فصل: من أقوال المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ولما كان المجرم إذا علم أن له عند الملك من يدفع عنه فتر ذلك من خوفه، وكان ما بين الوالد والولد من الحنو والشفقة والعطف والرحمة الداعية إلى المحاماة والنصرة والفداء بالنفس والمال أعظم مما بين غيرهما، فإذا انتفى إغناء أحدهما عن الآخر انتفى غيرهما بطريق الأولى قال: {لا يجزي} أي يغني فيه، ولعله حذف الصلة إشارة إلى أن هذا الحال لهم دائمًا إلا أنه سبحانه أقام في هذه الدار أسبابًا ستر قدرته بها، فصار الجاهل يحيل الأمر ويسنده إليها، وأما هناك فتزول الأسباب، وينجلي غمام الارتياب، ويظهر اختصاص العظمة برب الأرباب.
ولما كانت شفقة الوالد- مع شمولها لجميع أيام حياته- أعظم فهو يؤثر حياة ولده على حياته ويؤثر أن يحمل بنفسه الآلام والأموال بدأ به فقال: {والد} كائنًا من كان {عن ولده} أي لا يوجد منه ولا يتجدد في وقت من الأوقات نوع من أنواع الجزاء وإن تحقق أن الولد منه، والتعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا يزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد، وتجدد عنده العطف والرقة، والمفعول إما محذوف لأنه أشد في النفي وآكد، وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده.
ولما كان الولد لا يتوقع منه الإغناء عن والده في الهزاهز إلا بعد بلوغه، أخره في عبارة دالة على ثبات السلب العام فقال: {ولا مولود} أي مولود كان {هو جاز عن والده} وإن علم أنه بعضه {شيئًا} من الجزاء، وفي التعبير بهو إشعار بأن المنفي نفعه بنفسه، ففيه ترجية بأن الله قد يأذن له في نفعه إذا وجد الشرط، وعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من شأنه أن يكون ذلك له ديدنًا لما لأبيه عليه من الحقوق، والفعل يطلق على من ليس من شأنه الاتصاف بمأخذ اشتقاقه، فعبر به في الأب لأنه لاحق للولد عليه يوجب عليه ملازمة الدفع عنه، ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ينفك عنه، وذلك كما أن الملك لو خاط صح أن يقول في تلك الحال: أنه يخيط، ولا يصح خياط لأن ذلك ليس من صنعته، ولا من شأنه.
ولما كان من المعلوم أن لسان حالهم يقول: هل هذا اليوم كائن حقًا؟ أجيب هذا السؤال بقوله مؤكدًا لمكان إنكارهم، لأفتًا القول إلى الاسم الأعظم لاقتضاء الوفاء له: {إن وعد الله} الذي له جميع معاقد العز والجلال {حق} يعني أنه سبحانه قد وعد به على جلال جلاله، وعظيم قدرته وكماله، فكيف يجوز أن يقع في وهم فضلًا عن أوهامكم أن يخلفه مع أن أدناكم- أيها العرب كافة- لا يرى أن يخلف وعده وإن ارتكب في ذلك الأخطار، وعانى فيه الشدائد الكبار، فلما ثبت أمره، وكان حبهم لسجن هذا الكون المشهود ينسيهم ذلك اليوم، لما جعل سبحانه في هذا الكون من المستلذات، تسبب عنه قوله: {فلا تغرنكم} مؤكدًا لعظم الخطب {الحياة الدنيا} أي بزخرفها، ولا ما يبهج من لا تأمل له من فاني رونقها، وكرر الفعل والتأكيد إشارة إلى أن ما لهم من الألف بالحاضر مُعم لهم عما فيه من الزور، والخداع الظاهر والغرور، فقال مظهرًا غير مضمر لأجل زيادةً التنبيه والتحذير: {ولا يغرنكم بالله} الذي لا أعظم منه ولا مكافئ له مع ولايته لكم {الغرور} أي الكثير الغرور المبالغ فيه، وهو الشيطان الذي لا أحقر منه، لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها، ويلهيكم به من تعظيم قدرها، وينسيكموه من كيدها وغدرها، وتعبها وشرها، وأذاها وضرها، فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم، فلا تعدونه معادًا، فلا تتخذون له زادًا، لما اقترن بغروره من حلم الله وإمهاله، قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: الغرة أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة.
ولما كان من الأمر الواضح أن لسان حالهم بعد السؤال عن تحقق ذلك اليوم يسأل عن وقته كما مضى في غير آية، ويأتي في آخر التي بعدها، إنا تعنتًا واستهزاء وإما حقيقة، أجاب عن ذلك ضامًا إليه أخواته من مفاتيح الغيب المذكورة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي، لما في ذلك من الحكمة التي سقيت لها السورة، مرتبًا لها على الأبعد فالأبعد عن علم الخلق، فقال مؤكدًا لما يعتقدون في كهانهم مظهرًا الاسم الأعظم غير مضمر لشدة اقتضاء المقام له: {إن الله} أي بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال {عنده} أي خاصة، ولو قيل له مثلًا ما أفاد الحضور، ولو قيل لديه لأوهم التعبير بلدي التي هي للحضور أن ذلك كناية عن قربها جدًا، وأوهم أن علمه تعالى يتفاوت تعلقه بالأشياء بخصوص أو عموم لأجل أن لدى أخص من عند فكانت عند أوفق للمراد، فإنها أفادت التمكن من العلم مع احتمال تأخرها وسلمت من تطرق احتمال فاسد إليها {علم الساعة} أي وقت قيامها، لا علم لغيره بذلك أصلًا.
ولما كان سبحانه قد نصب عليها أمارات توجب ظنونًا في قربها، وكشف بعض أمرها، عبر تعالى بالعلم، ولما كانوا قد ألحوا في السؤال عن وقتها، وكانت أبعد الخمس عن علم الخلق، وكانت شيئًا واحدًا لا يتجزى {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13] أبرزها سبحانه في جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت على طريق الحصر، وهذا هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب ينفتح به من العلوم ما يجل عن الحصر عن قيام الأنفس بأبدانها، ماثلة على مذاقها بجميع أركانها، وأشكالها وألوانها، وسائر شأنها، وطيران الأرواح بالنفخ إليها واحتوائها عليها على اختلاف أنواعهم، وتغاير صورهم وأطوالهم، وتباين ألسنتهم وأعمالهم، إلى غير ذلك من الأمور، وعجائب المقدور، ثم سعيهم إلى الموقف ثم وقوفهم، ثم حسابهم إلى استقرار الفريقين في الدارين، هذا إلى موجهم من شدة الزحام، والكروب العظام بعضًا في بعض.
يطلبون من يشفع لهم في الحساب حتى يقوم المصطفى صلى الله عليه وسلم المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون إلى انتقاض السماوات، وانكدار ما فيها من النيرات، ونزول الملائكة بعد قيامهم من منامهم، وهم من لا يحصى أهل سماء منهم، كثرة، كيف وقد أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي هذا إلى تبدل الأراضي وزوال الجبال، ونسف الأبنية والروابي والتلال، وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه.
{المفتاح الثاني} آية الله في خلقه على قيام الساعة، وأدل الأدلة عليه وهو إنزال المطر الذي يكشف عن الاختلاط في أعماق الأراضي بالتراب الذي كان نباتًا ثم إعادته نبتًا كما كان من قبل على اختلاف ألوانه، ومقاديره وأشكاله، وأغصانه وأفنانه، وروائحه وطعومه، ومنافعه وطبائعه- إلى غير ذلك من شؤونه، وأحواله وفنونه، التي لا يحيط بها علمًا إلا خالقها ومبدعها وصانعها.
ولما كانوا ينسبون الغيث إلى الأنواء أسند الإنزال إليه سبحانه ليفيد الامتنان، وعبر بالجملة الفعلية للدلالة على التجدد فقال: {وينزل الغيث} بلام الاستغراق القائمة مقام التسوير بكل وقد أفاد ذلك الاختصاص بالعلم بوقته ومكانه ومقداره وغير ذلك من شؤونه، فإن من فعل شيئًا حقيقة لم يعلم أحد وقت فعله وقوعه إلا من قبله.
{المفتاح الثالث} علم الأجنة وهو الرتبة الثانية في الدلالة على البعث الكاشف عن تخطيطها وتصويرها، وتشكيلها وتقديرها، على وصفي الذكورة والأنوثة، مع الوضوح أو الإشكال، والوحدة أو الكثرة، والتمام أو النقص- إلى ما هناك من اختلاف المقادير والطبائع، والأخلاق والشمائل، والأكساب والصنائع، والتقلبات في مقدار العمر والرزق في الأوقات والأماكن- وغير ذلك من الأحوال التي لا يحصيها إلا بارئ النسم، ومحيي الرمم.
ولما كانت للخلق في ذلك لكثرة الملابسات والمعالجات ظنون في وجود الحمل أولًا، ثم في كونه ذكرًا أو أنثى ثانيًا، ونحو ذلك بما ضرب عليه من الأمارات الناشئة عن طول التجارب، وكثرة الممارسة، عبر العلم فقال: {ويعلم ما في الأرحام} من ذكر أو أنثى حي أو ميت وغير ذلك، وصيغة المضارع لتجدد الأجنحة شيئًا فشيئًا وقتًا بعد وقت، والكلام في اللام والاختصاص بالعلم كالذي قبله سواء.
{المفتاح الرابع} الكسب الناشئ عما في الأرحام الفاتح لكنوز السعادة وآفات الشقاوة والمسفر عن حقائق الضمائر في صدقها عند البلاء وكذبها، وعن مقادير العزائم ورتب الغرائز، وعن أحوال الناس عند ذلك في الصداقة والعداوة والذكاء والغباوة والصفاء والكدر والسلامة والحيل، وغير ذلك من الصحة والعلل، في اختلاف الأمور، وعجائب المقدور، في الخيور والشرور، مما لا يحيط به إلا مبدعه، وغارزه في عباده وودعه، ولكون الإنسان- مع أنه ألصق الأشياء وألزمه له- لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته، عبر فيه بالدراية لأنها تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي- كما تقدم في سورة يوسف عليه السلام- أن مادة درى تدور على الدوران، ومن لوازمه إعمال الحيلة وإمعان النظر، فهي أخص من مطلق العلم فقال: {وما تدري نفس} أي من الأنفس البشرية وغيرها {ما} وأكد المعنى ب ذا وتجريد الفعل فقال: {ذا تكسب غدًا} أي في المستقبل من خير أو شر بوجه من الوجوه، وفي نفي علم ذلك من العبد مع كونه ألصق الأشياء به دليل ظاهر على نفي علم ما قبله عنه لأنه أخفى منه، وقد تقدم إثبات علمه له سبحانه وتعالى، فصار على طريق الحصر، وعلم أيضًا أنه لا يسند إلى العبد الأعلى طريق الكسب لأنه لو كان مخلوقًا له لعلمه قطعًا، فثبت أنه سبحانه وتعالى خالقه، فعلم اختصاصه بعلمه من هذا الوجه أيضًا.
{المفتاح الخامس} مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي وطي سجل الأثر الشهودي، وابتداء الأمر الأخروي الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح وخسران، وعز وهوان، وما للروح من الاتصال بالجسد والرتبة في العلو والسفول، والصعود والنزول، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم تفاصيله وجمله وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه.
ولما كان لا يعلمه الإنسان بنوع حيلة من شدة حذره منه وحبه لو أنفق جميع ما يمكله لكي يعلمه، عبر عنه عن الذي قبله فقال مؤكدًا بإعادة النافي والمسند: {وما تدري} وأظهر لأنه أوضح وأليق بالتعميم فقال: {نفس} أي من البشر وغيره {بأيّ أرض تموت} ولم يقل: بأي وقت، لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإحاطة العلم بكراهة كل أحد للموت، فكان ذلك أدل دليل على جهله بموضوع موته إذ علم به لبعد عنه ولم يقرب منه، وقد روى البخاري حديث المفاتيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ: {إن الله عنده علم الساعة} الآية» وله عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث سؤال جبرئيل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن أشراط الساعة فأخبره ببعضها وقال: «خمس لا يعلمهن إلا الله {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب}» إلى آخر السورة، فقد دل الحديث قطعًا على أن الآية فيما ينفرد سبحانه وتعالى بعلمه، وقد رتبها سبحانه هذا الترتيب لما تقدم من الحكمة وعلم سر إتيانه بها تارة في جملة اسمية وتارة في فعلية، وتارة ليس فيها ذكر للعلم، وأخرى يذكر فيها، ويسند إليه سبحانه، ولكن لا على وجه الحصر، وتارة بنفي العلم من غيره فقط من غير إسناد للفعل إليه، وعلم سر قوله: {بأيّ أرض} دون أيّ وقت، كما في بعض طرق الحديث.
ولما كان قد أثبت سبحانه لنفسه اختصاص العلم عن الخلق بهذه الأشياء، أثبت بعدها ما هو أعلم لتدخل فيه ضمنًا فيصير مخبرًا بعلمه لها مرتين، فقال على وجه التأكيد لأنهم ينكرون بعض ما يخبر به، وذلك يستلزم إنكارهم لبعض علمه: {إنّ الله} أي المختص بأوصاف الكمال والعظمة والكبرياء والجلال {عليم} أي شامل العلم للأمور كلها، كلياتها وجزئياتها، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه على الغير في هذه الخمس تارة نصًا وأخرى بطريق الأولى أو باللازم، فانطبق الدليل على الدعوى- والله الموفق.
ولما أثبت العلم على هذا الوجه، أكده لأجل ما سيقت له السورة بقوله: {خبير} أي يعلم خبايا الأمور، وخفايا الصدور، كما يعلم ظواهرها وجلاياها، كل عنده على حد سواء، فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك أخفى هذه المفاتيح عن عباده، لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم، باختلاف هذا النظام، على ما فيه من الإحكام، فقد انطبق آخر السورة- بإثباته الحكمة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة- على أولها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها، وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه لاسيما الإيقان بالآخرة، كان حكيمًا خبيرًا عليمًا مهذبًا مهديًا مقربًا عليًا، فسبحانه من هذا كلامه، وتعالى كبرياؤه وعز مرامه، ولا إله غيره وهو اللطيف. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزي وَالدٌ عَنْ وَلَده}.
لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى لأنه تعالى لما كان واحدًا أوجب التقوى البالغة فإن من يعلم أن الأمر بيد اثنين لا يخاف أحدهما مثل ما يخاف لو كان الأمر بيد أحدهما لا غير، ثم أكد الخوف بذكر اليوم الذي يحكم الله فيه بين العباد، وذلك لأن الملك إذا كان واحدًا ويعهد منه أنه لا يعلم شيئًا ولا يستعرض عباده، لا يخاف منه مثل ما يخاف إذا علم أن له يوم استعراض واستكشاف، ثم أكده بقوله: {لاَّ يَجْزى وَالدٌ عَن وَلَده} وذلك لأن المجرم إذا علم أن له عند الملك من يتكلم في حقه ويقضي ما يخرج عليه برفد من كسبه لا يخاف مثل ما يخاف إذا علم أنه ليس له من يقضي عنه ما يخرج عليه، ثم ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليستدل بالأدنى على الأعلى، وذكر الولد والوالد جميعًا فيه لطيفة، وهي أن من الأمور ما يبادر الأب إلى التحمل عن الولد كدفع المال وتحمل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد، ومنها ما يبادر الولد إلى تحمله عن الوالد ولا يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد كالإهانة، فإن من يريد إحضار والد أحد عند وال أو قاض يهون على الإبن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله، فإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الإيلام عن ابنه ويتحمله هو بنفسه فقوله: {لاَّ يَجْزى وَالدٌ عَن وَلَده} في دفع الآلام {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالده شَيْئًا} في دفع الاهانة، وفي قوله: {لاَّ يَجْزى} وقوله: {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ} لطيفة أخرى وهي أنا ذكرنا أن الفعل يتأتى وإن كان ممن لا ينبغي ولا يكون من شأنه لأن الملك إذا كان يخيط شيئًا يقال إنه يخيط ولا يقال هو خياط، وكذلك من يحيك شيئًا ولا يكون ذلك صنعته يقال هو يحيك ولا يقال هو حائك، إذا علمت هذا فنقول الابن من شأنه أن يكون جازيًا عن والده لما له عليه من الحقوق والوالد يجزي لما فيه من الشفقة وليس بواجب عليه ذلك فقال في الوالد لا يجزي وقال في الولد {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ}.
ثم قال تعالى: {إنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} وهو يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون تحقيقًا لليوم يعني اخشوا يومًا هذا شأنه وهو كائن لوعد الله به ووعده حق والثاني: أن يكون تحقيقًا لعدم الجزاء يعني: {لاَّ يَجْزى وَالدٌ عَن وَلَده} لأن الله وعد بألا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق، فلا يجزي والأول أحسن وأظهر.
ثم قال تعالى: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا} يعني إذا كان الأمر كذلك فلا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع ذلك اليوم المذكور بالوعد الحق.
ثم قال تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور} يعني الدنيا لا ينبغي أن تغركم بنفسها ولا ينبغي أن تغتروا بها وإن حملكم على محبتها غار من نفس أمارة أو شيطان فكان الناس على أقسام منهم من تدعوه الدنيا إلى نفسها فيميل إليها ومنهم من يوسوس في صدره الشيطان ويزين في عينه الدنيا ويؤمله ويقول إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فتجتمع لك الدنيا والآخرة، فنهاهم عن الأمرين وقال كونوا قسما ثالثًا، وهم الذين لا يلتفتون إلى الدنيا ولا إلى من يحسن الدنيا في الأعين.
{إنَّ اللَّهَ عنْدَهُ علْمُ السَّاعَة وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا في الْأَرْحَام}.
يقول بعض المفسرين إن الله تعالى نفى علم أمور خمسة بهذه الآية عن غيره وهو كذلك لكن المقصود ليس ذلك، لأن الله يعلم الجوهر الفرد الذي كان في كثيب رمل في زمان الطوفان ونقله الريح من المشرق إلى المغرب كم مرة، ويعلم أنه أين هو ولا يعلمه غيره، ولأن يعلم أنه يوجد بعد هذه السنين ذرة في برية لا يسلكها أحد ولا يعلمه غيره، فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنما الحق فيه أن نقول لما قال الله: {اخشوا يَوْمًا لاَّ يَجْزى وَالدٌ عَن وَلَده} وذكر أنه كائن بقوله: {إنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} كأن قائلًا قال فمتى يكون هذا اليوم فأجيب بأن هذا العلم ما لم يحصل لغير الله ولكن هو كائن، ثم ذكر الدليلين الذين ذكرناهما مرارًا على البعث أحدهما: إحياء الأرض بعد موتها كما قال تعالى: {وَإن كَانُوا من قَبْل أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهمْ مّن قَلْبَهُ لَمُبْلسينَ فانظر إلى ءاثار رَحْمَة الله كَيْفَ يُحْى الأرض بَعْدَ مَوْتهَا إنَّ ذَلكَ لَمُحْى الموتى} [الروم: 49، 50] وقال تعالى: {وَيُحْى الأرض بَعْدَ مَوْتهَا وَكَذَلكَ تُخْرَجُونَ} [الروم: 19] وقال هاهنا يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله قادر عليها كما هو قادر على إحياء الأرض حيث قال: {وَهُوَ الذي يُنَزّلُ الغيث} [الشورى: 28] وقال: {ويحيي الأرض} [الروم: 19] وثانيهما: الخلق ابتداء كما قال: {وَهُوَ الذي الله الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ} [الروم: 27] وقال تعالى: {قُلْ سيرُوا في الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله يُنشىء النشأة الأخرة} [العنكبوت: 20] إلى غير ذلك فقال هاهنا {وَيَعْلَمُ مَا في الأرحام} إشارة إلى أن الساعة وإن كنت لا تعلمها لكنها كائنة والله قادر عليها، وكما هو قادر على الخلق في الأرحام كذلك يقدر على الخلق من الرخام، ثم قال لذلك الطالب علمه: يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها، فلك أشياء أهم منها لا تعلمها، فإنك لا تعلم معاشك ومعادك، ولا تعلم ماذا تكسب غدًا مع أنه فعلك وزمانك، ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك، فكيف تعلم قيام الساعة متى تكون، فالله ما أعلمك كسب غدك مع أن لك فيه فوائد تبنى عليها الأمور من يومك، ولا أعلمك أين تموت مع أن لك فيه أغراضًا تهيىء أمورك بسبب ذلك العلم وإنما لم يعلمك لكي تكون في وقت بسبب الرزق راجعًا إلى الله تعالى متوكلًا على الله ولا أعلمك الأرض التي تموت فيها كي لا تأمن الموت وأنت في غيرها، فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه، وهي الساعة، وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون، وقد أعلمك الله على لسان أنبيائه.
ثم قال تعالى: {إنَّ الله عَلَيمٌ خَبيرٌ} لما خصص أولا علمه بالأشياء المذكورة، بقوله: {إنَّ الله عندَهُ علْمُ الساعة} ذكر أن علمه غير مختص بها، بل هو عليم مطلقًا بكل شيء، وليس علمه علمًا بظاهر الأشياء فحسب، بل خبير علمه واصل إلى بواطن الأشياء، والله أعلم بالصواب. اهـ.