فصل: شبهتان في قصة داود عليه السلام والجواب عنهما:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد عن صفوان بن محرز قال: كان لداود عليه السلام يوم يتأوّه فيه يقول: أوه من عذاب الله، أوه من عذاب الله، أوه من عذاب الله، قيل لا أوه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أوحى الله إلى داود عليه السلام: ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال: يا رب كيف تكون هذه المغفرة وأنت قضاء بالحق، ولست بظلام للعبيد؟ ورجل ظلمته، غصبته، قتلته، فأوحى الله تعالى إليه: بلى يا داود إنكما تجتمعان عندي، فاقضي له عليك، فإذا برز الحق عليك أستوهبك منه، فوهبك لي وأرضيته من قبلي، وأدخلته الجنة، فرفع داود رأسه، وطابت نفسه، وقال: نعم. يا رب هكذا تكون المغفرة».
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير عن مجاهد قال: لما أصاب داود الخطيئة {خر ساجدًّا} أربعين ليلة، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه، ثم نادى رب قرح الجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء. فنودي أجائع فَتُطعَم؟ أم مريض فتشفى؟ أم مظلوم فتنصر؟ فنحب نحبًا هاج منه نبت الوادي كله، فعند ذلك غفر له، وكان يؤتى بالاناء، فيشرب فيذكر خطيئته، فينتحب فتكاد مفاصله تزول بعضها من بعض، فما يشرب بعض الاناء حتى يمتلىء من دموعه، وكان يقال دمعة داود عليه السلام تعدل دمعة الخلائق، ودمعة آدم عليه السلام تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق، فيجيء يوم القيامة مكتوبة بكفه يقرأها يقول: ذنبي ذنبي.. فيقول رب قدمني، فيتقدم فلا يأمن، ويتأخر فلا يأمن، حتى يقول تبارك وتعالى: خذ بقدمي.
وأخرج أحمد في الزهد عن علقمة بن يزيد قال: لو عدل بكاء أهل الأرض ببكاء داود ما عدله، ولو عدل بكاء داود وبكاء أهل الأرض ببكاء آدم عليه السلام حين أهبط إلى الأرض ما عدله.
وأخرج أحمد عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، أن داود عليه السلام كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام، واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي {ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6].
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن جرير عن عطاء الخراساني أن داود عليه السلام نقش خطيئته في كفه لكيلا ينساها، وكان إذا رآها اضطربت يداه.
وأخرج عن مجاهد قال: يحشر داود عليه السلام. سبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليَّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إليَّ روحي، سبحانك إلهي! فكلهم رآني عليل بذنبي.
وأخرج أحمد عن ثابت قال: اتخذ داود عليه السلام سبع حشايا من سعد، وحشاهن من الرماد، ثم بكى حتى أنفذها دموعًا، ولم يشرب شرابًا إلا مزجه بدموع عينيه.
وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال: بكى داود عليه السلام حتى خددت الدموع في وجهه، واعتزل النساء، وبكى حتى رعش.
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: إذا خرج داود عليه السلام من قبره، فرأى الأرض نارًا، وضع يده على رأسه وقال: خطيئتي اليوم موبقتي.
وأخرج عن عبد الرحمن بن جبير، أن داود عليه السلام كان يقول: اللهم ما كتبت في هذا اليوم من مصيبة، فخلصني منها ثلاث مرات، وما أنزلت في هذا اليوم من خير، فائتني منه نصيبًا ثلاث مرات، وإذا أمسى قال مثل ذلك، فلم ير بعد ذلك مكروهًا.
وأخرج أحمد عن معمر؛ أن داود عليه السلام لما أصاب الذنب قال: رب كنت أبغض الخطائين، فانا اليوم أحب أن تغفر لهم.
وأخرج عبد الله ابنه والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سعيد بن أبي هلال. أن داود عليه السلام كان يعوده الناس، وما يظنون إلا أنه مريض، وما به إلا شدة الفرق من الله سبحانه وتعالى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: كان داود عليه السلام إذا أفطر استقبل القبلة. وقال: اللهم خلصني من كل مصيبة نزلت من السماء ثلاثًا، وإذا طلع حاجب الشمس قال: اللهم اجعل لي سهمًا في كل حسنة نزلت الليلة من السماء إلى الأرض ثلاثًا.
وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه قال: في السجود في {ص} ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.
وأخرج النسائي وابن مردويه بسند جيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في {ص} وقال: «سجدها داود، ونسجدها شكرًا».
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن العوام قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ {ومن ذريته داود وسليمان} [الأنعام: 84] إلى قوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجد بها داود عليه السلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يسجد في ص حتى نزلت {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] فسجد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وأخرج الترمذي وابن ماجة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي عند شجرة، وكأني قرأت سورة السجدة، فسجدت فرأيت الشجرة سجدت بسجودي، وكأني أسمعها وهي تقول اللهم اكتب لي بها عندك ذكرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها إليّ عندك ذخرًا، وأعظم بها أجرًا، وتقبل مني كما تقبلت من عبدك داود. قال ابن عباس فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم السجدة، فسمعته يقول في سجوده كما أخبر الرجل عن قول الشجرة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ص.
وأخرج ابن مردويه عن السائب بن يزيد قال: صليت خلف عمر الفجر فقرأ بنا سورة ص فسجد فيها، فلما قضى الصلاة قال له رجل: يا أمير المؤمنين ومن عزائم السجود هذه؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.
أخرج ابن مردويه عن أنس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ص.
وأخرج الدارمي وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة، نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان آخر يوم قرأها، فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود فقال: «إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود، فنزل فسجد».
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة ص وهو على المنبر، فلما أتى على السجدة قرأها، ثم نزل فسجد.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير، أن عمر بن الخطاب كان يسجد في ص.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: في ص سجدة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن مسعود، أنه كان لا يسجد في ص ويقول: إنما هي توبة نبي ذكرت.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال: كان بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في ص وبعضهم لا يسجد، فأي ذلك شئت فافعل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مريم قال: لما قدم عمر الشام أتى محراب داود عليه السلام، فصلى فيه، فقرأ سورة ص فلما انتهى إلى السجدة سجد.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد، أنه رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما انتهى إلى التي يسجد بها، رأى الدواة، والقلم، وكل شيء بحضرته انقلب ساجدًّا، فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يسجد بها بعد.
وأخرج أبو يعلى عن أبي سعيد قال: رأيت فيما يرى النائم كأني تحت شجرة، وكأن الشجرة تقرأ ص فلما أتت على السجدة، سجدت فقالت في سجودها: «اللهم اغفر لي بها، اللهم حط عني بها وزرًا، واحدث لي بها شكرًا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته» فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال «سجدت أنت يا أبا سعيد؟ فقلت: لا فقال: أنت أحق بالسجود من الشجرة» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ص ثم أتى على السجدة، وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها.
وأخرج الطبراني والخطيب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السجدة التي في ص سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا».
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في سفره وهو يقرأ ص فسجد فيها.
{فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)} أخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار في قوله: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال: مقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول الرب جل وعلا يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا فيقول: يا رب كيف وقد سلبته؟ فيقول: إني راده عليك اليوم، فيندفع بصوت يستفز نعيم أهل الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب أنه قال: {وإن له عندنا لزلفى} أول الكائن يوم القيامة داود، وابنه عليهما السلام.
وأخرج عبد بن حميد عن السدي بن يحيى قال: حدثني أبو حفص رجل قد أدرك عمر بن الخطاب؛ أن الناس يصيبهم يوم القيامة عطش وحر شديد، فينادي المنادي داود، فيسقي على رؤوس العالمين، فهو الذي ذكر الله {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}.
وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر يوم القيامة، فعظم شأنه وشدته قال: «ويقول الرحمن لداود عليه السلام مر بين يدي فيقول داود: يا رب أخاف أن تدحضني خطيئتي. فيقول خذ بقدمي، فيأخذ بقدمه عز وجل، فيمر قال فتلك الزلفى التي قال الله {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}».
وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال: يدنو حتى يضع يده عليه.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه فغفرنا له ذلك الذنب {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال حسن: المنقلب.
وأخرج الحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه قال: يبعث داود عليه السلام يوم القيامة وخطيئته في كفه، فإذا رآها يوم القيامة لم يجد منها مخرجًا إلا أن يلجأ إلى رحمة الله تعالى، ثم يرى فيقلق. فيقال له: ههنا. فذلك قوله: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}. اهـ.

.شبهتان في قصة داود عليه السلام والجواب عنهما:

قال الفخر:
قصة داود عليه السلام:
وفيها شبهتان:
الأولى: قوله: {وهل أتاك نبأ الخصم} الآيات. فاعلم أن الذي أقطع به عدم دلالة هذه الآية على صدور الكبيرة من داود عليه السلام.
وبيانه من وجوه:
الأول: أن الذي حكاه المفسرون عن داود وهو أنه عشق أمرأة أوريا فاحتال حتى قتل زوجها فتزوجها لا يليق بالانبياء بل لو وصف به أفسق الملوك لكان منكرا.
الثاني: أن الدخول في دم أوريا أعظم من التزوج بامرأته فكيف ترك الله الذنب الاعظم واقتصر على ذكر الاخف؟
الثالث: أن السورة من أولها إلى آخرها في محاجة منكري النبوة فكيف يلائمها القدح في بعض أكابر الأنبياء بهذا الفسق القبيح؟
الرابع: أن الله تعالى وصف داود عليه السلام في ابتداء القصة بأوصاف حميدة. وذلك ينافى ما ذكروه في الحكاية بيان وصفه تعالى بأوصاف حميدة من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {ذا الأيد} والايد القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين، لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في الملوك الكفار، وما استحقوا بها مدحا، انما المستحق للمدح هو القوة في الدين.
الثاني: أنه لما ثبت كونه موصوفا بالقوة في الدين ولا معنى للقوة في الدين إلا العزم الشديد على أداء الواجبات واجتناب المحظورات فكان داود عليه السلام من أولى العزم.
وقد قال الله تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} وأمر محمدا عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بأولى العزم، فإذا كان داود عليه السلام من أولى العزم ما كان قد أمر محمدا بالاقتداء بداود عليه السلام. وهذه درجة لا توازيها درجة.
الثالث: أنه لما وصف بالقوة فأى قوة لمن لم يملك نفسه عن الفجور والقتل؟
الرابع: أنه وصفه بكونه أوابا. والأواب هو الرجاع والرجاع إلى ذكر الله يستحيل أن يكون مواظبا على أعظم الكبائر.
الخامس: قال: {سخرنا الجبال معه} الآيتين، أفترى أنه سخر له ليتخذه وسيلة إلى القتل والزنا؟ وقيل: إنه كان محرما عليه صيد كل شئ فكانت الطيور تأمنه، فكيف يجوز أن تأمنه الطير ولا يأمنه المسلم على زوجته؟
السادس: قوله: {وشددنا ملكه} ومحال أن يكون المراد منه شدة ملكه بالمال والعسكر مع كونه مسلما من طريق الدنيا لا من طريق الدين لأن ذلك سبيل الملوك الكفرة، لأن قوله: {وشددنا ملكه} عام في الدين والدنيا.
السابع: قوله: {وآتيناه الحكمة} والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغى علما وعملا، فكيف يجوز أن يقول الله {وآتيناه الحكمة} مع إصراره على ما يستنكفه أخبث الشياطين من مزاحمة أفضل أصحابه وأحبائه في الزوج والمنكوح فبان أن الله تعالى لما وصفه بهذه الصفة كان القول بما ذكروه من الفاحشة باطلا، إذ ما قبل تلك الصفة هي هذه الممادح، وما بعدها قوله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة} وهذا أيضا من أجل الممادح فلو توسطها ما يدل على أفحش المقابح لجرى ذلك مجرى قول من يقول فلان عظيم الدرجة في الدين على الرتبة في طاعة الله، يقتل ويزنى ويلوط وقد جعله الله تعالى خليفة لنفسه وصوبه في احكامه، وأمر أكابر الأنبياء بالاقتداء به فكما أن هذا الكلام لا يليق بعاقل فكذا هاهنا.