قوله تعالى: {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ} حالان من {النَّبِيِّنَ}.
قيل: وهي حالٌ مُقارنةٌ؛ لأنَّ بعثَهُم كان وقت البشارةِ والنِّذار وفيه نظرٌ؛ لأنَّ البِشَارةَ والنِّذَارةَ بعدَ البعث.
والظاهرُ أنها حالٌ مُقَدِّرَةٌ، وقد تقدَّمَ معنى البشارة والنذارةِ في قوله: {أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا} [يونس: 2].
وقوله: {وَأَنْزَلَ مَعهُمُ} هذا الظرفُ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مُتعلِّقٌ بأنزل.
وهذا لابد فيه مِنْ تأويل؛ وذلك أَنَّه يلزمُ مِنْ تعلُّقِه بأنزل أَنْ يكون النبيون مصاحبين للكتاب في الإِنزال، وهم لا يُوصَفُون بذلك؛ لعدمه فيهم.
وتأويلُهُ: أنَّ المراد بالإِنزال الإِرسالُ، لأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عنه، كأنَّهُ قيل: وأرسل معهم الكتاب فتصحُّ مشاركتهم له في الإِنزالِ بهذا التَّأويل.
والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الكتاب، وتكونُ حالًا مُقدرةً، أي: وأنزل مقدِّرًا مصاحبته غياهم، وقدَّره أبو البقاء بقوله: شَاهِدًا لَهُمْ وَمُؤيِّدًا، وهذا تفسيرُ معنىً لا إعرابٍ.
والألِفٌ واللامُ في {الكِتَابِ} يَجُوزُ أَنْ تكونَ للعهدِ، بمعنى أَنَّه كتابٌ معينٌ؛ كالتوراة مثلًا، فإنها أنزلِت على مُوسى، وعلى النَّبيِّين بعده؛ بمعنى أنَّهَم حَكَموا بها، واستدامُوا على ذلك، وأَنْ تكونَ للجنس، أي: أنزل مع كلِّ واحدٍ منهم من هذا الجنس.
قوله: {بالحقِّ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أن يكون متعلِّقًا بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الكتاب- أيضًا- عند مَنْ يُجَوِّزُ تعدُّدَ الحال، وهو الصحيحُ.
والثاني: أَنْ يتعلَّق بنفس الكتاب؛ لما فيه من معنى الفعلِ، إذ المرادُ به المكتوبُ.
والثالث: أَنْ يتعلَّقَ بأنزلَ، وهذا أول؛ لأنَّ جعله حالًا لا يَسْتَقِيم إِلاَّ أَنْ يكونَ حالًا مُؤكدةً، إِذْ كُتُبُ اللَّهِ تعالى لا تكون ملتبسةً بالحقِّ، الأصلُ فيها أَنْ تكونَ مْستقلَّةً ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل، ولأنَّ الكتاب جارٍ مَجرى الجوامد.
قوله: {لِيَحْكُمَ} هذا القول متعلقٌ بقوله: {أَنْزَلَ} واللامُ لِلْعله، وفي الفاعل المضمر في {لِيَحْكُمْ} ثلاثةُ أقوال:
أحدها: وهو أظهرها، أنه يعودُ على اللَّهِ تعالى لتقدُّمه في قوله: {فَبَعَثَ اللَّهُ} ولأنَّ نسبة الحُكْم إليه حقيقةٌ، ويؤيِّده قراءةُ الجحدري فيما نقله عنه مكّي {لِنَحْكُمَ} بنون العظمة، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى التكلُّم.
وقد ظَنَّ ابنُ عطية أن مكيًا غلط في نقل هذه القراءة عنه، وقال: إنَّ الناسَ رَوَوْا عن الجَحْدَري: {لِيُحْكَمَ} على بناءِ الفعل للمفعول وفي النُّورِ موضعين هنا، وفي آل عمران ولا ينبغي أن يُغَلِّطه؛ لاحتمال أَنْ يكون عنه قراءتان.
والثاني: أنه يعودُ على {الكِتاب} أي: ليحْكُم الكتابُ، ونسبةُ الحُكْم إليه مجازٌ؛ كنسبةِ النُّطق إليه في قوله تعالى: {هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق} [الجاثية: 29].
وقوله: {إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المؤمنين} [الإسراء: 9].
ونسبةُ القضاءِ إليه في قوله: الكامل:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا ** وَقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الْكِتَابُ المُنْزَلُ

ووجهُ المجاز: أنَّ الحُكم فيه؛ فنُسب إليه، وقيل: إنه يعود على النَّبيِّ، واستضعفه أبو حيَّان من حيثُ إفرادُ الضمير، إذ كان ينبغي على هذا أن يجمع؛ ليطابق {النَّبيِّنَ}.
ثُمَّ قال: وَمَا قاله جائِزٌ عَلَى أن يَعُودَ الضميرُ على إفراد الجمع، على معنى: لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بكتابه. وبَيْنَ مُتَعلِّقٌ بيَحْكُمْ. والظَّرفيةُ هنا مجازٌ.
وكذلك {فِيما اخْتَلَفُوا} مُتعلقٌ به أيضًا.
و{مَا} موصولةٌ، والمرادُ بها الدِّينُ، أي: ليحكم اللَّهُ بين الناسِ في الدِّين، بعد أَنْ كانُوا مُتفقين عيه.
ويضعُفُ أَنْ يْرَادَ بما النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لغير العقلاء غالبًا.
و{فِيهِ} متعلِّقٌ ب {اخْتَلَفُوا}، والضميرُ عائدٌ على {ما} الموصولة.
قوله: {وَمَا اختلف فِيهِ} الضميرُ في {فِيهِ} أوجهٌ.
أظهرها: أنه عائدٌ على {ما} الموصولةِ أيضًا، وكذلك الضميرُ في {أُوتُوهُ} وقيل: يعودان على الكتاب، أي: وما اختلف في الكتابِ إِلاَّ الَّذين أُوتُوا الكتاب.
وقيل: يعودان على النبيِّ، قال الزَّجَّاجُ: أي: وما اختلف في النبيّ إِلاَّ الذين أُوتُوا عِلْمَ نبوَّته.
وقيل: يعودُ على عيسى؛ للدلالة عليه.
وقيل: الهاءُ في {فِيهِ} تعود على {الحقِّ} وفي {أوتُوه} تعود على {الكتاب} أي: وما اختلف في الحقِّ إِلاَّ الذين أُوتُوا الكتاب.
وقوله: {مِنْ بعدِ} فيه وجهان:
أحدهما وهو الصحيحُ: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديره: اختلفوا فيه من بعد.
والثاني: أن يتعلّق ب {اخْتَلَفَ} الملفوظ به، وقال أبو البقاء: ولا تمنعُ {إلاَّ} من ذلك، كما تقول: ما قام إلاَّ زيدٌ يومَ الجُمُعَةِ.
وهذا الذي أَجازه أبُو البقاء، فيه كَلاَمٌ كثيرٌ للنُّحاة، وملخَّصُه: أَنَّ إِلاَّ لا يُستَثْنَى بها شيئان دُونَ عطفٍ أَوْ بدليةٍ؛ وذلك أنَّ إلاَّ معدِّيةٌ للفعل، ولذلك جاز تعلُّقُ ما بعدها بما قبلها، فهي كواو مَعَ وهمزة التعدية، البدليةِ كذلك إلاَّ وهذا هو الصَّحِيحُ، وإنْ كان بعضهم خالف.
فإن وَرَدَ من لسانهم ما يوهم جواز ذلك يُؤَوَّل، فمنه قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نوحي إِلَيْهِمْ} [يوسف: 109].
ثم قال: {بِالْبَيِّناتِ} فظاهر هذا أَنَّ {بالبيناتِ} مُتَعلِّقٌ بأرسلنا، فقد استُثْنِي ب {إلاَّ} شيئان، أحدهما {رِجَالا} والآخرُ {بالبينات}.
وتأويلهُ أنَّ {بالبَيِّناتَ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ، لئلا يلزم منه ذلك المحذورُ.
وقد منع أبو الحسن، وأبو عليّ: مَا أخَذَ أَحَدٌ إِلاَّ زيدٌ دِرْهمًا وما ضربَ القومُ إلا بعضُهم بَعْضًا واختلفا في تصحيحها، فقال أبو الحسن: طريقُ تَصْحيحِها بأَنْ تُقَدِّم المرفوع الذي بعد إلاَّ عليها، فيقال: ما أخذَ أحدٌ زيدٌ إلا دِرْهَمًا، فيكونُ زيدٌ بدلًا من أَحَدٌ ودِرْهَمًا مستثنى مفرغٌ من ذلك المحذوف، تقديره: ما أخذ أَحَدٌ زيدٌ شيئًا إلا دِرْهمًا.
وقال أبو عليٍّ: طريقُ ذلك زيادةُ منصوبةٍ في اللَّفظ فيظهرُ ذلك المقدَّرُ المستثنى منه، فيقال: ما أَخَذَ أحدٌ شيئًا إلا زيدٌ درهمًا فيكونُ المرفوع بدلًا من المرفوع، والمنصوبُ بدلًا من المنصُوب، وكذلك: ما ضَرَبَ القومُ أحدًا إِلاَّ بعضُهم بعضًا.
وقال أبو بكر بن السَّرَّاج: تقولُ أَعْطَيْتُ الناسَ دِرْهمًا إلا عَمْرًا جائِزٌ. ولو قُلْتَ: أعطيتُ الناسَ دِرْهَمًا إلا عَمْرًا الدنانير لم يَجُزْ، لأنَّ الحرف لا يُسْتثنى به إِلاَّ واحِدٌ.
فإنْ قُلْتَ: ما أَعْطَيْتَ الناسَ دِرْهَمًا إِلاَّ عَمْرًا دَانِقًا على الاستثناء لم يَجُزْ، أَوْ على البدلِ جاز فَتُبدل عمرًا من النَّاسِ، ودانِقًا من دِرْهمًا.
كأنك قُلتَ: ما أعطيتُ إلاَّ عَمْرًا دانقًا يعني أنَّ الحصرَ واقعٌ في المفعولين.
قال بعض المُحقِّقين: وما أجازه ابن السراج من البدل في هذه المسألة، ضعيفٌ؛ وذلك أنَّ البدلَ في الاستثناء لابد مِنْ مُقارنتِهِ بإلاّ، فَأَشْبَهَ العطف، فكما أَنَّهُ لا يقعُ بعد حرف العطف معطوفانِ، لا يقعُ بعد إلاَّ بَدَلاَنِ.
فإذا عُرِفَ هذا الأصلُ، وما قال الناسُ فيه، كان إعرابُ أَبِي البقاء في هذه الآيةِ الكريمة، مِنْ هذا الباب؛ وذلك أنه استثناءٌ مفرَّغٌ، وقد وقع بعدَ إلاَّ الفاعلُ، وهو {الَّذِينَ}، والجارُّ والمَجرُور، وهو {مِنْ بعد}، والمفعولُ مِنْ أَجلِهِ، وهو {بَغيًا} فيكونُ كلٌّ منهما محصورًا.
والمعنى: وما اختلفَ فيه إلا الذين أُوتوه إلاَّ منْ بعد ما جَاءَتْهُم البيناتُ إلا بَغيًا.
وإذا كان التقديرُ كذلك، فقد استُثْنِي ب {إلاَّ} شيئان دُونَ الأولِ الذي هو فاعلٌ مِنْ غير عطف ولا بدليةٍ وهي مسألةٌ يكثر دورها؟
قوله: {بَغْيًا} في نصبه وجهان:
أظهرهما: أنه مفعولٌ من أجله، لاستكمال الشُّرُوط، وهو علةٌ باعثةٌ، والعامِلُ فيه مُضمرٌ على ما اخترناه، وهو الذي تُعلِّقُ به {فِيهِ}، و{اخْتَلَفَ} الملفوظُ به عند من يرى أنَّ إلاَّ يُستثنى بها شيئان.
والثاني: أنه مصدرٌ في محلِّ حالٍ، أي: باغين، والعامِلُ فيها ما تقدَّمَ.
و{بينهم} متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه صِفَةٌ ل {بَغْيًا} أي: بَغْيًا كائنًا بينهم.
قوله: {فهدى اللَّهُ الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق} لِما متعلِّقٌ ب {هَدَى} وما موصولةً ومعنى هذا أي: أرشد إلى ما اختلفوا فيه؛ كقوله تعالى: {يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} [المجادلة: 3]، أي: إلى ما قالوا.
ويقال: هديته الطريق وللطريق وإلى الطريق والضمير في {اخْتلفُوا} عائدٌ على {الذين أُوتُوه} وفي {فِيهِ} عائدٌ على ما، وهو متعلِّقٌ ب {اخْتَلَفَ}.
و{مِن الحَقِّ} مُتَعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه في موضعِ الحالِ من ما في لمِا ومِنْ يجوزُ أَنْ تكونَ للتبعيض، وأَنْ تكونَ للبيانِ عند مَنْ يرى ذلك، تقديره: الذي هو الحقّ.
وأجاز أبو البقاء أَنْ يكونَ {مِنَ الحقِّ} حالًا من الضمير في {فيه} والعامِلُ فيها {اختلفوا} فإن قيل لم قال هداهم فيما اختلفُوا فيه، وعساهُ أن يكون غير حقٍّ في نفسه قال: والقَلْبُ في كتابِ اللَّهِ دُونَ ضرُورةٍ تدفعُ إليه عَجْزٌ وسُوءُ فَهْمٍ انتهى.
قال شهاب الدِّين: وهذا الاحتمالُ الذي جعله ابنُ عطية حاملًا للفرَّاءِ على ادِّعاء القلب، لا يُتوهَّمُ أصلًا.
قوله: {بإذنِهِ} فيه وجهان:
أحدهما: أَن يتعلَّقَ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ من {الَّذِينَ آمَنُوا}، أي: مأذونًا لهم.
والثاني: أَنْ يكون متعلِّقًا بهدى مفعولًا به، أي: هداهم بأمره.
قال الزَّجَّاج: المراد من الإذن هنا العلم، أي: بعلمه، وإرادته فيهم، وقيل بأمره، أي: حصلت الهداية بسبب الأمر؛ كما يقال: قطعت بالسِّكِّين.
وقيل: لابد فيه مِنْ إضمار، تقديره: هداهم فاهتدوا بإذنه. اهـ. باختصار.