فصل: من فوائد ابن العربي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد ابن العربي في الآية:

قال رحمه الله:
قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي نَسْخِهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ} وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَوْلًا، كَمَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ؛ قَالَهُ الْأَكْثَرُ.
الثَّانِي: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ.
وَالْأَصَحُّ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّل كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي الْقِسَمِ الثَّانِي مِنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ عَلَى وَجْهِ نُكْتَتِهِ عَلَى مَا رَوَى الْأَئِمَّةُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبْهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي؛ لَا أُغَيِّرَ مِنْهُ شَيْئًا عَنْ مَكَانِهِ، وَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «قَالَ لِلْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ حِينَ قُتِلَ زَوْجُهَا: اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» فَتَقَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَتْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا وَبَيْنَ أَنْ تَبْقَى بِآيَةِ الْإِخْرَاجِ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْآيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّرَبُّصُ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ لِلْفُرَيْعَةِ بِالْمُكْثِ فِي بَيْتِهَا؛ فَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلسُّكْنَى لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قُرْآنًا وَسُنَّةً.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَذَا لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ:
وَمَعْنَاهُ أَيْضًا مَعْنَى الْخَبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الْمَعْنَى: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} يَعْنِي شَرْعًا؛ فَمَا وُجِدَ مِنْ مُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَمْ تَتَرَبَّصْ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الشَّرْعِ فَجَرَى الْخَبَرُ عَلَى لَفْظِهِ، وَثَبَتَ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى صِدْقِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّرَبُّصِ بِالْقُرْءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: التَّرَبُّصُ:
هُوَ الِانْتِظَارُ، وَمُتَعَلَّقُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: النِّكَاحُ، وَالطِّيبُ وَالتَّنَظُّفُ، وَالتَّصَرُّفُ وَالْخُرُوجُ.
أَمَّا النِّكَاحُ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِلَحْظَةٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ.
الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الطُّهْرِ مِنْ النِّفَاسِ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَدْ كَانَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ظَاهِرًا لَوْلَا حديث: «سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ حَلَلْت، فَانْكِحِي مَنْ شِئْت» صَحَّتْ رِوَايَةُ الْأَئِمَّةِ لَهُ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَمَا صَحَّ رَأْيُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ الْأَجَلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ إذَا وُضِعَ فَقَدْ سَقَطَ الْأَجَلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَسَقَطَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لِأَجَلِهِ الْأَجَلُ، وَهُوَ مَخَافَةُ شَغْلِ الرَّحِمِ؛ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْأَشْهُرِ؟ وَإِذَا تَمَّتْ الْأَشْهُرُ وَبَقِيَ الْحَمْلُ فَلَيْسَ يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّهَا تَحِلُّ؛ وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ حَدِيثَ سُبَيْعَةَ جَلَاءٌ لِكُلِّ غُمَّةٍ، وَعَلَا عَلَى كُلِّ رَأْيٍ وَهِمَّةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فَيَرُدُّهُ قَوْله تَعَالَى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَلَمْ يَشْتَرِطْ الطَّهَارَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} الْمُطَلَّقَاتُ؛ لِأَنَّهُ فِيهِنَّ وَرَدَ، وَعَلَى ذِكْرِهِنَّ انْعَطَفَ.
قُلْنَا: عَطْفُهُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ لَا يُسْقِطُ عُمُومَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْحِكْمَةِ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ مِنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَأَنَّهَا قَدْ وُجِدَتْ قَطْعًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: عدة أقصى الأجلين:
قَدْ يَزْدَحِمُ عَلَى الرَّحِمِ وَطْآنِ فَتَكُونُ الْعِدَّةُ فِيهِمَا أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ.
فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا الْمَنْعِيُّ لَهَا يَقْدَمُ ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الثَّانِي؛ فَلابد مِنْ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَدِمَ وَهِيَ حَامِلٌ فَطَلَّقَهَا الْأَوَّلُ فَلَا يُبْرِئُهَا الْوَضْعُ، وَلْتَأْتَنِفْ ثَلَاثَ حِيَضٍ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَمْرٌ بَيِّنٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَمَّا الطِّيبُ وَالزِّينَةُ:
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ لَهَا احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «قَالَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ حِينَ مَاتَ جَعْفَرٌ: أَمْسِكِي ثَلَاثًا، ثُمَّ افْعَلِي مَا بَدَا لَك» وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ.
رَوَى الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ: إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتُكْحِلُهُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ».
قَالَتْ زَيْنَبُ: وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا لَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَدَخَلَتْ حِفْشًا فَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّ مَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ أَسْمَاءَ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّ التَّسَلُّبَ هُوَ لِبَاسُ الْحُزْنِ، وَهُوَ مَعْنًى غَيْرُ الْإِحْدَادِ.
وَأَمَّا الْخُرُوجُ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: خُرُوجُ انْتِقَالٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ آيَةَ الْإِخْرَاجِ لَمْ تُنْسَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
الثَّانِي: خُرُوجُ الْعِبَادَةِ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: يَحْجُجْنَ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ: لَا يَحْجُجْنَ؛ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرُدُّ الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ الْبَيْدَاءِ يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ؛ فَرَأْيُ عُمَرَ فِي الْخُلَفَاءِ وَرَأْيُ مَالِكٍ فِي الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ عُمُومَ فَرْضِ التَّرَبُّصِ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى عُمُومِ زَمَانِ فَرْضِ الْحَجِّ، لاسيما إنْ قُلْنَا إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي.
وَإِنْ قُلْنَا عَلَى الْفَوْرِ فَحَقُّ التَّرَبُّصِ آكَدُ مِنْ حَقِّ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعِدَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ لِلْآدَمِيِّ فِي صِيَانَةِ مَائِهِ وَتَحْرِيرِ نَسَبِهِ؛ وَحَقُّ الْحَجِّ خَاصٌّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ.
الثَّالِثُ: خُرُوجُهَا بِالنَّهَارِ لِلتَّصَرُّفِ وَرُجُوعُهَا بِاللَّيْلِ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ، وَيَكُونُ خُرُوجُهَا فِي السَّحَرِ وَرُجُوعُهَا عِنْدَ النَّوْمِ، فَرَاعُوا الْمَبِيتَ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ السُّكْنَى وَمَقْصُودُهُ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ حَقِيقَةُ الْمَأْوَى.
فَإِنْ قِيلَ، وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لَمْ يَرَ أَحَدٌ مَبِيتَ لَيْلَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ سُكْنَى لِلْبَائِتِ حَيْثُ بَاتَ:
لَمْ يَرَ أَحَدٌ مَبِيتَ لَيْلَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ سُكْنَى لِلْبَائِتِ حَيْثُ بَاتَ، وَلَا خُرُوجًا عَنْ السُّكْنَى، فَمَا بَالُهُمْ فِي الْعِدَّةِ قَالُوا: خُرُوجُ لَيْلَةٍ خُرُوجٌ؟ قُلْنَا: الْمَعْنَى فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ حَقَّ الْخُرُوجِ مُتَعَلَّقُ الْمَبِيتِ فَاحْتِيطَ لَهُ، وَالْحَيُّ يَحْمِي شَوْلَهُ مَعْقُولًا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: في عموم الآية:
الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُتَزَوِّجَةٍ، مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ، أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ، حَامِلٍ أَوْ غَيْرِ حَامِلٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهِيَ خَاصَّةٌ فِي الْمُدَّةِ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَتَعْتَدُّ نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ إجْمَاعًا، وَإِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ الْأَصَمِّ فَإِنَّهُ سَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَقَدْ سَبَقَهُ الْإِجْمَاعُ، لَكِنْ لِصَمَمِهِ لَمْ يَسْمَعْ بِهِ، وَإِذَا انْتَصَفَ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ، وَهُوَ مَالِكٌ، وَرَأَيْت لِغَيْرِهِ مَا لَمْ أَرْضَ أَنْ أَحْكِيَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: المعتبر في انقضاء العدة:
إذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَمَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ انْقَضَتْ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِ عَلِمَتْ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ.
وَقَالَ نَحْوًا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيُّ إنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ بِبَيِّنَةٍ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ عِبَادَةٌ بِتَرْكِ الزِّينَةِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِقَصْدٍ، وَالْقَصْدُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، يُؤَكِّدُهُ أَنَّهَا لَوْ عَلِمَتْ بِمَوْتِهِ فَتَرَكَتْ الْإِحْدَادَ لَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ؛ فَإِذَا تَرَكَتْ الْإِحْدَادَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ فَهُوَ أَهْوَنُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّغِيرَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا وَلَا إحْدَادَ عَلَيْهَا.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: العدة بالأشهر:
إنْ لَمْ تَحِضْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَا عِدَّةَ لَهَا عِنْدَنَا فِي أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْحَيْضِ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ تَأْخِيرَ الْحَيْضِ رِيبَةٌ تُوجِبُ أَنْ تَسْتَظْهِرَ لَهُ، إلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ بِتَأْخِيرِ الْحَيْضِ وَلَمْ تَخْشَ رِيبَةً بَقِيَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَفَاتِهِ.
وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِظْهَارِ عِنْدَنَا تَكُونُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: عدة الكتابية:
إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ كِتَابِيَّةً فَلِمَالِكٍ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَالْمُسْلِمَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ؛ إذْ بِهَا يَبْرَأُ الرَّحِمُ؛ وَهَذَا مِنْهُ فَاسِدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ عُمُومِ آيَةِ الْوَفَاةِ، وَهِيَ مِنْهَا، وَأَدْخَلَهَا فِي عُمُومِ آيَةِ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا.
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فِي تَنْزِيلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ:
اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْعِدَّةِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ مِنْ مَاءِ الزَّوْجِ؛ فَامْتِنَاعُ النِّكَاحِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْمَاءِ الْوَاجِبِ صِيَانَتُهُ أَوَّلًا.
وَامْتِنَاعُ عَقْدِ النِّكَاحِ إنَّمَا هُوَ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِهِ شَرْعًا عَلَى مَحِلِّ لَا يُفِيدُ مَقْصُودَهُ فِيهِ وَهُوَ الْحِلُّ.
وَامْتِنَاعُ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيه، فَقَطَعَتْ الذَّرِيعَةَ إلَيْهِ بِمَنْعِ مَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ.
وَامْتِنَاعُ الْخِطْبَةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَالتَّصْرِيحَ بِهِ أَقْوَى ذَرِيعَةً وَأَشَدُّ دَاعِيَةً مِنْ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ، فَحُرِّمَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَامْتِنَاعُ الْخُرُوجِ لِبَقَاءِ الرَّقَبَةِ الْمُوجِبِ غَايَةَ الْحَفِيظَةِ وَالْعِصْمَةِ.
وَحَقُّ أَمْرِ السُّكْنَى لِكَوْنِهِ فِي الدَّرَجَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ الْحُرْمَةِ، فَأَسْقَطَ وُجُوبَهُ أَحْبَارٌ مِنْ الْأُمَّةِ، ثُمَّ رَخَّصَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّعْرِيضِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}:
يَعْنِي انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ.
هَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَبَيَانُ أَنَّ الْحَقَّ فِي التَّزْوِيجِ لَهُنَّ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أَيْ مِنْ جَائِزٍ شَرْعًا، يُرِيدُ مِنْ اخْتِيَارِ أَعْيَانِ الْأَزْوَاجِ، وَتَقْدِيرِ الصَّدَاقِ دُونَ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْأَوْلِيَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ دُونَ وَضْعِ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَفِيهِ الضَّرَرُ وَإِدْخَالُ الْعَارِ. اهـ.

.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ}، أي: يموتون من رجالكم: {وَيَذَرُونَ}، أي: يتركون: {أَزْوَاجًا} بعد الموت: {يَتَرَبَّصْنَ}، أي: ينتظرن: {بِأَنفُسِهِنَّ} في العدة: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} يعني عشرة أيام: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}، أي: انقضت عدتهن: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، أي: على الأولياء في تركهن: {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ} من التعرض للخطاب والتزين: {بِالْمَعْرُوفِ}، أي: بوجه لا ينكره الشرع. وفيه إشارة إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرع، فعليهم أن يكفوهن عن ذلك. وإلا فعليهم الجناح: {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
اعلم أن في هذه الآية مسائل:
الأولى: خص من عموم الآية الحامل المتوفى عنها زوجها، فإن عدتها بوضع الحمل لقوله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] ولما في الصحيحين عن سبيعة الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة- وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرًا- فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل. فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجمّلت للخطّاب. فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك- رجل من بني عبد الدار- فقال: ما لي أراك تجمّلت للخطّاب، لعلك ترجين النكاح؟ وإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حتى أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي. وأمرني بالتزويج إن بدا لي. وفيه قال ابن شهاب: ولا أرى بأسًا بأن تتزوج حين وضعت، وإن كانت دمها، غير أنه لا يقربها حتى تطهر.
الثانية: المراد من تربصها بنفسها: الامتناع عن النكاح، والامتناع عن التزين، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه. فالأول مجمع عليه.
والثاني: روي فيه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش وعائشة- أمهات المؤمنين- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة وأشهر وعشرًا». متفق عليه. وعن أم سلمة أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: لا. كل ذلك يقول: لا. مرتين أو ثلاثًا- ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة». متفق عليه.
وعن نافع: أن صفية بنت عبد الله اشتكت عينها- وهي حادّ على زوجها ابن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان، أخرجه مالك في الموطأ.
وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلبس المتوفى عنها زوجها، المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل ولا تطيب». أخرجه أبو داود والممشقة: المصبوغة بالمشق وهي: المغرة.
وقد استنبط بعضهم وجوب الإحداد من قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ}، أي: من زينة وتطيب- كما قدمنا- فيفيد تحريم ذلك في العدة وهو الإحداد.
وأما الامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي فيه زوجها: فروى فيه أحمد وأهل السنن حديث فريعة بنت مالك قالت: خرج زوجي في طلب أعلاج له فأدركهم في طريق القدوم فقتلوه، فأتى نعيه وأنا في دار شاسعة عن دار أهلي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة عن أهلي، ولم يدع نفقة ولا مالًا ورثته وليس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني؟ قال: تحولي، فلما خرجتُ إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني- أو أمر بي فدعيت- فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا. وفي بعض ألفاظه: أنه أرسل إليها عثمان بعد ذلك فأخبرته، فأخذ به. وقد أُعِلّ هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به.
الثالثة: أكثر الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداء بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة، فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول، بل هو توفيقي. وذهب مجاهد إلى أنهما محكمتان. كما سيأتي بيانه.
الرابعة: أبدى المهايمي الحكمة في تحديد عدة المتوفى عنها بهذا القدر، فقال: لئلا يتعارض في قلبها حب المتوفى وحب الجديد، فأخذت مدة صبرها- وهو أربعة أشهر- وزيد عليه العشر، إذ بذلك ينقطع صبرها فتميل إلى الجديد ميلًا كليًا، فينقطع عن قلبها حب المتوفى، على أنه يظهر في حق المدخول بها حركة الحمل إذ تكون بعد أربعة أشهر، لكنها تبتدئ ضعيفة وتتقوى بمضي عشر أخر. ثم قال: ولم يكتف بالأقراء الدالة على عدمه ههنا، بخلاف الفراق حال الحياة، لأن الفراق الاختياري شاهد عدمه مع شهادة الأقراء، فثمة شاهدان، وهاهنا واحد، وعدم الحركة بعد هذه المدة يقوي شهادة الأول فيكون كالشاهد مع اليمين. اهـ.