فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



القرآن في دور الدعوة:
ونزول القرآن في دور الدعوة، قام على أسلوب خاص، من حيث تنجيم النزول، وترتيبه معا.
فمن حيث التنجيم. لم ينزل القرآن جملة واحدة. بل نزل آية آية، وآيات آيات، حسب مقتضيات الدعوة، ومستلزمات أحداثها. وقد بين اللّه سبحانه وتعالى الحكمة في هذا، فقال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاس عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزيلًا} (106: الإسراء) كما زاد ذلك بيانا في قوله سبحانه: {وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزّلَ عَلَيْه الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحدَةً كَذلكَ لنُثَبّتَ به فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بمَثَلٍ إلَّا جئْناكَ بالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسيرًا} (32- 33 الفرقان).
ومن حيث ترتيب النزول. فقد نزل القرآن لغاية تحقق أمرين:
أولهما: اقتلاع الشرك، الذي كان قد استولى على الحياة الإنسانية كلها، واغتال مواطن الإيمان في كل بقعة منها. ليقيم في الأرض مكانا للإيمان باللّه، حتى يعتدل ميزان الإنسانية، ويكون لها نهار يدور في فلكها، مع هذا الليل الطويل الذي تعيش فيه.
وثانيهما: إقامة شريعة في تلك المواطن التي قام فيها الإيمان، حتى تثبت أصوله، وتطلع ثمراته، فيكون منها زاد طيب لأهل الإيمان، يعيشون فيه، وتطيب لهم وللناس الحياة معه.
ولتحقيق الأمر الأول، كانت معركة الإسلام الأولى منحصرة في ميدان الشرك. ومن هنا كانت آياته التي تنزل في هذه المرحلة من مراحل الدعوة، جندا مرسلة من اللّه، تدكّ معاقل الشرك، وتهدم حصونه، وتفتح للعقول والقلوب، الطريق إلى اللّه.
وقد استغرقت هذه المرحلة الجزء الأكبر من الدعوة الإسلامية، في إقامة الحجج على وجود اللّه، وكشف البراهين على وحدانيته، وما له سبحانه من صفات الكمال والجلال. ثم في فضح الشرك، وتعرية آلهة المشركين من كل ما ألقوه عليهم من أوهام وضلالات.
وفي أثناء هذا الدور كانت تتنزل بعض الآيات في الدعوة إلى مكارم الأخلاق، وفي إقامة مشاعر الناس على الأخوة الإنسانية، وعلى الصبر، والرفق، والإحسان إلى غير ذلك مما يليق بمن يعرف اللّه، ويؤمن به، ويدخل في زمرة عباده الذين يبتغون مرضاته، ويرجون وحمته.
فلما انكسرت شوكة الشرك، وأوشكت دولته أن تدول، أخذت آيات اللّه تتنزل بأحكام الشريعة التي تقوم عليها الحياة الروحية والمادية لهذا المجتمع الذي آمن باللّه، وأجلى الشرك من موطنه، فكان ما ينزل من آيات اللّه في هذا الدور، يكاد يكون مقصورا على بناء أحكام الشريعة، من عبادات، ومعاملات، وحدود، ومن سلم، وحرب، وغنائم، وغير ذلك مما ينتظمه قانون الشريعة الإسلامية.
وكان من مقتضيات حكمة الشريعة القائمة على اليسر، ورفع الحرج، أن جاءت كثير من أحكام الشريعة متدرجة في تكاليفها من السهل إلى الصعب، لأنها كانت تتعامل مع أناس قطعوا شطرا كبيرا من حياتهم في الجاهلية، ورسب في نفوسهم، واختلط بمشاعرهم كثير من ضلالاتها.
فكان مما اقتضته الحكمة الإلهية أخذ هؤلاء الذين لقيهم الإسلام على أول دعوته- بالرفق، والتلطف، حتى بألفوا هذا الدين، ويتعقلوا أحكامه، ويأخذوا أنفسهم بها. ولو أخذوا بغير هذا الأسلوب، لتغير موقفهم من الشريعة، ولما أحدثت فيهم هذه الآثار العظيمة التي أخرجت منهم خير أمة أخرجت للناس.
هذا هو الخطّ الذي قامت عليه سيرة الدعوة الإسلامية، وعلى هذه المسيرة كانت تتنزل آيات اللّه بالزاد الذي تحتاج إليه كل مرحلة. حتى كانت آخر آية نزلت من كتاب اللّه، كانت الدعوة قد بلغت غايتها، وآتت الثمر المرجو منها. فنزل قوله تعالى: {إذا جاءَ نَصْرُ اللَّه وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دين اللَّه أَفْواجًا فَسَبّحْ بحَمْد رَبّكَ وَاسْتَغْفرْهُ إنَّهُ كانَ تَوَّابًا} مؤذنا بمصافحة السماء للأرض، مصافحة وداع، بعد أن أودعت فيها هذا الزاد العتيد. ثم كانت آية الختام: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دينًا}!.
القرآن بعد دور الدعوة:
وإلى هنا كان الرسول، قد تلقى القرآن الكريم كله من ربه، وحفظه في قلبه، كما حفظه كثير من المسلمين معه، كما كان كتّاب الوحى قد استكملوا كتابته.
والسؤال هنا: على أية صورة كان القرآن عند آخر آية نزلت؟ وهل كان على ترتيب النزول، أم على هذا الترتيب الذي هو عليه الآن؟.
والجواب على هذا:
أولا: من المقطوع به أن القرآن عند ما نزلت آخر آية منه لم يكن على هذا الترتيب الذي هو عليه الآن، كما أنه لم يكن على ترتيب النزول. وذلك أن الرسول- بوحي من ربّه- كان خلال العشرين سنة أو تزيد، التي نزل فيها القرآن، يرتب الآيات، فيضع- بوحي من ربّه- آيات مدنية في سور مكية، كما يضع آيات مكية في سور مدنية. فكانت عملية النقل هذه تغيّر من صورة السّور، طولا وقصرا، فينقل من هذه السورة آيات إلى تلك، ومن تلك إلى أخرى، وهكذا في اتصال دائم بدوام نزول القرآن.
وثانيا: بعد أن تم نزول القرآن، ولم تعد ثمة آيات أخرى يوحى بها، كان عمل الوحى، مع النبىّ صلوات اللّه وسلامه عليه، هو ترتيب القرآن على هذا الترتيب الذي أراده اللّه سبحانه وتعالى عليه، وهو ما نجده بين دفتى المصحف، كما تركه الرسول، بعد تلك العرضة أو العرضتين أو الثلاث، التي كانت بين جبريل وبين النبىّ.
وثالثا: لم يترك النبي صلى اللّه عليه وسلم- هذه الدنيا، ويلحق بالرفيق الأعلى، حتى كان صحابة رسول اللّه، وحتى كان كتّاب الوحى، قد أخذوا الصورة الكاملة، في تحديد دقيق، للقرآن الكريم، وعرفوا مكان كل آية من سورتها، ومبدأ كل سورة وختامها، وما بين بدئها وختامها.
ومن الموافقات العجيبة، التي نعدّها نفحة من نفحات القرآن الكريم، أننا نعرض لهذا البحث- من غير تدبير- في سورة الأحزاب. ففى سورة الأحزاب هذه مقولات تقال، وروايات تروى.
ففى مسند أحمد عن رزين بن حبيش، قال: قال لى أبىّ بن كعب كائن أي كم تقرأ سورة الأحزاب، أو كائن أي كم تعدّها؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية. فقال أي أبىّ: لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة. ولقد قرأنا فيها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم» فرفع فيما رفع.!!.
ولقد بنى على هذه الرواية أن قرآنا كثيرا نسخ تلاوة، وأن قرآنا آخر نسخ تلاوة ولم ينسخ حكما، كهذه التي يقال إنها كانت آية قرآنية: «الشيخ والشيخة». وقد عرضنا لموضوع النسخ في أكثر من موضع. فلا نعرض له هنا.
وإنما الذي نقف عنده من هذا الخبر- على اعتبار صحته- هو: كيف كانت سورة الأحزاب تعادل سورة البقرة؟ فما تأويل هذا؟ وكيف أصبحت سورة الأحزاب ثلاثا وسبعين آية بينما سورة البقرة تبلغ مائتين وستا وثمانين آية؟
والجواب على هذا، أن سورة الأحزاب كانت تعدل في طولها أو امتدادها سورة البقرة، وأنه في العرضة أو العرضات التي كانت بين جبريل، وبين النبي أخذت كثير من الآيات في سورة الأحزاب مواضعها من سور القرآن المكّى، أو المدنىّ، حتى صارت على هذه الصورة التي هي عليها.
وعلى هذا فلم يكن قرآن رفع منها، رفع نسخ، تلاوة وحكما، بل الذي كان هو قرآن رفع منها إلى مواضع أخرى من القرآن. كما حدث ذلك في كثير من آيات القرآن.
ونعود إلى ما كنا فيه من ترتيب القرآن بعد دور الدعوة، فنقول: إنه وقد انتهى دور الدعوة، وأدى الرسول رسالة ربه، ودالت دولة الشرك، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا- كان لابد أن ترتب آيات اللّه، على هذا الترتيب الذي أمر اللّه به، بعد أن نزلت آخر آية من القرآن الكريم. فقد كان الترتيب النزولى مقدّرا بحاجة الدعوة في مسيرتها من مبدئها إلى ختامها، وموقوتا بهذا الوقت الذي يكمل فيه نزول القرآن. فلما تم نزول القرآن، وختم الرسول دعوته، أخذ القرآن هذا الترتيب السّماوى، الذي يعيش في ظله، مجتمع مسلم، آمن باللّه، وبآيات اللّه، ورسول اللّه. ولم بعد من تدبير القرآن أن يواجه الناس آية آية، أو آيات آيات، أو يلقاهم حالا بعد حال، وحدثا إثر حدث، وإنما الذي يلقاهم منذ ختام الرسالة كتاب اللّه جميعه. كأنه آية واحدة هي شريعة اللّه، ودستور المسلمين.
لقد كان القرآن في دور الدعوة يعمل في أكثر من جبهة، فهناك جبهة المشركين. ثم جبهة أهل الكتاب وخاصة اليهود، ثم جبهة المنافقين. ثم قبل هؤلاء وأولئك جميعا جبهة المؤمنين، الذين يتلقون هدى السماء، وينشّئون في حجر الإسلام. فكان للقرآن مع كل جبهة موقف، وإلى كل طائفة قول، فلما أتم القرآن رسالته، لم تعد إلا جبهة المؤمنين، هي وحدها التي يعنيه أمرها، وهى التي ستصحبه، وتعيش في ظله. جيلا بعد جيل، إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها. فكان هذا الترتيب الذي رتب عليه القرآن بأمر اللّه، إلغاء لعنصر الزمن، الذي يحدد بدء القرآن ونهايته، ومولده وفطامه. فهو كلام اللّه، القديم أزلا، الخالد أبدا.
وبعد، فإن هذه الفتنة أخطر سلاح يحارب به الإسلام، ويرمى به في الصميم منه. وأنه لو قدر لها- لا قدّر اللّه- أن تجد في المسلمين من يستمع لها، أو يغمض العين عنها، لأتت على الإسلام، ولنالت منه ما لم تنله السيوف والحراب التي وجهها أعداء الإسلام من يوم أن ظهر الإسلام، إلى يوم الناس هذا. فليتنبه المسلمون إلى هذا الخطر، وليرصدوا له كل ما لديهم من إيمان باللّه وبكتاب اللّه، وليضربوا على الأيدى التي تمتد إلى كتاب اللّه بهذه الفتنة، بكل ما يملكون من أموال وأنفس: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزيزٌ}.
بسْم اللَّه الرَّحْمن الرَّحيم.
الآيات: (1- 5) [سورة الأحزاب (33): الآيات 1- 5].
بسْم اللَّه الرَّحْمن الرَّحيم.
{يا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّق اللَّهَ وَلا تُطع الْكافرينَ وَالْمُنافقينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَليمًا حَكيمًا (1)}.
التفسير:
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّق اللَّهَ وَلا تُطع الْكافرينَ وَالْمُنافقينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَليمًا حَكيمًا}.
ختمت سورة السجدة بقوله تعالى: {فَأَعْرضْ عَنْهُمْ وَانْتَظرْ إنَّهُمْ مُنْتَظرُونَ} وهو أمر للنبى بالإعراض عن المشركين، والاتجاء إلى وجهة أخرى، حيث لم يجد مع هؤلاء المشركين، هذا الوقوف الطويل الذي وقفه معهم، منذرا ومبشرا.
وفي قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّق اللَّهَ وَلا تُطع الْكافرينَ وَالْمُنافقينَ} تأكيد لهذا الأمر. وذلك بأن يثبت النبي على تقوى اللّه، وأن ينظر إلى نفسه أولا، وألا يشغله أمر المشركين، والحرص على هداهم، عن أمر نفسه، كما أنهم مسئولون عن أنفسهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْه ما حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمّلْتُمْ وَإنْ تُطيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُول إلَّا الْبَلاغُ الْمُبينُ} (54: النور).
وفي قوله تعالى: {وَلا تُطع الْكافرينَ وَالْمُنافقينَ} هو كشف عن هذا البلاء الذي يحيط بالكافرين والمنافقين. وفي هذا تنبيه للنبى إلى أن يأخذ حذره، وأن يتوقّى هذا الداء الذي يغتال هؤلاء المصابين به.
وفي قوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ كانَ عَليمًا حَكيمًا} تعقيب على هذا الأمر الذي تلقاه النبي من ربه، فهو أمر من العليم الحكيم، الذي يقوم أمره على علم وحكمة، فيعلمه سبحانه كشف هذا الخطر الذي يتهدد النبي من استجابته للكافرين والمنافقين إلى ما يدعونه إليه من أن يعبد ما يعبدون، وأن يعبدوا هم ما يعبد، وبحكمته- تعالى- أمر بتجنب الخطر قبل الوقوع فيه. فإن توقّى الداء خير وأسلم من علاجه.
قوله تعالى: {وَاتَّبعْ ما يُوحى إلَيْكَ منْ رَبّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بما تَعْمَلُونَ خَبيرًا}- هو أمر من لوازم النهى الذي جاء في قوله تعالى: {وَلا تُطع الْكافرينَ وَالْمُنافقينَ} فمن لازم هذا النهى أن يتبع النبي ما أوحى إليه من ربه.
وفي هذا الأمر، كما في النهى السابق عليه، تأكيد لما بين النبي وبين الكافرين والمنافقين من بعد بعيد، وأن كلا منهما على طريق، فلا يلتقيان أبدا، إلا إذا حاد هؤلاء الكافرون والمنافقون عن طريقهما، وسلكوا طريق النبي واتبعوا سبيله. أما النبي، فهو ماض على ما معه من آيات ربه، لا يلتفت يمينا أو شمالا.
وفي قوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ كانَ بما تَعْمَلُونَ خَبيرًا} تهديد للكافرين والمشركين، وأن اللّه سبحانه مطلع على ما هم فيه من منكر، وسيجزيهم بما كانوا يعملون.
قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه وَكَفى باللَّه وَكيلًا}.
هو تثبيت للنبى، وإيناس له من ربه، بالتوكل عليه وحده، وأنه لا وحشة ولا خوف عليه من قطيعة الكافرين والمنافقين، الذين يساكنونه، ويعيشون بين جماعة المسلمين. فإنهم وإن كانوا كثرة في العدد، ووفرة في المال، فإنهم أخف ميزانا، وأضعف شأنا ممن يسند ظهره إلى اللّه، ويسلم أمره إليه.
{وَكَفى باللَّه وَكيلًا}. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّق اللَّهَ وَلَا تُطع الْكَافرينَ وَالْمُنَافقينَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَليمًا حَكيمًا (1)}.
افتتاح السورة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وندائه بوصفه مُؤذنٌ بأن الأهم من سوق هذه السورة يتعلق بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وقد نودي فيها خمس مرات في افتتاح أغراض مختلفة من التشريع بعضها خاص به وبعضها يتعلق بغيره وله ملابسة له.
فالنداء الأول: لافتتاح غرض تحديد واجبات رسالته نحو ربه.
والنداء الثاني: لافتتاح غرض التنويه بمقام أزواجه واقترابه من مقامه.
والنداء الثالث: لافتتاح بيان تحديد تقلبات شؤون رسالته في معاملة الأمة.
والنداء الرابع: في طالعَة غرض أحكام تزوجه وسيرته مع نسائه.
والنداء الخامس: في غرض تبليغه آداب النساء من أهل بيته ومن المؤمنات.
فهذا النداء الأول افتتح به الغرض الأصلي لبقية الأغراض وهو تحديد واجبات رسالته في تأدية مراد ربه تعالى على أكمل وجه دون أن يفسد عليه أعداء الدين أعماله، وهو نظير النداء الذي في قوله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] الآية، وقوله: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] الآيات.
ونداء النبي عليه الصلاة والسلام بوصف النبوءة دون اسمه العلم تشريف له بفضل هذا الوصف ليُربأ بمقامه عن أن يخاطب بمثل ما يخاطب به غيره ولذلك لم يناد في القرآن بغير {يا أيها النبي} أو {يا أيها الرسول} [المائدة: 67] بخلاف الإخبار عنه فقد يجيء بهذا الوصف كقوله: {يوم لا يُخزي الله النبي} [التحريم: 8] {وقال الرسول يا رب} [الفرقان: 30] {قل الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6]، ويجيء باسمه العلم كقوله: {ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40].
وقد يتعين إجراء اسمه العلم ليوصف بعده بالرسالة كقوله تعالى: {محمد رسولُ الله} [الفتح: 29] وقوله: {وما محمد إلا رسولٌ} [آل عمران: 144].