فصل: تفسير الآيات (26- 30):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.تفسير الآيات (26- 30):

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْد لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا منْ قَبْلهمْ منَ الْقُرُون يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ إنَّ في ذَلكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إلَى الْأَرْض الْجُرُز فَنُخْرجُ به زَرْعًا تَأْكُلُ منْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْح لَا يَنْفَعُ الَّذينَ كَفَرُوا إيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرضْ عَنْهُمْ وَانْتَظرْ إنَّهُمْ مُنْتَظرُونَ (30)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان قد تقدم عن الكفار في هذه السورة قولان: أحدهما في التكذيب بالقرآن، والثاني في إنكار البعث، ودل سبحانه على فسادهما إلى أن ختم بذكر الآيات والبعث والفصل بين المحق والمبطل، أتبعه استفهامين إنكاريين منشورين على القولين وختمت آية كل منهما بآخر، فتصير الاستفهامات أربعة، وفي مدخول الأول الفصل بين الفريقين في الدنيا، فقال مهددًا: {أو لم} أي أيقولون عنادًا لرسولنا: أفتراه ولم {يهد} أي يبين- كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما {لهم كم أهلكنا} أي كثرة من أهلكناه.
ولما كان قرب شيء في الزمان أو المكان أدل، بين قربهم بإدخال الجار فقال: {من قبلهم} أي لأجل معاندة الرسل {من القرون} الماضين من المعرضين عن الآيات، ونجينا من آمن بها، وربما كان قرب المكان منزلًا قرب الزمان لكثرة التذكير بالآثار، والتردد خلال الديار.
ولما كان انهماكهم في الدنيا الزائلة قد شغلهم عن التفكر فيما ينفعهم عن المواعظ بالأفعال والأقوال، أشار إلى ذلك بتصوير اطلاعهم على ما لهم من الأحوال، بقوله: {يمشون} أي أنهم ليسوا بأهل للتفكر إلا حال المشي {في مساكنهم} لشدة ارتباطهم مع المحسوسات، وذلك كمساكن عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم.
ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة، قال منبهًا عليه مؤكدًا تنبيهًا على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآيات} أي دلالات ظاهرات جدًا، مرئيات في الديار وغيرها من الآثار، ومسموعات في الأخبار.
ولما كان السماع هو الركن الأعظم، وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم بالسماع، قال منكرًا: {أفلا يسمعون} أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت له في الرجوع عن الغيّ إلى غير سماعها، فإن لم يرجع فهو ممن لا سمع له {أو لم} أي أيقولون في إنكار البعث: إذا ضللنا في الأرض، ولم {يروا أنا} بما لنا من العظمة {نسوق الماء} من السماء أو الأرض {إلى الأرض الجرز} أي التي جرز نباتها أي قطع باليبس والتهشم، أي بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبت فيها، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنها التي لا تمطر إلا مطرًا لا يغني عنها شيئًا، قالوا: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جزر، ويدل عليه قوله: {فنخرج به} من أعماق الأرض {زرعًا} أي نبتًا لا ساق له باختلاط الماء بالتراب الذي كان زرعًا قبل هذا، وأشار إلى أنه حقيقة، لا مرية فيه، وليس هو بتخييل كما تفعل السحرة، بقوله مذكرًا بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد: {تأكل منه} أي من حبه وورقه وتبنه وحشيشه {أنعامهم} وقدمها لموقع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم، ولأن السياق لمطلق إخراج الرزع، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام بخلاف ما في سورة عبس، فإن السياق لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} [عبس: 24] ثم قال: {فأنبتنا فيها حبًا} [عبس: 27] وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام {وأنفسهم} أي من حبه، وأصله إذا كان بقلًا.
ولما كانت هذه الآية مبصرة، وكانت في وضوحها في الدلالة على البعث لا يحتاج الجاهل به في الإقرار سوى رؤيتها قل: {أفلا يبصرون} إشارة إلى أن من رآها وتبه على ما فيها من الدلالة وأصر على الإنكار لا بصر له ولا بصيرة.
ولما كانت هذه الآية أدل دليل- كما مضى- على البعث، وكان يومًا يظهر فيه عز الأولياء وذل الأعداء، أتبعها قوله تعجيبًا منهم عطفًا على {يقولون افتراه} ونحوها: {ويقولون} أي مع هذا البيان الذي لا لبس معه استهزاء: {متى هذا الفتح} أي النصر والقضاء والفصل الذي يفتح المنغلق يوم الحشر {إن كنتم} أي كونًا راسخًا {صادقين} أي عريقين في الصدق بالإخبار بأنه لابد من كونه لنؤمن إذا رأيناه.
ولما أسفر حالهم بهذا السؤال الذي محصله الاستعجال على وجه الاستهزاء عن أنهم لا يزدادون مع البيان إلا عنادًا، أمرهم بجواب فيه أبلغ تهديد، فقال فاعلًا فعل القادر في الإعراض عن إجابتهم عن تعيين اليوم إلى ذكر حاله: {قل} أي لهؤلاء اللد الجهلة: {يوم الفتح} أي الذي يستهزئون به، وهو يوم القيامة- تبادرون إلى الإيمان بعد الانسلاخ مما أنتم فيه من الشماخة والكبر، فلا ينفعكم بعد العيان وهو معنى {لا} ينفعكم- هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الوصف تعميمًا وتعليقًا للحكم به فقال: {ينفع الذين كفروا} أي غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف {إيمانهم} لأنه ليس إيمانًا بالغيب، ولكنه ساقه هكذا سوق ما هو معلوم {ولا هم ينظرون} أي يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منظر ما.
ولما كانت نتيجة سماعهم لهذه الأدلة استهزاءهم حتى بسؤالهم عن يوم الفتح، وأجابهم سبحانه عن تعيينه بذكر حاله، وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على نفعهم ربما أحب إعلامهم بما طلبوا وإن كان يعلم أن ذلك منهم استهزاء رجاء أن ينفعهم نفعًا ما، سبب سبحانه عن إعراضه عن إجابتهم، أمره لهذا الداعي الرفيق والهادي الشفيق بالإعراض عنهم أيضًا، فقال مسليًا له مهددًا لهم: {فأعرض عنهم} أي غير مبال بهم وإن اشتد أذاهم {وانتظر} أي ما نفعل بهم مما فيه إظهار أمرك وإعلاء دينك، ولما كان الحال مقتضيًا لتردد السامع في حالهم هل هو الانتظار، أجيب على سبيل التأكيد بقوله: {إنهم منتظرون} أي ما يفعل بك وما يكون من عاقبة أمرك فيما تتوعدهم به وفي غيره، وقد انطبق آخرها على أولها بالإنذار بهذا الكتاب، وأعلم بجلالته وجزالته وشدته وشجاعته أنه ليس فيه نوع ارتياب، وأيضًا فأولها في التذكيب بتنزيله، وآخرها في الاستهزاء بتأويله، {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل} [الأعراف: 53]- الآية، وأيضًا فالأول في التكذيب بإنزال الروح المعنوي، والآخر في التكذيب بإعادة الروح العيني الحسي الذي ابتدأه أول مرة والله الهادي إلى الصواب. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد، فقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَهْد لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا من قَبْلهمْ} وقوله: {يَمْشُونَ في مساكنهم} زيادة إبانة، أي مساكن المهلكين دالة على حالهم وأنتم تمشون فيها وتبصرونها، وقوله تعالى: {إنَّ في ذَلكَ لأَيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} اعتبر فيه السمع، لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم، فقال أفلا يسمعون، يعني ليس لهم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ويفهمه.
قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الماء إلَى الأرض الجرز}.
لما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضر والنفع بيد الله، والجرز الأرض اليابسة التي لا نبات فيها والجرز هو القطع وكأنها المقطوع عنها الماء والنبات.
ثم قال تعالى: {فَنُخْرجُ به زَرْعًا تَأْكُلُ منْهُ أنعامهم وَأَنفُسُهُمْ} قدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه أحدها: أن الزرع أول ما ينبت يصلح للدواب ولا يصلح للإنسان والثاني: وهو أن الزرع غذاء الدواب وهو لابد منه.
وأما غذاء الإنسان فقد يحصل من الحيوان، فكأن الحيوان يأكل الزرع، ثم الإنسان يأكل من الحيوان الثالث: إشارة إلى أن الأكل من ذوات الدواب والإنسان يأكل بحيوانيته أو بما فيه من القوة العقلية فكماله بالعبادة.
ثم قال تعالى: {أَفَلاَ يُبْصرُونَ} لأن الأمر يرى بخلاف حال الماضين، فإنها كانت مسموعة، ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إن كُنتُمْ صادقين} إلى آخر السورة، فصار ترتيب آخر السورة كترتيب أولها حيث ذكر الرسالة في أولها بقوله: {لتُنذرَ قَوْمًا} [السجدة: 3] وفي آخرها بقوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب} [السجدة: 23] وذكر التوحيد بقوله: {الذى خَلَقَ السموات والأرض} [السجدة: 4] وقوله: {الذى أَحْسَنَ كُلَّ شيء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان من طينٍ} [السجدة: 7] وفي آخر السورة ذكره بقوله: {أَوَ لَمْ يَهْد لَهُمْ} [السجدة: 26] وقوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ} وذكر الحشر في أولها بقوله: {وَقَالُوا أَءذَا ضَلَلْنَا في الأرض} [السجدة: 10] وفي آخرها بقوله: {وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح}.
قوله تعالى: {قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُوا إيمانهم وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يقبل إيمانهم في تلك الحالة، لأن الإيمان المقبول هو الذي يكون في دار الدنيا، ولا ينظرون، أي لا يمهلون بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا فيقبل إيمانهم، ثم لما بين المسائل وأتقن الدلائل ولم ينفعهم.
قال تعالى: {فَأَعْرضْ عَنْهُمْ} أي لا تناظرهم بعد ذلك وإنما الطريق بعد هذا القتال.
وقوله: {وانتظر إنَّهُمْ مُّنتَظرُونَ} يحتمل وجوهًا أحدها: وانتظر هلاكهم فإنهم ينتظرون هلاكك، وعلى هذا فرق بين الانتظارين، لأن انتظار النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى بعد وعده وانتظارهم بتسويل أنفسهم والتعويل على الشيطان وثانيها: وانتظر النصر من الله فإنهم ينتظرون النصر من آلهتهم وفرق بين الانتظارين وثالثها: وانتظر عذابهم بنفسك فإنهم ينتظرونه بلفظهم استهزاء، كما قالوا: {فَأْتنَا بمَا تَعدُنَا} [الأعراف: 70] وقالوا {متى هذا الوعد إن كُنتُمْ صادقين} [النمل: 71] إلى غير ذلك، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين، وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {نَسُوقُ الْمَاءَ} فيه وجهان:
أحدهما: بالمطر والثلج.
الثاني: بالأنهار والعيون.
{إلَى الأَرْض الجُرُز} فيها خمسة أقاويل:
أحدها: أنها الأرض اليابسة، قاله يحيى بن سلام.
الثاني: أنها الأرض التي أكلت ما فيها من زرع وشجر، قاله ابن شجرة.
الثالث: أنها الأرض التي لا يأتيها الماء إلا من السيول، قاله ابن عباس.
الرابع: أنها أرض أبْينَ لا تنبت، قاله مجاهد.
الخامس: أنها قرى نبيا بين اليمن والشام، قاله الحسن. وأصل الجرز الانقطاع مأخوذ من قولهم سيف جراز أي قطاع وناقة جراز أي كانت تأكل كل شيء لأنها لا تبقي شيئًا إلا قطعته بفيها. ورجل جروز أكول قال الراجز:
حبُّ جروز وإذا جاع بكى ** يأكل التمر ولا يلقى النوى

وتأول ابن عطاء هذه الآية على أنه توصل بركات المواعظ إلى القلوب القاسية.
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ}.
فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه فتح مكة، قاله الفراء.
الثاني: أن الفتح انقضى بعذابهم في الدنيا، قاله السدي.
الثالث: الحكم بالثواب والعقاب في القيامة، قاله مجاهد. قال الحسن لم يبعث الله نبيًا إلا وهو يحذر من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
{قُلْ يَوْمَ الْفَتْح لاَ يَنفَعُ الَّذينَ كَفَرُوا إيمَانهُمْ}.
فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم الذي قتلهم خالد بن الوليد يوم فتح مكة من بني كنانة، قاله الفراء.
الثاني: أن يوم الفتح يوم القيامة، قاله مجاهد.
الثالث: أن اليوم الذي يأتيهم من العذاب، قاله عبد الرحمن بن زيد.
{وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون بالعذاب إذا جاء الوقت.
{فَأَعْرضْ عَنهُمْ} الآية. قال قتادة: نزلت قبل أن يؤمر بقتالهم، ويحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أعرض عن أذاهم وانتظر عقابهم.
الثاني: أعرض عن قتالهم وانتظر أن يؤذن لك في جهادهم.
الثالث: فأعرض بالهجرة وانتظر ما يمدك به من النصرة، والله أعلم. اهـ.