فصل: قال الماوردي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قوله تعالى: {فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير} يعني: آثرت حب المال {عَن ذِكْرِ رَبِى} يعني: عن الصلاة، وهي صلاة العصر {حتى تَوَارَتْ بالحجاب} يعني: حتى غابت الشمس، وهذا إضمار لما لم يسبق ذكره.
يعني: ذكر الشمس لأن في الكلام دليلًا فاكتفى بالإشارة عن العبارة.
قوله.
عز وجل {رُدُّوهَا عَلَىَّ} يعني: قال سليمان: ردوا الخيل عليّ، فردت عليه {فَطَفِقَ مَسْحًا بالسوق} يعني: يضرب السوق وهو جماعة الساق {والاعناق} وهو جمع العنق.
وروي عن إبراهيم النخعي قال: كانت عشرين ألف فرس.
وقال السدي: كانت خيل لها أجنحة.
وقال أبو الليث: يجوز أن يكون مراده في سرعة السير، كأن لها أجنحة.
وقال بعضهم: كانت الجن والشياطين أخرجتها من البحر.
وقال عامة المفسرين في قوله: {فَطَفِقَ مَسْحًا بالسوق والاعناق} يعني: فضرب سوقها، وأعناقها.
وقال بعضهم: لم يعقر ولكن جعل على سوقهن، وعلى أعناقهن، سمة وجعلها في سبيل الله.
قال: لأن التوبة لا تكون بأمر منكر.
ولكن الجواب عنه أن يقال له: يجوز أن يكون ذلك مباحًا في ذلك الوقت، وإنما أراد بذلك الاستهانة بمال الدنيا لمكان فريضة الله تعالى.
ثم قال عز وجل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان} ابتليناه {وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَدًا} يعني: شيطانًا.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن سليمان أمر بأن لا يتزوج إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل، فعاقبه الله تعالى.
فأخذ شيطان يقال له: صخر خاتمه، وجلس على كرسيه أربعين يومًا، وقد ذكرنا قصته في سورة البقرة {ثُمَّ أَنَابَ} يعني: رجع إلى ملكه، وأقبل على طاعة الله تعالى.
وقال الحسن في قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَدًا} قال: شيطانًا.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: سألت كعبًا عن قوله: {وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَدًا} قال: شيطانًا.
يعني: أخذ خاتم سليمان الذي فيه ملكه، فقذفه في البحر، فوقع في بطن سمكة، وانطلق سليمان يطوف، فتصدق عليه بسمكة، فشواها ليأكل، فإذا فيها خاتمه.
وقال وهب بن منبه: إن سليمان تزوج امرأة من أهل الكتاب، وكان لها عبد، فطلبت منه أن يجزرها لعبدها.
يعني: ينحر الجزور فأجزرها، فكره ذلك منه ثم ابتلي بالجسد الذي ألقي على كرسيه.
وروى معمر عن قتادة في قوله: {وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَدًا} قال: كان الشيطان جلس على كرسيه أربعين ليلة، حتى ردّ الله تعالى إليه ملكه.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَدًا} قال: شيطان يقال له صخر.
قال له سليمان يومًا: كيف تفتنون الناس؟ فقال له: أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه، نبذه في البحر، فذهب ملكه، وقعد صخر على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان، فلم يقربهن، فأنكرته أم سليمان، أهو سليمان أم آصف؟ فكان يقول: أنا سليمان.
فيكذبونه حتى أعطته امرأة يومًا حوتًا، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، ودخل صخر البحر فارًا.
وذكر شهر بن حوشب نحو هذا، وقال: لما جلس سليمان على سريره، بعث في طلب صخر، فأتي به، فأمر به، فقورت له صخرة، وأدخله فيها، ثم أطبق عليها، وألقاه في البحر، وقال: هذا سجنك إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: هذا التفسير الذي قاله هؤلاء الذين ذكروا أنه شيطان لا يصح، لأنه لا يجوز من الحكيم أن يسلط شيطانًا من الشياطين على أحكام المسلمين، ويجلسه على كرسي نبي من الأنبياء عليهم السلام ولكن تأويل الآية والله أعلم: أن سليمان كان له ابن، فجاء ملك الموت يومًا زائرًا لسليمان، فرآه ابنه فخافه، وتغيّر لونه، ومرض من هيبته، فأمر سليمان عليه السلام الريح بأن تحمل ابنه فوق السحاب ليزول ذلك عنه، فلما رفعته الريح فوق السحاب، ودنا أجله، فقبض ابنه، وألقي على كرسيه فذلك قوله: {وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَدًا} يعني: ابنه الميت.
قال: والدليل على ذلك أن الجسد في اللغة هو الميت الذي لا يأكل الطعام، والشراب، كالميت ونحوه.
وذكر أن سليمان جزع على ابنه، إذ لم يكن له إلا ابن واحد، فدخل عليه ملكان، فقال أحدهما: إن هذا مشى في زرعي فأفسده.
فقال له سليمان: لم مشيت في زرعه؟ فقال: لأن هذا الرجل زرع في طريق الناس، ولم أجد مسلكًا غير ذلك.
فقال سليمان للآخر: لم زرعت في طريق الناس، أما علمت أن الناس لابد لهم من طريق يمشون فيه؟ فقال لسليمان: صدقت.
لم ولدت على طريق الموت أما علمت أن ممر الخلق على الموت؟ ثم غابا عنه.
فاستغفر سليمان فذلك قوله: {ثُمَّ أَنَابَ} يعني: تاب ورجع إلى طاعة الله عز وجل.
قوله عز وجل: {قَالَ رَبّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا} أي: أعطني ملكًا {لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى} قال سعيد بن جبير: أعطني ملكًا لا تسلبه كما سلبت في المرة الأولى.
ويقال: إنما تمنى ملكًا لا يكون لأحد من بعده، حتى يكون ذلك معجزة له، وعلامة لنبوته.
{إِنَّكَ أَنتَ الوهاب} يعني: المعطي الملك.
قوله عز وجل: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ} وكان من قبل ذلك لم تسخر له الريح، والشياطين.
فلما دعا بذلك، سخرت له الريح والشياطين.
فقال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ} يعني: بأمر سليمان.
ويقال: بأمر الله تعالى: {رُخَاء} يعني: لينة مطيعة {حَيْثُ أَصَابَ} يعني: حيث أراد من الأرض، والنواحي {أَصَابَ} يعني: أراد.
وقال الأصمعي: العرب تقول: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب.
يعني: أراد الصواب، فأخطأ الجواب.
{والشياطين} يعني: سخرنا له كل شيء، وسخرنا له الشياطين أيضًا {كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ} يعني: يغوصون في البحر، ويستخرجون اللؤلؤ، وقال مقاتل: وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر {وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ} يعني: مردة الشياطين موثقين {فِى الاصفاد} يعني: في الحديد ويقال: {الاصفاد} الأغلال.
ثم قال عز وجل: {هذا عَطَاؤُنَا} يعني: هذا عطاؤنا لك، وكرامتنا عليك {فامنن} يعني: اعتق من شئت منهم، فخلّ سبيله من الشياطين {أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: احبس في العمل، والوثاق، والسلاسل من شئت منهم {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: فلا تبعة عليك في الآخرة فيمن أرسلته، وفيمن حبسته.
ويقال: ليس عليك بذلك إثم {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى} يعني: لقربى {وَحُسْنُ مَئَابٍ} يعني: حسن المرجع.
قوله عز وجل: {واذكر عَبْدَنَا أَيُّوبَ} يعني: واذكر صبر عبدنا أيوب {إِذْ نادى رَبَّهُ} يعني: دعا ربه {أَنّى مَسَّنِىَ الشيطان} يعني: أصابني الشيطان {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} وهو المشقة والعناء والأمراض، وعذاب في ماله.
يعني: هلاك أهله، وماله وقد ذكرناه في سورة الأنبياء قوله عز وجل: {اركض بِرِجْلِكَ هذا} يعني: قال له جبريل: اضرب الأرض برجلك، فضرب فنبعت عين من تحت قدميه، فاغتسل فيها، فخرج منها صحيحًا، ثم ضرب برجله الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذب بارد، فشرب منها، فذلك قوله: {هذا مُغْتَسَلٌ} يعني: الذي اغتسل منها.
ثم قال: {بَارِدٌ وَشَرَابٌ} يعني: الذي شرب منها.
قوله عز وجل: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنَّا وذكرى لاِوْلِى الالباب وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} يعني: قبضة من سنبل فيها مائة سنبلة.
وقال الكلبي {ضِغْثًا} أي: مجتمعًا.
وقال مقاتل: الضغث القبضة الواحدة، فأخذ عيدانًا رطبة من الآس، فيه مائة عود.
وقال القتبي: الضغث الحزمة من العيدان، والكلأ {فاضرب بّهِ} يعني: اضرب به امرأتك {وَلاَ تَحْنَثْ} في يمينك.
وقال الزجاج: قالت امرأته: لو ذبحت عناقًا باسم الشيطان؟ فقال: لا، وَلاَ كَفًّا مِن تُرَاب.
وحلف أنه يضربها مائة سوط، وأمر بأن يبرّ في يمينه {إِنَّا وجدناه صَابِرًا} على البلاء الذي ابتليناه {نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ} يعني: مقبل على طاعة ربه.
وقال وهب بن منبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، ومكث يوسف في السجن سبع سنين، ويقال: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} لما هلك ماله.
قال: كان ذلك من عطاء الله، ولما هلك أولاده قال: {الذين إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ قالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ راجعون} [البقرة: 156] ولما ابتلي بالنفس قال: إني له.
ويقال: واذكر أنت يا محمد صبر عبدنا أيوب، إذ ضاق صدرك من أذى الكفار، وأمر أمتك ليذكروا صبره، ويعتبروا، ويصبروا. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {ص} فيه تسعة تأويلات:
أحدها: أنه فواتح الله تعالى بها القرآن، قاله مجاهد.
الثاني: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة.
الثالث: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، قاله ابن عباس.
الرابع: أنه حرف هجاء من أسماء الله تعالى، قاله السدي.
الخامس: أنه بمعنى صدق الله، قاله الضحاك.
السادس: أنه من المصادة وهي المعارضة ومعناه عارض القرآن لعلمك، قاله الحسن.
السابع: أنه من المصادة وهي الاتباع ومعناه اتبع القرآن بعلمك، قاله سفيان.
{والقرآن ذي الذكر} فيه أربعة تأويلات:
أحدها: ذي الشرف، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي.
الثاني: بالبيان، قاله قتادة.
الثالث: بالتذكير، قاله الضحاك.
الرابع: ذكر ما قبله من الكتب، حكاه ابن قتيبة. قال قتادة: ها هنا وقع القسم.
واختلف أهل التأويل في جوابه على قولين:
أحدهما: أن جواب القسم محذوف وحذفه أفخم له لأن النفس تذهب فيه كل مذهب. ومن قال بحذفه اختلفوا فيه على قولين:
أحدهما: أن تقدير المحذوف منه لقد جاء الحق.
الثاني: تقديره ما الأمر كما قالوا.
والقول الثاني: من الأصل أن جواب القسم مظهر، ومن قال بإظهاره اختلفوا فيه على قولين:
أحدهما: قوله تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} قاله الفراء.
الثاني: من قوله تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} وهو قول مقاتل.
أحدها: يعني في حمية وفراق، قاله قتادة.
الثاني: في تعزز واختلاف، قاله السدي.
الثالث: في أنفة وعداوة.
ويحتمل رابعًا: في امتناع ومباعدة.
{كم أهلكنا مِن قَبْلِهم} يعني قبل كفار هذه الأمة.
{من قرن} فيه قولان:
أحدهما: يعني من أمة، قاله أبو مالك.
الثاني: أن القرن زمان مقدور وفيه سبعة أقاويل:
أحدها: أنه عشرون سنة، قاله الحسن.
الثاني: أربعون سنة، قاله إبراهيم.
الثالث: ستون سنة، رواه أبو عبيدة الناجي.
الرابع: سبعون سنة، قاله قتادة.
الخامس: ثمانون سنة، قاله الكلبي.
السادس: مائة سنة، رواه عبد الله بن بشر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
السابع: عشرون ومائة سنة، قاله زرارة بن أوفى.
قوله عز وجل: {فنادوا ولات حين مناص} يحتمل وجهين:
أحدهما: استغاثوا.
الثاني: دعوا. ولات حين مناص التاء من لات مفصولة من الحاء وهي كذلك في المصحف، ومن وصلها بالحاء فقد أخطأ. وفيها وجهان:
أحدها: أنها بمعنى لا وهو قول أبي عبيدة.
الثاني: أنها بمعنى ليس ولا تعمل إلا في الحين خاصة، قال الشاعر:
تذكر حب ليلى لات حينًا ** وأضحى الشيب قد قطع القرينا

وفي تأويل قوله تعالى: {ولات حين مناص} خمسة أوجه:
أحدها: وليس حين ملجأ، قاله زيد بن أسلم.
الثاني: وليس حين مَغاث، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومنه قول علي رضي الله عنه في رجز له:
لأصبحنّ العاصي بن العاصي ** سبعين ألفًا عاقِدي النواصي

قد جنبوا الخيل على الدلاصِ ** آساد غيل حين لا مناص

الثالث: وليس حين زوال، وراه أبو قابوس عن ابن عباس، ومنه قول الشاعر:
فهم خشوع لدية لا مناص لهم ** يضمهم مجلس يشفي من الصيد

الرابع: وليس حين فرار، قاله عكرمة والضحاك وقتادة قال الفراء مصدر من ناص ينوص. والنوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم وأنشد قول امريء القيس:
أمِن ذكر ليلى إن نأتك تنوص ** فتقصر عنها خطوة وتبوص

فجمع في هذا البيت بين البوص والنوص فهو بالنون التأخر وبالباء التقدم.
الخامس: أن النوص بالنون التقدم، والبوص بالباء التأخر، وهو من الأضداد، وكانوا إذا أحسوا في الحرب بفشل قال بعضهم لبعض: مناص: أي حملة واحدة، فينجو فيها من نجا ويهلك فيها من هلك، حكاه الكلبي: فصار تأويله على هذا الوجه ما قاله السدي أنهم حين عاينوا الموت لم يستطيعوا فرارًا من العذاب ولا رجوعًا إلى التوبة.