فصل: قال أبو حيان في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وبذلك أفاد تكملةَ الكلام السابق والجواب عن تبرؤ المستكبرين، ولو لم يعطف بالواو لما أفاد إلا أنه جواب عن كلام المستكبِرين فقط، وهذا من أبدع الإِيجاز.
و {بل} للإِضراب الإِبطالي أيضًا إبطالًا لمقتضَى القصر في قولهم: {أنحن صددناكم عن الهدى} [سبأ: 32] فإنه واقع في حيّز نفي لأن الاستفهام الإِنكاري له معنى النفي.
و {مكر الليل والنهار} من الإِضافة على معنى في.
وهنالك مضاف إليه ومجرور محذوفان دل عليهما السياق، أي مكركم بنا.
وارتفع {مكر} على الابتداء.
والخبر محذوف دل عليه مقابلة هذا الكلام بكلام المستكبرين إذ هو جواب عنه.
فالتقدير: بل مكركم صَدَّنا، فيفيد القصر، أي ما صدَّنا إلاّ مكركم، وهو نقض تام لقولهم: {أنحن صددناكم عن الهدى} [سبأ: 32] وقولِهم: {بل كنتم مجرمين} [سبأ: 32].
والمكر: الاحتيال بإظهار الماكر فعل ما ليس بفاعله ليَغُرّ المحتال عليه، وتقدم في قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله} في آل عمران (54).
وإطلاق المكر على تسويلهم لهم البقاء على الشرك، باعتبار أنهم يموهون عليهم ويوهمونهم أشياء كقولهم: إنه دين آبائكم وكيف تأمنون غضب الآلهة عليكم إذا تركتم دينكم ونحو ذلك.
والاحتيال لا يقتضي أن المحتَال غيرُ مستحسن الفعل الذي يحتال لتحصيله.
والمعنى: ملازمتهم المكر ليلًا ونهارًا، وهو كناية عن دوام الإِلحاح عليهم في التمسك بالشرك.
و {إذ تأمروننا} ظرف لما في {مكر الليل والنهار} من معنى صدّنا أي حين تأمروننا أن نكفر بالله.
والأنداد: جمع نِدّ، وهو المماثل، أي نجعل لله أمثالًا في الإِلهية.
وهذا تطاولٌ من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم واحتقروهم حين علموا كذبهم وبهتانهم.
وقد حكى نظير ذلك في قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} الآيتين في سورة البقرة (166).
{لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا} يجوز أن يكون عطفًا على جملة {يرجع بعضهم إلى بعض القول} [سبأ: 31] فتكون حالًا.
ويجوز أن تعطف على جملة {إذ الظالمون موقوفون عند ربهم} [سبأ: 31].
وضمير الجمع عائد إلى جميع المذكورين قبلُ وهم الذين استضعفوا والذين استكبروا.
والمعنى: أنهم كشف لهم عن العذاب المعدّ لهم، وذلك عقب المحاورة التي جرت بينهم، فعلموا أن ذلك الترامي الواقع بينهم لم يُغن عن أحد من الفريقين شيئًا، فحينئذٍ أيقنوا بالخيبة وندِموا على ما فات منهم في الحياة الدنيا وأسرُّوا الندامة في أنفسهم، وكأنهم أسَرُّوا الندامة استبقاء للطمع في صرف ذلك عنهم أو اتقاء للفضيحة بين أهل الموقف، وقد أعلنوا بها من بعدُ كما في قوله تعالى: {قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} في سورة الأنعام (31)، وقوله: {لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} في سورة الزمر (58).
وذكر الزمخشري وابن عطية: أن من المفسرين مَن فسّر أسَرّوا هنا بمعنى أظهروا، وزعم أن أسرّ مشترك بين ضدين.
فأما الزمخشري فسلمه ولم يتعقبه وقد فسر الزوزني الإِسرار بالمعنيين في قول امرىء القيس:
تجاوزتُ أحراسًا إليها ومعشرًا ** عليّ حِراصًا لو يُسِرّون مقتلي

وأما ابن عطية فأنكره، وقال: ولم يثبت قط في اللغة أن أسرّ من الأضداد.
قلت: وفيه نظر.
وقد عد هذه الكلمة في الأضداد كثير من أهل اللغة وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق:
ولما رأى الحجاجَ جرَّد سيفه ** أسرّ الحَروريُّ الذي كان أضمرا

وفي كتاب الأضداد لأبي الطيب الحلبي قال أبو حاتم: ولا أثق بقول أبي عبيدة في القرآن ولا بقول الفرزدق والفرزدق كثير التخليط في شعره.
وذكر أبو الطيب عن التَّوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق والذي جرَّ على تفسير أسرّوا بمعنى أظهروا هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة من قولهم: {لولا أنتم لكنا مؤمنين} [سبأ: 31].
وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} [الفرقان: 27] الآية.
والندامة: التحسُّر من عمل فات تداركه.
وقد تقدمت عند قوله تعالى: {فأصبح من النادمين} في سورة المائدة (31).
{رَأَوُاْ العذاب وَجَعَلْنَا الاغلال في أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا}.
عطف على جملة {إذ الظالمون موقوفون} [سبأ: 31].
والتقدير: ولو ترى إذ جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا.
وجواب لو المحذوفُ جواب للشرطين.
و {الأغلال} جمع غُلّ بضم الغين، وهو دائرة من حديد أو جلد على سعة الرقبة توضع في رقبة المأسور ونحوه ويشد إليها بسلسلة أو سير من جلد أو حبل، وتقدم في أول سورة الرعد.
وجعل الأغلال في الأعناق شعار على أنهم يساقون إلى ما يحاولون الفرار والانفلات منه.
وتقدم عند قوله تعالى: {وأولئك الأغلال في أعناقهم} في الرعد (5).
{والذين كفروا} هم هؤلاء الذين جرت عليهم الضمائر المتقدمة فالإِتيان بالاسم الظاهر وكونِه موصولًا للإِيماء إلى أن ذلك جزاء الكفر، ولذلك عقب بجملة {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} مستأنفة استئنافًا بيانيًا، كأن سائلًا استعظم هذا العذاب وهو تعريض بهم.
والاستفهام ب {هل} مستعمل في الإِنكار باعتبار ما يعقبه من الاستثناء، فتقدير المعنى: هل جُزوا بغير ما كانوا يعملون، والاستثناء مفرّغ.
و {ما كانوا يعملون} هو المفعول الثاني لفعل {يجزون} لأن جَزى يتعدّى إلى مفعول ثان بنفسه لأنه من باب أعطى، كما يتعدى إليه بالباء على تضمينه معنى: عَوَّضه.
وجعل جزاؤهم ما كانوا يعملون على معنى التشبيه البليغ، أي مثل ما كانوا يعملون، وهذه المماثلة كناية عن المعادلة فيما يجاوزونه بمساواة الجزاء للأعمال التي جوزوا عليها حتى كأنه نفسها كقوله تعالى: {جزاء وفاقًا} [النبأ: 26].
واعلم أن كونه مماثلًا في المقدار أمر لا يعلمه إلا مُقَدِّرُ الحقائق والنيات، وأما كونه {وفاقًا} في النوع فلأن وضع الأغلال في الأعناق منع من حرية التصرف في أنفسهم فناسب نوعه أن يكون جزاء على ما عبَّدوا به أنفسهم لأصنامهم كما قال تعالى: {أتعبدون ما تنحتون} [الصافات: 95] وما تقبلوه من استعباد زعمائهم وكبرائهم إياهم قال تعالى: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67].
ومن غُرَر المسائل أن الشيخ ابن عرفة لما كان عرض عليه في درس التفسير عند قوله تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} [غافر: 71] فسأله بعض الحاضرين: هل يستقيم أن نأخذ من هذه الآية ما يؤيد فعل الأمراء أصلحهم الله من الإِتيان بالمحاربين ونحوهم مغلولين من أعناقهم مع قول مالك رحمه الله بجواز القياس في العقوبات على فعل الله تعالى في حد الفاحشة فأجابه الشيخ بأن لا دلالة فيها لأن مالكًا إنما أجاز القياس على فعل الله في الدنيا، وهذا من تصرفات الله في الآخرة فلابد لِجوازه من دليل. اهـ.

.قال أبو حيان في الآيات السابقة:

{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}.
لما بين حال الشاكرين وحال الكافرين، وذكر قريشًا ومن لم يؤمن بمن مضى، عاد إلى خطابهم فقال: {قل} يا محمد للمشركين الذين ضرب لهم المثل بقصة سبأ المعروفة عندهم بالنقل في أخبارهم وأشعارهم، {ادعوا الذين زعمتم} وهم معبوداتهم من الملائكة والأصنام، وهو أمر بدعاء هو تعجيز وإقامة للحجة.
وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشًا، أي ادعوهم ليكشفوا عنكم ما حل بكم، والجئوا إليهم فيما يعنّ لكم.
وزعم: من الأفعال التي تتعدى إلى اثنين إذا كانت اعتقادية، والمفعول الأول هو الضمير المحذوف العائد على الذين، والثاني محذوف أيضًا لدلالة المعنى، ونابت صفته منابه، التقدير: الذي زعمتموهم آلهة من دونه؛ وحسن حذف الثاني قيام صفته مقامه، ولولا ذلك ما حسن، إذ في حذف إحدى مفعولي ظن وأخواتها اختصارًا خلاف، منع ذلك ابن ملكوت، وأجازه الجمهور، وهو مع ذلك قليل، ولا يجوز أن يكون الثاني من دونه، لأنه لا يستقل كلامًا.
لو قلت: هم من دونه، لم يصح، ولا الجملة من قوله: {لا يملكون مثقال ذرة} لأنه لو كانت هذه النسبة مزعومة لهم لكانوا معترفين بالحق قائلين له.
ولو كان ذلك توحيدًا منهم، وأن آلهتهم ومعبوداتهم لا يملكون شيئًا باعترافهم.
ثم أخبر عن آلهتهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة، وهو أحقر الأشياء، وإذا انتفى ملك الأحقر عنهم، فملك الأعظم أولى.
ثم ذكر مقر ذلك المثقال، وهو السموات والأرض.
ثم أخبر أنهم ما لهم في السموات ولا في الأرض من شركة، فنفى نوعي الملك من الاستبداد والشركة.
ثم نفى الإعانة منهم له تعالى في شيء مما أنشأ بقوله: {وما له منهم من ظهير} فبين عجز معبوداتهم من جميع الجهات.
ولما كان من العرب من يعبد الملائكة لتشفع له، نفى أن شفاعتهم تنفع، والنفي منسحب على الشفاعة، أي لا شفاعة لهم فتنفع، وليس المعنى أنهم يشفعون، ولا تنفع شفاعتهم، أي لا يقع من معبوداتهم شفاعة أصلًا.
ولأن عابديهم كفار، فإن كان المعبودون أصنامًا أو كفارًا، كفرعون، فسلب الشفاعة عنهم ظاهر، وإن كانوا ملائكة أو غيرهم ممن عبد، كعيسى عليه السلام، فشفاعتهم إذا وجدت تكون لمؤمن.
و {إلا لمن أذن له} استثناء مفرغ، فالمستثنى منه محذوف تقديره: ولا تنفع الشفاعة لأحد {إلا لمن أذن له}.
واحتمل قوله لأحد أن يكون مشفوعًا له، وهو الظاهر، فيكون قوله: {إلا لمن أذن له} أي المشفوع، أذن لأجله أن يشفع فيه؛ والشافع ليس بمذكور، وإنما دل عليه المعنى.
واحتمل أن يكون شافعًا، فيكون قوله: {إلا لمن أذن له} بمعنى: إلا لشافع أذن له أن يشفع، والمشفوع ليس بمذكور، إنما دل عليه المعنى.
وعلى هذا الاحتمال تكون اللام في {أذن له} لام التبليغ، لا لام العلة.
وقال الزمخشري: يقول: الشفاعة لزيد على معنى أنه الشافع، كما يقول: الكرم لزيد، وعلى معنى أنه المشفوع له، كما تقول: القيام لزيد، فاحتمل قوله: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} أن يكون على أحد هذين الوجهين، أي لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له، أو لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له، أي لشفيعه، أو هي اللام الثانية في قولك: أذن لزيد لعمرو، أي لأجله، وكأنه قيل: إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، وهذا وجه لطيف، وهو الوجه، وهذا تكذيب لقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. انتهى.
فجعل {إلا لمن أذن له} استثناء مفرغًا من الأحوال، ولذلك قدره: إلا كائنة، وعلى ما قررناه استثناء من الذوات.
وقال أبو عبد الله الرازي: المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة: قائل: إن الله خلق السموات وجعل الأرض والأرضيات في حكمها، ونحن من جملة الأرضيات، فنعبد الكواكب والملائكة السماوية، وهم إلهنا، والله إلههم، فأبطل بقوله: {لا يملكون} {في السموات} كما اعترفتم، {ولا في الأرض} خلاف ما زعمتم.
وقائل: السموات من الله استبدادًا، والأرضيات منه بواسطة الكواكب، فإنه تعالى خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات وحركات وطوالع، فجعلوا مع الله شركاء في الأرض، والأولون جعلوا الأرض لغيره، فأبطل بقوله: {وما لهم فيهما من شرك} أي الأرض، كالسماء لله لا لغيره، ولا لغيره فيهما نصيب.
وقائل: التركيبات والحوادث من الله، لكن فوض إلى الكواكب، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن، ويسلب عن المأذون له فيه، جعلوا السموات معينة لله، فأبطل بقوله: {وما له منهم من ظهير} وقائل: نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا، فأبطل بقوله: {ولا تنفع الشفاعة} الجملة، وأل في الشفاعة الظاهر أنها للعموم، أي شفاعة جميع الخلق.
وقيل: للعهد، أي شفاعة الملائكة التي زعموها شركاء وشفعاء.
انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وقال أبو البقاء: اللام في {لمن أذن له} يجوز أن تتعلق بالشفاعة، لأنك تقول: أشفعت له، وأنت تعلق بتنفع.
انتهى، وهذا فيه قلة، لأن المفعول متأخر، فدخول اللام عليه قليل.
وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: أذن بضم الهمزة؛ وباقي السبعة: بفتحها، أي أذن الله له.
والظاهر أن الضمير في قوله: {قلوبهم} عائد على ما عادت عليه الضمائر التي للغيبة في قوله: {لا يملكون} وفي {ما لهم} و {ما لهم منهم} وهم الملائكة الذين دعوهم آلهة وشفعاء، ويكون التقدير: إلا لمن أذن له منهم.
و {حتى} تدل على الغاية، وليس في الكلام عائد على أن حتى غاية له.
فقال ابن عطية: في الكلام حذف يدل عليه الظاهر، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تحبون أنتم، بل هم عبدة أو مسلمون أبدًا، يعني منقادون، {حتى إذا فزع عن قلوبهم}.
قال: وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي، أي جبريل، وبالأمر يأمر الله به سمعت، كجر سلسلة الحديد على الصفوان، فتفزع عند ذلك تعظيمًا وهيبة.
وقيل: خوف أن تقوم الساعة، فإذا فزع ذلك عن قلوبهم، أي أطير الفزع عنها وكشف، يقول بعضهم لبعض ولجبريل: {ماذا قال ربكم}؟ فيقول المسؤلون: قال: {الحق وهو العلي الكبير} وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: {الذين زعمتم} لم تتصل له هذه الآية بما قبلها، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار، بعد حلول الموت: ففزع عن قلوبهم بفقد الحياة، فرأوا الحقيقة، وزال فزعهم مما يقال لهم في حياتهم، فيقال لهم حينئذ: {ماذا قال ربكم}؟ فيقولون: قال الحق، يقرون حين لا ينفعكم الإقرار.
وقالت فرقة: الآية في جميع العالم.