فصل: قال الإمام نظام الدين النيسابوري:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{الله الذي يُرْسلُ الرياح فَتُثيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ} متصلًا تارة. {فى السماء} في سمتها. {كَيْفَ يَشَاءُ} سائرًا أو واقفًا مطبقًا وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير ذلك. {وَيَجْعَلُهُ كسَفًا} قطعًا تارة أخرى، وقرأ ابن عامر بالسكون على أنه مخفف أو جمع كسفة أو مصدر وصف به. {فَتَرَى الودق} المطر. {يَخْرُجُ منْ خلاَله} في التارتين. {فَإذَا أَصَابَ به مَن يَشَاءُ منْ عبَاده} يعني بلادهم وأراضيهم. {إذَا هُمْ يَسْتَبْشرُونَ} لمجيء الخصب.
{وَإن كَانُوا من قَبْل أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهمْ} المطر. {من قَبْله} تكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم، وقيل الضمير للمطر أو السحاب أو الإرسال. {لَمُبْلسينَ} لآيسين.
{فانظر إلى أَثَر رَحْمَتَ الله} أثر الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار ولذلك جمعه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص. {كَيْفَ يُحْيي الأرض بَعْدَ مَوْتهَا} وقرىء بالتاء على إسناده إلى ضمير الرحمة. {إنَّ ذلك} يعني إن الذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها. {لَمُحْيي الْمَوْتَى} لقادر على إحيائهم فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية، كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية، هذا ومن المحتمل أن يكون من الكائنات الراهنة ما يكون من مواد تفتت وتبددت من جنسها في بعض الأعوام السالفة. {وَهُوَ على كُلّ شيء قَديرٌ} لأن نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على سواء.
{وَلَئنْ أَرْسَلْنَا ريحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا} فرأوا الأثر أو الزرع فإنه مدلول عليه بما تقدم، وقيل السحاب لأنه إذا كان {مُصْفَرًّا} لم يمطر واللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط وقوله: {لَّظَلُّوا من بَعْده يَكْفُرُونَ} جواب سد مسد الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال. وهذه الآية ناعية على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله ويلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زرعهم بالاصفرار ولا يكفروا نعمه.
{فَإنَّكَ لاَ تُسْمعُ الموتى} وهم مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم.
{وَلاَ تُسْمعُ الصم الدعاء إذَا وَلَّوْا مُدْبرينَ} قيد الحكم به ليكون أشد استحالة، فإن الأصم المقبل وإن لم يسمع الكلام يفطن منه بواسطة الحركات شيئًا، وقرأ ابن كثير بالياء مفتوحة ورفع {الصم}.
{وَمَا أَنتَ بهَاد العمى عَن ضلالتهم} سماهم عميًا لفقدهم المقصود الحقيقي من الأبصار أو لعمى قلوبهم، وقرأ حمزة وحده {تهدي العمي}. {إنْ تُسْمع إلاَّ مَن يُؤْمن بآيَاتنَا} فإن إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ وتدبر المعنى، ويجوز أن يراد بالمؤمن المشارف للإيمان. {فَهُم مُّسْلمُونَ} لما تأمرهم به.
{الله الذي خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ} أي ابتدأكم ضعفاء وجعل الضعف أساس أمركم كقوله: {خَلَقَ الإنسان ضَعيفًا} أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة. {ثُمَّ جَعَلَ من بَعْد ضَعْفٍ قُوَّةً} وذلك إذا بلغتم الحلم أو تعلق بأبدانكم الروح. {ثُمَّ جَعَلَ من بَعْد قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} إذا أخذ منكم السن، وفتح عاصم وحمزة الضاد في جميعها والضم أقوى لقول ابن عمر رضي الله عنهما: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم {من ضعف} فأقرأني {من ضُعف} وهما لغتان كالفقر والفُقر والتنكير مع التكرير لأن المتأخر ليس عين المتقدم. {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من ضعف وقوة وشبيبة وشيبة. {وَهُوَ العليم القدير} فإن الترديد في الأحوال المختلفة مع إمكان غيره دليل العلم والقدرة.
{وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة} القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وصارت علمًا بها بالغلبة كالكوكب للزهرة. {يُقْسمُ المجرمون مَا لَبثُوا} في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا والبعث وانقطاع عذابهم، وفي الحديث «ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون» وهو محتمل الساعات والأيام والأعوام. {غَيْرَ سَاعَةٍ} استقلوا مدة لبثهم إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسيانًا. {كذلك} مثل ذلك الصرف عن الصدق والتحقيق. {كَانُوا يُؤْفَكُونَ} يصرفون في الدنيا.
{وَقَالَ الذين أُوتُوا العلم والإيمان} من الملائكة والإنسَ. {لَقَدْ لَبثْتُمْ في كتاب الله} في علمه أو قضائه، أو ما كتبه لكم أي أوجبه أو اللوح أو القرآن وهو قوله: {وَمن وَرَائهمْ بَرْزَخٌ}. {إلى يَوْم البعث} ردوا بذلك ما قالوه وحلفوا عليه. {فهذا يَوْمُ البعث} الذي أنكرتموه. {ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أنه حق لتفريطكم في النظر، والفاء لجواب شرط محذوف تقديره: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه، أي فقد تبين بطلان إنكاركم.
{فَيَوْمَئذٍ لاَّ تنفَعُ الذين ظَلَمُوا مَعْذرَتُهُمْ} وقرأ الكوفيون بالياء لأن المعذرة بمعنى العذر، أو لأن تأنيثها غير حقيقي وقد فصل بينهما. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم أي إزالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إليه في الدنيا من قولهم استعتبني فلان فأعتبته أي استرضاني فأرضيته.
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا للنَّاس في هذا القرءان من كُلّ مَثَلٍ} ولقد وصفناهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة كالأمثال، مثل صفة المبعوثين يوم القيامة فيما يقولون وما يقال لهم وما لا يكون من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب، أو بينا لهم من كل مثل ينبههم على التوحيد والبعث وصدق الرسول. {وَلَئن جئْتَهُمْ بئَايَةٍ} من آيات القرآن. {لَّيَقُولَنَّ الذين كَفَرُوا} من فرط عنادهم وقساوة قلوبهم. {إنْ أَنتُمْ} يعنون الرسول والمؤمنين. {إلاَّ مُبْطلُونَ} مزورون.
{كذلك} مثل ذلك الطبع. {يَطْبَعُ الله على قُلُوب الذين لاَ يَعْلَمُونَ} لا يطلبون العلم ويصرون على خرافات اعتقدوها فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب المحق.
{فاصبر} على أذاهم. {إنَّ وَعْدَ الله} بنصرتك وإظهار دينك على الدين كله. {حَقّ} لابد من إنجازه. {وَلاَ يَسْتَخفَّنَّكَ} ولا يحملنك على الخفة والقلق. {الذين لاَ يُوقنُونَ} بتكذيبهم وإيذائهم فإنهم شاكون ضالون لا يستبدع منهم ذلك. وعن يعقوب بتخفيف النون، وقرىء {ولا يستحقنك} أي لا يزيغنك فيكونوا أحق بك مع المؤمنين. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك سبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما ضيع في يومه وليلته». اهـ.

.قال الإمام نظام الدين النيسابوري:

{وَإذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنيبينَ إلَيْه ثُمَّ إذَا أَذَاقَهُمْ منْهُ رَحْمَةً إذَا فَريقٌ منْهُمْ برَبّهمْ يُشْركُونَ (33)}.
التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء. وإنما قال: {إذا فريق منهم} ولم يقل {إذا هم يشركون} كما قال في آخر العنكبوت، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك. ثم استفهم على سبيل الإنكار قائلًا {أم أنزلنا} كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟ وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.
وما في قوله: {بما كانوا} مصدرية والضمير في {به} لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه {يشركون} وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك. وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله. والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم. والقنوط من رحمة الله أيضًا مذموم كما مر في قوله: {إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون} [يوسف: 87] ثم اشار بقوله: {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء} إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله. ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال: {إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون} ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال: {أولم يروا} وقال في الزمر {أولم يعلموا} [الآية: 52] مناسبة لما قبله وهو {أوتيته على علم} [القصص: 78] وقوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلًا {فآت ذا القربى حقه} الآية. وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلًا {فآت} أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله: {فأقم وجهك} [الروم: 30] وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان. وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف. وإنما قال: {ذا القربى} ولم يقل القريب ليكون نصًا في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل. وفي قوله: {فآت ذا القربى حقه} دون أن يقول فآت هذه الأصناف حقوقهم تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعًا لهم على الإطلاق. فإنه إذا قال الملك: خل فلانًا يدخل وفلانًا أيضًا كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلانًا وفلانًا يدخلان {ذلك} الإيتاء {خير} في نفسه أو خير من المنع {للذين يريدون وجه الله} أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفًا رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفًا لوجه الله {وأولئك هم المفلحون} كقوله في أول البقرة لأن قوله: {فأقم وجهك} [الروم: 30] إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله: {وآت ذا القربى} أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة. وفي قوله: {يريدون وجه الله} إشارة إلى الاعتراف بالمعاد. ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطرادًا.
فمن قرأ ممدودًا فظاهر، ومن قرأ مقصورًا فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم {فلا يربو} فلا يزكو ولا ينمو {عند الله} لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة {يمحق الله الربا ويربى الصدقات} [الآية: 276] قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون. وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله تعالى أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحًا. وفي الحديث الجانب المستغزر يثاب عن هبته أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئًا فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه. قال جار الله: في قوله: {فأولئك} التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول فأنتم المضعفون أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به. وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون. قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفًا فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصرًا في الجنة فإن الله تعالى يعطيه عشرة قصور تفضلًا.
ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظرًا إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله: {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} قال جار الله: {من} الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم. قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضًا. ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء. وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحارًا {لنذيقهم} وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض برًا وبحرًا بكسب الناس.
وعلى هذا فاللام في قوله: {لنذيقهم} لام العاقبة. ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود {كان أكثرهم مشركين} فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظًا عليهم. أو هو كقوله: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم. خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله: {فأقم} كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل {فاقم وجهك للدين} البليغ الاستقامة {من قبل أن يأتي} من الله {يوم} لا يرده راد. ويجوز أن يتعلق قوله: {من الله} بقوله: {لا مردّ} أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلًا {يومئذ يصدّعون} أي يتصدعون والتصدع التفرق. ثم بين وجه تفرق الناس بقوله: {من كفر فعليه كفره} اي وبال كفره عليه لا على غيره {ومن عمل صالحًا} أي آمن وعمل صالحًا لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإيمان، على أن الإيمان، أيضًا عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ومعنى {يمهدون} يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله ن يراد فعلى أنفسهم يشففقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت. وذلك أن الإشفاق يلزمه التمهيد عرفًا وعادة. ثم بين غاية التمهيد بقوله: {ليجزي} وقوله: {من فضله} عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب. وفي قوله: {إنه لا يحب الكافرين} وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك. قال جار الله:
تكرير الذين آمنوا وعملوا الصلاحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح. وقوله: {إنه لا يحب الكافرين} تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس. قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولًا ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولًا أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر. أو أراد أن قوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله: {إنه لا يحب الكافرين} دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.
فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر. وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله: {ومن آياته أن يرسل الرياح} ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سببًا ويذكر لأضراره سببًا. ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جدًا لا تهب إلا حينًا، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحًا واحدًا أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحًا اعتدلت ونفعت. قوله: {مبشرات} أي بالمطر كقوله: {بشرًا بين يدي رحمته} [الأعراف: 57] وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.
وقوله: {وليذيقكم} إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها. وفي قوله: {بأمره} إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام. وفي قوله: {ولتبتغوا من فضله} دلالة على أن ركوب البحر لأجله التجارة جائز. وفي قوله: {ولعلكم تشكرون} إشارة إلى أن نعم الله تعالى يجب أن تقابل بالشكر. وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله: {ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون} تشريفًا لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {ولقد ارسلنا} واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء. وفي قوله: {حقًا علينا} تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء. ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفًا اي قطعًا. وقوله: {فترى الودق} أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور. ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله: {من قبله} مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم. وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس. ثم صرح بالمقصود قائلًا {إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء} من الإبداء والإعادة {قدير}.