فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



المسألة الرابعة:
قال عند ذكر الحب {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} وفي الأشجار والثمار قال: {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} وذلك لأن الحب قوت لابد منه فقال: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} أي هم آكلوه، وأما الثمار ليست كذلك، فكأنه تعالى قال إن كنا ما أخرجناها كانوا يبقون من غير أكل فأخرجناها ليأكلوها.
المسألة الخامسة:
خصص النخيل والأعناب بالذكر من سائر الفواكه لأن ألذ المطعوم الحلاوة، وهي فيها أتم ولأن التمر والعنب قوت وفاكهة، ولا كذلك غيرهما ولأنهما أعم نفعًا فإنها تحمل من البلاد إلى الأماكن البعيدة، فإن قيل فقد ذكر الله الرمان والزيتون في الأنعام والقضب والزيتون والتين في مواضع، نقول في الأنعام وغيرها المقصود ذكر الفواكه والثمار ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ} [الأنعام: 99] وإلى قوله: {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ} [عبس: 24] فاستوفى الأنواع بالذكر وههنا المقصود ذكر صفات الأرض فاختار منها الألذ الأنفع، وقد ذكرنا في سورة الأنعام ما يستفاد منه الفوائد ويعلم منه فائدة قوله تعالى: {فاكهة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68].
المسألة السادسة:
في المواضع التي ذكر الله الفواكه لم يذكر التمر بلفظ شجرته وهي النخلة ولم يذكر العنب بلفظ شجرته بل ذكره بلفظ العنب والأعناب، ولم يذكر الكرم وذلك لأن العنب شجرته بالنسبة إلى ثمرته حقيرة قليلة الفائدة والنخل بالنسبة إلى ثمرته عظيمة جليلة القدر كثيرة الجدوى، فإن كثيرًا من الظروف منها يتخذ وبلحائها ينتفع ولها شبه بالحيوان فاختار منها ما هو الأعجب منها، وقوله تعالى: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون} آية عظيمة لأن الأرض أجزاؤها بحكم العادة لا تصعد ونحن نرى منابع الأنهار والعيون في المواضع المرتفعة وذلك دليل القدرة والاختيار والقائلون بالطبائع قالوا إن الجبال كالقباب المبنية والأبخرة ترتفع إليها كما ترتفع إلى سقوف الحمامات وتتكون هناك قطرات من الماء ثم تجتمع، فإن لم تكن قوية تحصل المياه الراكدة كالآبار وتجري في القنوات، إن كانت قوية تشق الأرض وتخرج أنهارًا جارية وتجتمع فتحصل الأنهار العظيمة وتمدها مياه الأمطار والثلوج، فنقول اختصاص بعض الجبال بالعيون دليل ظاهر على الاختيار وما ذكروه تعسف، فالحق هو أن الله تعالى خلق الماء في المواضع المرتفعة وساقها في الأنهار والسواقي أو صعد الماء من المواضع المتسفلة إلى الأماكن المرتفعة بأمر الله وجرى في الأودية إلى البقاع التي أنعم الله على أهلها.
ثم قال تعالى: {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} والترتيب ظاهر ويظهر أيضًا في التفسير وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
لم أخر التنبيه على الانتفاع بقوله: {لِيَأْكُلُواْ} عن ذكر الثمار حتى قال: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون} وقال في الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} عقيب ذكر الحب، ولم يقل عقيب ذكر النخيل والأعناب ليأكلوا؟ نقول الحب قوت وهو يتم وجوده بمياه الأمطار ولهذا يرى أكثر البلاد لا يكون بها شيء من الأشجار والزرع والحراثة لا تبطل هناك اعتمادًا على ماء السماء وهذا لطف من الله حيث جعل ما يحتاج إليه الإنسان أعم وجودًا، وأما الثمار فلا تتم إلا بالأنهار ولا تصير الأشجار حاملة للثمار إلا بعد وجود الأنهار فلهذا أخر.
المسألة الثانية:
الضمير في قوله: {مِن ثَمَرِهِ} عائد إلى أي شيء؟ نقول المشهور أنه عائد إلى الله أي ليأكلوا من ثمر الله وفيه لطيفة: وهي أن الثمار بعد وجود الأشجار وجريان الأنهار لم توجد إلا بالله تعالى ولولا خلق الله ذلك لم توجد فالثمر بعد جميع ما يظن الظان أنه سبب وجوده ليس إلا بالله تعالى وإرادته فهي ثمره، ويحتمل أن يعود إلى النخيل وترك الأعناب لحصول العلم بأنها في حكم النخيل ويحتمل أن يقال هو راجع إلى المذكور أي من ثمر ما ذكرنا، وهذان الوجهان نقلهما الزمخشري، ويحتمل وجهًا آخر أغرب وأقرب وهو أن يقال المراد من الثمر الفوائد يقال ثمرة التجارة الربح ويقال ثمرة العبادة الثواب، وحينئذٍ يكون الضمير عائدًا إلى التفجير المدلول عليه بقوله: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون} تفجيرًا ليأكلوا من فوائد ذلك التفجير وفوائده أكثر من الثمار بل يدخل فيه ما قال الله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الماء صَبًّا} [عبس: 25] إلى أن قال: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وفاكهة وَأَبًّا} [عبس: 27 31] والتفجير أقرب في الذكر من النخيل، ولو كان عائدًا إلى الله لقال من ثمرنا كما قال {وجعلنا} {وفجرنا}.
المسألة الثالثة:
ما في قوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ} من أي الماءات هي؟ نقول فيها وجوه أحدها: نافية كأنه قال: وما عملت التفجير أيديهم بل الله فجر وثانيها: موصولة بمعنى الذي كأنه قال والذي عملته أيديهم من الغراس بعد التفجير يأكلون منه أيضًا ويأكلون من ثمر الله الذي أخرجه من غير سعي من الناس، فعطف الذي عملته الأيدي على ما خلقه الله من غير مدخل للإنسان فيها وثالثها: هي مصدرية على قراءة من قرأ {وما عملت} من غير ضمير عائد معناه ليأكلوا من ثمره وعمل أيديهم يعني يغرسون والله ينبتها ويخلق ثمرها فيأكلون مجموع عمل أيديهم وخلق الله، وهذا الوجه لا يمكن على قراءة من قرأ مع الضمير.
المسألة الرابعة:
على قولنا ما موصولة، يحتمل أن يكون بمعنى وما عملته أي بالتجارة كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما، وهما الزراعة والتجارة، ومن النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعنب والتمر وغيرهما ومنه ما يعمل فيه عمل صنعة فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة أو كالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح، ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله: {أَفلاَ يَشْكُرُونَ} وذكر بصيغة الاستفهام لما بينا من فوائد الاستفهام فيما تقدم.
{سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)}.
قد ذكرنا أن لفظة سبحان علم دال على التسبيح وتقديره سبح تسبيح الذي خلق الأزواج كلها، ومعنى سبح نزه، ووجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه تعالى لما قال: {أَفلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 35] وشكر الله بالعبادة وهم تركوها ولم يقتنعوا بالترك بل عبدوا غيره وأتوا بالشرك فقال: سبحان الذي خلق الأزواج وغيره لم يخلق شيئًا فقال أو نقول، لما بين أنهم أنكروا الآيات ولم يشكروا بين ما ينبغي أن يكون عليه العاقل فقال: {سبحان الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا} أو نقول لما بين الآيات قال: سبحان الذي خلق ما ذكره عن أن يكون له شريك أو يكون عاجزًا عن إحياء الموتى وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قوله: {كُلَّهَا} يدل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن الزوج هو الصنف وأفعال العباد أصناف ولها أشباه هي واقعة تحت أجناس الأعراض فتكون من الكل الذي قال الله فيها إنه خلق الأزواج كلها، لا يقال مما تنبت الأرض، يخرج الكلام عن العموم لأن من قال أعطيت زيدًا كل ما كان لي يكون للعموم إن اقتصر عليه، فإذا قال بعده من الثياب لا يبقى الكلام على عمومه لأنا نقول ذلك إذا كانت من لبيان التخصيص، أما إذا كانت لتأكيد العموم فلا، بدليل أن من قال أعطيته كل شيء من الدواب والثياب والعبيد والجواري يفهم منه أنه يعدد الأصناف لتأكيد العموم ويؤيد هذا قوله تعالى في حم: {الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12] من غير تقييد.
المسألة الثانية:
ذكر الله تعالى أمورًا ثلاثة ينحصر فيها المخلوقات فقوله: {مِمَّا تُنبِتُ الأرض} يدخل فيها ما في الأرض من الأمور الظاهرة كالنبات والثمار وقوله: {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} يدخل فيها الدلائل النفسية وقوله: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} يدخل ما في أقطار السموات وتخوم الأرضين وهذا دليل على أنه لم يذكر ذلك للتخصيص بدليل أن الأنعام مما خلقها الله والمعادن لم يذكرها وإنما ذكر الأشياء لتأكيد معنى العموم كما ذكرنا في المثال.
المسألة الثالثة:
قوله: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} فيه معنى لطيف وهو أنه تعالى إنما ذكر كون الكل مخلوقًا لينزه الله عن الشريك فإن المخلوق لا يصلح شريكًا للخلق، لكن التوحيد الحقيقي لا يحصل إلا بالاعتراف بأن لا إله إلا الله، فقال تعالى اعلموا أن المانع من التشريك فيما تعلمون وما لا تعلمون لأن الخلق عام والمانع من الشركة الخلق فلا تشركوا بالله شيئًا مما تعلمون فإنكم تعلمون أنه مخلوق ومما لا تعلمون فإنه عند الله كله مخلوق لكون كله ممكنًا. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا}.
نبَّههم الله تعالى بهذا على إحياء الموتى، وذكَّرهم توحيده وكمال قدرته، وهي الأرض الميتة أحياها بالنبات وإخراج الحبّ منها.
{فَمِنْهُ} أي من الحب {يَأْكُلُونَ} وبه يتغذَّون.
وشدّد أهل المدينة {الْمَيْتَةُ} وخفف الباقون، وقد تقدّم.
{وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض.
{جَنَّاتٍ} أي بساتين.
{مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} وخصصهما بالذكر؛ لأنهما أعلى الثمار.
{وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون} أي في البساتين.
{لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} الهاء في {ثمرِهِ} تعود على ماء العيون؛ لأن الثمر منه اندرج؛ قاله الجرجاني والمهدوي وغيرهما.
وقيل: أي ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا؛ كما قال: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل: 66].
وقرأ حمزة والكسائي: {مِن ثُمُرِهِ} بضم الثاء والميم وفتحهما الباقون.
وعن الأعمش ضم الثاء وإسكان الميم.
وقد مضى الكلام فيه في الأنعام.
{وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} ما في موضع خفض على العطف على {مِنْ ثَمَرِهِ} أي ومما عملته أيديهم.
وقرأ الكوفيون: {وَمَا عَمِلَتْ} بغير هاءٍ.
الباقون {عَمِلَته} على الأصل من غير حذف.
وحذف الصلة أيضًا في الكلام كثير لطول الاسم.
ويجوز أن تكون ما نافية لا موضع لها فلا تحتاج إلى صلة ولا راجع.
أي ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله لهم.
وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل.
وقال غيرهم: المعنى ومِن الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة، ومما اتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون.
وقيل: يرجع ذلك إلى ما يغرسه الناس.
روي معناه عن ابن عباس أيضًا.
{أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} نعمه.
قوله تعالى: {سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا} نزّه نفسه سبحانه عن قول الكفار؛ إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه وآثار قدرته.
وفيه تقدير الأمر؛ أي سبِّحوه ونزِّهوه عما لا يليق به.
وقيل: فيه معنى التعجب؛ أي عجبًا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات؛ ومَن تعجب من شيء قال: سبحان الله! والأزواج الأنواع والأصناف؛ فكل زوج صنف؛ لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر، فاختلافها هو ازدواجها.
وقال قتادة: يعني الذكر والأنثى.
{مِمَّا تُنبِتُ الأرض} يعني من النبات؛ لأنه أصناف.
{وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} يعني وخلق منهم أولادًا أزواجًا ذكورًا وإناثًا.
{وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض.
ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة.
ويجوز ألا يعلمه مخلوق.
ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرَك به. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَءايَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة}.
يالتَّخفيفِ وقُرئ بالتَّشديدِ. وقوله تعالى {آيةٌ} خبرٌ مقدَّمٌ للاهتمامِ به وتنكيرُها للتفخيم ولهم إمَّا متعلِّقةٌ بها لأنَّها بمعنى العلامةِ أو بمضمرٍ هو صفة لها والأرضُ مبتدأٌ والميتةُ صفتُها. وقوله تعالى: {أحييناها} استئنافٌ مبيّن لكيفَّيةِ كونها آيةً وقيل آيةٌ مبتدأٌ ولهم خبرٌ والأرضُ الميتةُ مبتدأ موصوف وأحييناها خبره، والجملة مفسِّرة لآية. وقيل: الإرض مبتدأ وأحييناها خبرُه والجملةُ خبرٌ لآيةٌ وقيل: الخبرُ لها هو الأرضُ وأحييناها صفتُها لأنَّ المرادَ بها الجنسُ لا المعيِّنة والأوَّلُ هو الأَولى لأنَّ مصبَّ الفائدةِ هو كونُ الأرضِ آيةً لهم لا كونُ الآيةِ هي الأرضُ.
{وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا} جنس الحبِّ {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} تقديم الصِّلةِ للدِّلالةِ على أنَّ الحبَّ معظم ما يُؤكل ويُعاش به.
{وَجَعَلْنَا فِيهَا جنات مّن نَّخِيلٍ وأعناب} أي من أنواعِ النَّخلِ والعنبِ ولذلك جُمعا دون الحبِّ فإنَّ الدّالّ على الجنسِ مشعرٌ بالاختلافِ ولا كذلك الدَّالُّ على الأنواعِ. وذكرُ النَّخيلِ دُون التُّمور ليطابقَ الحبَّ والأعنابَ لاختصاص شجرها بمزيدِ النَّفعِ وآثار الصُّنعِ {وَفَجَّرْنَا فِيهَا} وقُرئ بالتَّخفيفِ والفجرُ والتَّفجيرُ كالفتح والتفتيح لفظًا ومعنى {مِنَ العيون} أي بعضًا من العُيون فحذف الموصوفُ وأقيمتِ الصِّفةُ مقامَه أو العيون ومن مزيدةٌ على رأي الأخَفْشِ.
{لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرَهِ} متعلِّقٌ بجعلنا وتأخيرُه عن تفجير العُيُون لأنَّه من مبادىءِ الأثمارِ أي وجعلنا فيها جنَّاتٍ من نخيلٍ ورتبنا مبادىء أثمارِها ليأكُلوا من ثمرِ ما ذُكر من الجنَّاتِ والنَّخيلِ بإجراء الضَّميرِ مجرى اسمِ الإشارةِ وقيل: الضَّميرُ لله تعالى بطريقِ الالتفاتِ إلى الغَيبةِ. والإضافةُ لأنَّ الثَّمرَ يخلقُه تعالى. وقُرئ بضمَّتينِ وهي لغةٌ فيه أو جمع ثمارٍ وبضمَّةٍ وسكونٍ {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} عطفٌ على ثمرِه وهو ما يُتَّخذُ منه من العصير والدِّبس ونحوهما، وقيل: ما نافيةٌ والمعنى أن التمر بخلق الله تعالى لا بفعلهم ومحلُّ الجملة النَّصبُ على الحاليةِ ويؤكد الأوَّلَ قراءةُ عملتُ بلا هاءٍ فإنَّ حذفَ العائدِ من الصِّلةِ أحسنُ من الحذفِ من غيرِها {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} إنكارٌ واستقباحٌ لعدم شكرِهم للنِّعم المعدودةِ والفاء للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أيرون هذه النِّعمَ أو أيتنعمون بها فلا يشكرونَها.
{سُبْحَانَ الذي خَلَق الازواج كُلَّهَا} استئنافٌ مسوقٌ لتنزيهه تعالى عمّا فعلوه من ترك شكره على آلائه المذكورة واستعظام ما ذُكر في حيِّزِ الصِّلةِ من بدائعِ آثارِ قُدرتِه وأسرارِ حكمتِه وروائعِ نعمائِه الموجبةِ للشُّكرِ وتخصيصِ العبادةِ به والتَّعجيب من إخلالِهم بذلك والحالةُ هذه وسبحانَ علمٌ للتَّسبيحِ الذي هو التَّبعيدُ عن السُّوءِ اعتقادًا وقولًا أي اعتقادَ البُعد عنه والحكم به من سَبَح في الأرضِ والماءِ إذا أبعد فيهما وأمعنَ ومنه فرسٌ سبوحٌ أي واسعُ الجري. وانتصابُه على المصدريّةِ ولا يكاد يذكر ناصبُه أي أسبِّح سبحانَه أي أنزهه عمَّا لا يليقُ به عقْدًا وعملًا تنزيهًا خاصَّا به حقيقًا بشأنِه وفيه مبالغةٌ من جهةِ الاشتقاقِ من السَّبحِ ومن جهة النَّقلِ إلى التَّفعيلِ ومن جهة العدولِ عن المصدرِ الدَّالِ على الجنسِ إلى الاسمِ الموضوع له خاصَّة لاسيما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقةِ الحاضرةِ في الذِّهنِ ومن جهة إقامتهِ مقامَ المصدرِ مع الفعلِ وقيل: هو مصدرٌ كغفرانِ أُريد به التَّنزه التَّام والتَّباعد الكُلِّيُ عن السُّوءِ ففيه مبالغةٌ من جهةِ إسنادِ التَّنزه إلى الذَّاتِ المُقدَّسةِ فالمعنى تنزه بذاتِه عن كلِّ ما لا يليقُ به تنزُّهًا خاصَّا به فالجملةُ على هذا إخبارٌ من الله تعالى بتنزهِه وبراءتِه عن كلَّ ما لا يليقُ به مَّما فعلُوه وما تركُوه وعلى الأوَّلِ حكم منه عزَّ وجلَّ بذلك وتلقين للمؤمنين أنْ يفعلُوه ويعتقدُوا مضمونَه ولا يُخلُّوا به ولا يغفلُوا عنه. والمرادُ بالأزواجِ الأصنافُ والأنواعُ {مِمَّا تُنبِتُ الأرض} بيانٌ لها والمرادُ به كلُّ ما ينبتُ فيها من الأشياءِ المذكورةِ وغيرها {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} أي خلقَ الأزواجَ من أنفسِهم أي الذَّكرَ والأُنثى {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي والأزواجَ مما لم يُطلعهم الله تعالى على خُصوصيَّاتهِ لعدمِ قُدرتِهم على الاحاطةِ بها ولمَّا لم يتعلَّق بذلك شيءٌ من مصالحِهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ وإنما أطلعَهم على ذلك بطريقِ الإجمالِ على منهاجِ قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} لمَا نيطَ به وقوفُهم على عظمِ قدرتِه وسعةِ مُلكهِ وسلطانِه. اهـ.