فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{قَالُواْ} أي الأتباعُ عند سماعِهم ما قيل في حقِّهم، ووجه خطابهم للرُّؤساءِ في قولهم {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ} الخ على الوجهينِ الأخيرينِ ظاهرٌ، وأمَّا على الوجهِ الأوَّلِ فلعلَّهم إنَّما خاطبُوهم مع أنَّ الظَّاهرَ أنْ يقولُوا بطريقِ الاعتذارِ إلى الخَزَنةِ بل هُم لا مرحبًا بهم الخ قَصْدًا منهم إلى إظهارِ صدقِهم بالمُخاطبةِ مع الرُّؤساءِ والتَّحاكمِ إلى الخَزَنةِ طمعًا في قضائِهم بتخفيفِ عذابِهم أو تضعيفِ عذابِ خُصَمائهم أي بل أنتم أحقُّ بما قيلَ لنا أو قلتُم. وقولُه تعالى: {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} تعليلٌ لأحقِّيتهم بذلك أي أنتمُ قدَّمتم العذابَ أو الصِّلِيَّ لنا وأوقعتُمونا فيه بتقديمِ ما يُؤدِّي إليه من العقائدِ الزَّائغةِ والأعمالِ السَّيئةِ وتزيينها في أَعُيننا وإغرائِنا عليها لا أنَّها باشرنَاها من تلقاءِ أنفسنا {فَبِئْسَ القرار} أي فبئسَ المقرُّ جهنَّم قصدُوا بذمِّها تغليظَ جنايةِ الرُّؤساءِ عليهم {قَالُواْ} أي الأتباعُ أيضًا وتوسيطُه بين كلاميهم لما بينهُما من التَّباينِ البيِّنِ ذاتًا وخِطِابًا أي قالُوا مُعرضين عن خصومتِهم متضرِّعين إلى الله تعالى: {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا في النار} كقولِهم {رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مّنَ النار} أي عذابًا مُضاعفًا أي ذا ضعفٍ وذلك بأنْ يزيدَ عليه مثلَه ويكون ضعفينِ كقوله: {رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب} وقيل: المرادُ بالضِّعفِ الحيَّاتُ والأَفَاعي.
{وَقَالُواْ} أي الطَّاغُون {مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الاشرار} يعنون فقراءَ المُسلمينَ الذين كانُوا يسترذلونَهم ويسخرُون منهم {أتخذناهم سِخْرِيًّا} بهمزةِ استفهامٍ سقطتْ لأجلها همزةُ الوصل. والجملةُ استئنافٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ قالُوه إنكارًا على أنفسِهم وتأنيبًا لها في الاستسخارِ منهم {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار} متَّصلٌ باتَّخذناهم على أنَّ أم متَّصلة والمعنى أيَّ الأمرينِ فعلنَا بهم الاستسخارُ منهم أم الازدراءُ بهم وتحقيرُهم، وإنَّ أبصارَنا كانت تزيغُ عنهم وتقتحمُهم على معنى إنكارِ كلِّ واحدٍ من الفعلينِ على أنفسهم توبيخًا لها أو على أنَّها منقطعةٌ والمعنى أتخذناهم سخريًا بل أزاغتْ عنهم أبصارُنا كقولك أزيدٌ عندك أم عندَك عمروٌ على معنى توبيخِ أنفسِهم على الاستسخارِ ثمَّ الإضرابُ والانتقالُ منه إلى التَّوبيخِ على الازدراءِ والتَّحقيرِ. وقُرئ اتَّخذناهم بغير همزةٍ على أنَّه صفةٌ أخرى لرجالًا فقوله تعالى {أمْ زاغتْ} متَّصلٌ بقوله ما لنا لا نَرى والمعنى ما لنا لا نراهُم في النار أليسوا فيها فكذلك لا نراهم أم زاغتْ عنهم أبصارُنا وهم فيها وقد جُوِّز أنْ تكونَ الهمزةُ مقدَّرةٌ على هذه القراءةِ وقُرئ سُخريا بضمِّ السَّينِ.
{إِنَّ ذلك} أي الذي حُكي من أحوالِهم {لَحَقُّ} لابد من وقوعةِ البتةَ. وقوله تعالى: {تَخَاصُمُ أَهْلِ النار} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، والجملةُ بيانٌ لذلك وفي الإبهامِ أوَّلًا والتَّبيينِ ثانيًا مزيدُ تقريرٍ له. وقيل: بدلٌ من محلِّ ذلك. وقيل بدلٌ من حقٌّ أو عطفُ بيانٍ له. وقُرئ بالنَّصبِ على أنَّه بدلٌ من ذلكَ وما قيل: من أنَّه صفةٌ له فقد قيل عليه: إنَّ اسمَ الإشارةِ لا يُوصف إلا بالمعرَّفِ باللامِ يقال بهذا الرَّجلَ ولا يقال بهذا غلامِ الرَّجلِ. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55)} لَشَرَّ مَرْجع ومُنْقَلَبٍ؛ وهي جهنم يدخلونها فيبقون مُعّذَّبِين فيه، وبِئْس المكانُ ذلك!
{هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57)} {حميم} هو الماء الحلو، و{غسَّاق} هو عصارة أهل النار، ويقال هو زمهرير جهنم.
{وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)} أي فنون أخرى من مثل ذلك العذاب.
{هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59)} هؤلاء قومٌ يقتحمون النارَ معكم وهم أتابعكم، ويقول الأتباع للمتبوعين: لا مرحبًا بكم؛ أنتم قدمتموه لنا بأمركم فوافقناكم، ويقولون: {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هّذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا في النّارِ}.
فيقال لهم كُلُّكُم فيها، ولن يفترَ العذابُ عنكم.
{وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62)} يقول الكفار عندما يدخلون النار: ما لنا لا نرى رجالًا كُنَّا نعدهم في الدنيا من الأشرار والمستضعفين فَلَسْنَا نراهم ها هنا؟ أهم ليسوا هنا أم زاغت عنهم أبصارُنا؟ يقوله أبو جهل وأصحابُه يعنون بلالًا والمستضعفين، فيُعَرَّفون بأنهم في الفردوس، فتزداد حسراتُهم.
{إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)} أي إن مخاصمةَ أهل النارِ في النار لَحَقٌّ. اهـ.

.تفسير الآيات (65- 70):

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن يقولوا: عجل لنا هذا إن كنت صادقًا فينا ادعيت، ومن المقطوع به أنه لا يقدر على ذلك إلا الإله فصاروا كأنهم نسبوه إلى أنه ادعى الإلهية، قال تعالى منبهًا على ذلك آمرًا له بالجواب: {قل} أي لمن يقول لك ذلك: {إنما أنا منذر} أي مخوف لمن عصى، ولم أدّع أني إله، ليطلب مني ذلك فإنه لا يقدر على مثله إلا الإله، فهو قصر قلب للموصوف على الصفة، وأفرد قاصرًا للصفة في قوله: {وما} وأعرق في النفي بقوله: {من إله} أي معبود بحق لكونه محيطًا بصفات الكمال.
ولما كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين، لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين فقال: {إلا الله} وللإحاطة عبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ولو شاركه شيء لم يكن محيطًا وللتفرد قال مبرهنًا على ذلك: {الواحد} أي بكل اعتبار فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له شبيه محتاجًا مكافئًا {القهار} أي الذي يقهر غيره على ما يريد، وهذا برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها وتكافئها بالمشابهة واحتياجها.
ولما وصف نفسه سبحانه بذلك، دل عليه بقوله: {رب السماوات} أي مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع، وجمع لأن المقام للقدرة، وإقامة الدليل على تعددها سهل {والأرض} على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب.
ولما كان القائل مخيرًا كما قال ابن مالك في الكافية الشافية عند اختلاط العقلاء بغيرهم في إطلاق ما شاء من مَن التي أغلب إطلاقها على العقلاء وما التي هي بعكس ذلك، وكان ربما وقع في وهم أن تمكنه تعالى من العقلاء دون تمكنه من غيرهم لما لهم من الحيل التي يحترزون بها عن المحذور، وينظرون بها في عواقب الأمور، أشار إلى أن حكمه فيهم كحكمه في غيرهم من غير فرق بالتعبير عنهم ب ما التي أصلها وأغلب استعمالها لمن لا يعقل، وسياق العظمة بالوحدانية وآثارها دال على دخولها في العبادة قطعًا فقال: {وما بينهما} أي الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها، ربي كل شيء من ذلك إيجادًا وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب، فدل ذلك على قهره، وتفرده في جميع أمره.
ولما كان السياق للإنذار، كرر ما يدل على القهر فقال: {العزيز} أي الذي يعز الوصول إليه ويغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ولما ثبت أنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، وكانت دلالة الوصفين العظيمين على الوعيد أظهر من إشعارها بالوعد، كان موضع قولهم، فما له لا يعجل بالهلاك لمن يخالفه فقال: {الغفار} أي المكرر ستره لما يشاء من الذنوب حلمًا إلى وقت الماحي لها بالكلية بالنسبة إلى من يشاء من العباد كما فعل مع أكثر الصحابة رضى الله عنهم حيث غفر لهم ما اقترفوه قبل الإسلام.
ولما ثبت بهذا وحدانيته وقدرته ولم يزعهم ذلك عن ضلالهم، ولا ردهم عن عتوهم ومحالهم، مع كونه موجبًا لأن يقبل كل أحد عليه ولا يعدل أبدًا عنه، قال آمرًا له بما ينبههم على عظيم خطئهم: {قل هو} أي هذا الأمر الذي تلوته عليكم من الأخبار عن الماضي والآتي من القيامة المشتملة على التخاصم المذكور وغيرها والأحكام والمواعظ، فثبت بمضمونه الوحدانية، وتحقق بإعجازه مع ثبوت الوحدانية وتمام القدرة وجميع صفات الكمال أنه كلام الله: {نبؤا عظيم} أي خبر يفوت الوصف في الجلال والعظم بدلالة العبارة والصفة لا يعرض عن مثله إلا غافل لا وعي له ولا شيء من رأى.
ولما كانوا يدعون أنهم أعظم الناس إقبالًا على الغرائب، وتنقيبًا عن الدقائق والجلائل من المناقب، بكتهم بقوله واصفًا له: {أنتم عنه} أي خاصة لا عن غيره والحال أن غيره من المهملات ولما كان أكثرهم متهيئًا للإسلام والرجوع عن الكفران لم يقل: مدبرون، ولا يعرضون بل قال: {معرضون} أي ثابت لكم الإعراض في هذا الحين، وقد كان ينبغي لكم الإقبال عليه خاصة والإعراض عن كل ما عداه لأن في ذلك السعادة الكاملة، ولو أقبلتم عليه بالتدبر لعلمتم قطعًا صدقي وأني ما أريد بكم إلا السعادة في الدنيا والآخرة، فبادرتم الإقبال إليّ والقبول لما أقول.
ولما قصر نفسه الشريفة على الإنذار، وكانوا ينازعون فيه وينسبونه إلى الكذب، دل على صدقه وعلى عظيم هذا النبأ بقوله: {ما كان لي} وأعرق في النفي بالتأكيد في قوله: {من علم} أي من جهة أحد من الناس كما تعرفون ذلك من حالي له إحاطة ما {بالملإ} أي الفريق المتصف بالشرف {الأعلى} وهم الملائكة أهل السماوات العلى وآدم وإبليس، وكأن مخاطبة الله لهم كانت بواسطة ملك كما هو أليق بالكبرياء والجلال، فصح أن المقاولة بين الملأ {إذ} أي حين، ولما أفرد وصف الملأ إيذانًا بأنهم في الاتفاق في علو رتبة الطاعة كأنهم شيء واحد، جمع لئلا يظن حقيقة الوحدة فقال: {يختصمون} أي في شأن آدم عليه السلام، أول خليفة في الأرض بل الخليفة المطلق، لأن خلافه أولاده من خلافته، وفي الكفارات الواقعة من بينه، كما أنه ما كان لي من علم بأهل النار إذ يختصمون، ولا بالخصم الذين دخلوا على داود عليه السلام الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض إذ يختصمون، وقد علمت ذلك علمًا مطابقًا للحق بشهادة الكتب القديمة وأنتم تعلمون أني لم أخالط عالمًا قط، فهذا علم من أعلام النبوة واضح في أني لم أعلم ذلك إلا بالوحي لكوني رسول الله وعبر هنا بالمضارع- وإن كان قد وقع ومضى من أول الدهر- تذكيرًا بذلك الحال وإعلامًا بما هم فيه الآن من مثله في الدرجات، كما سيأتي قريبًا في الحديث القدسي، وعبر في تخاصم أهل النار- وهو لم يأت- بالماضي تنبيهًا على أن وقوعه مما لا ريب فيه، فكأنه وقع وفرغ منه لأنه قد فرغ من قضائه من لا يرد له قضاء، لأنه الواحد فلا شريك له ولا منازع.
ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم: فلعله مثل ما أوحي إليك بعلم ما لم تكن تعلم، يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه، فتعجل لنا الموت ثم البعث لنرى ما أخبرتنا به من التخاصم مصورًا، لعلنًا نصدقك فيما أتيت به، قال مجيبًا لهم قاصرًا للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ما أنزل إليه، لا تعجيل شيء مما توعدوا به: {إن} أي ما {يوحى} أي في وقت من الأوقات، وبناه للمفعول لأن ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة في أن دعواه إنما هي النبوة لا الإلهية {إليّ إلا} ولما كان الوحي قولًا قرأ أبو جعفر بكسر {إنما أنا نذير} أي قصري على النذارة لا أني أنجز ما يتوعد به الله؛ فإنما مفعول يوحى القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن اختلف التوجيهان فالتقدير على قراءة الجماعة بالفتح: إلا الإنذار أو إلا كوني نذيرًا، وعلى قراءة الكسر: إلا هذا القول وهو أني أقول لكم كذا {مبين} أي لا أدع لبسًا فيما أبلغه بوجه من الوجوه. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65)} اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله واحد، وإلى أنه رسول مبين من عند الله، وإلى أن القول بالقيامة حق، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله، ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين الأول: ليصير ذلك حاملًا لمحمد صلى الله عليه وسلم على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم والثاني: ليصير ذلك رادعًا للكفار على الإصرار على الكفر والسفاهة وداعيًا إلى قبول الإيمان، ولما تمم الله تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي تقدير التوحيد والنبوة والبعث، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولابد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار، فإن الترتيب الصحيح أن تذكر شبهات الخصوم أولًا ويجاب عنها ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب، فكذا هاهنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدمة على إثبات ما ينبغي، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم.
أما قوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ} يعني أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد، وأحوال ثواب من أقربها، وكما بدأ في أول السورة بأدلة التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا {أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا} [ص: 5] فكذلك بدأ هاهنا بتقرير التوحيد فقال: {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار} وفي هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزهًا عن الشريك والنظير، وبيانه أن الذي يجعل شريكًا له في الإلهية، إما أن يكون موجودًا قادرًا على الإطلاق على التصرف في العالم أو لا يكون كذلك، بل يكون جمادًا عاجزًا والأول: باطل لأنه لو كان شريكه قادرًا على الإطلاق لم يكن هو قادرًا قاهرًا، لأن بتقدير أن يريد هو شيئًا ويريد شريكه ضد ذلك الشيء لم يكن حصول أحد الأمرين أولى من الآخر، فيفضي إلى اندفاع كل واحد منهما بالآخر، وحينئذ لا يكون قادرًا قاهرًا بل كان عاجزًا ضعيفًا، والعاجز لا يصلح للإلهية، فقوله: {إلا الله الواحد القهار} إشارة إلى أن كونه قهارًا يدل على كونه واحدًا وأما الثاني: وهو أن يقال إن الذي جعل شريكًا له لا يقدر على شيء ألبتة مثل هذه الأوثان، فهذا أيضًا فاسد لأن صريح العقل يحكم بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا فقوله: {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار} يدل على هذه الدلائل، واعلم أن كونه سبحانه قهارًا مشعر بالترهيب والتخويف، فلما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال: {رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا العزيز الغفار} فكونه ربًا مشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود، وكونه غفارًا مشعر بالترغيب، وهذا الموجود هو الذي تجب عبادته، لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه.
ونذكر طريقة أخرى في تفسير هذه الآيات، فنقول إنه تعالى ذكر من صفاته في هذا الموضع خمسة الواحد والقهار والرب والعزيز والغفار، أما كونه واحدًا فهو الذي وقع الخلاف فيه بين أهل الحق وبين المشركين واستدل تعالى على كونه واحدًا بكونه قهارًا وقد بينا وجه هذه الدلالة إلا أن كونه قهارًا وإن دل على إثبات الوحدانية إلا أنه يوجب الخوف الشديد فأردفه تعالى بذكر صفات ثلاثة دالة على الرحمة والفضل والكرم أولها: كونه ربًا للسموات والأرض وما بينهما وهذا إنما تتم معرفته بالنظر في آثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة، وذلك بحر لا ساحل له فإذا تأملت في آثار حكمته ورحمته في خلق هذه الأشياء عرفت حينئذ تربيته للكل وذلك يفيد الرجاء العظيم وثانيها: كونه عزيزًا والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومربي وكريم إلا أنه غير قادر على كل المقدورات، فأجاب عنه بأنه عزيز أي قادر على كل الممكنات فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء وثالثها: كونه غفارًا والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومحسن ولكنه يكون كذلك في حق المطيعين المخلصين في العبادة، فأجاب عنه بأن من بقي على الكفر سبعين سنة ثم تاب فإني أزيل اسمه عن ديوان المذنبين وأستر عليه بفضلي ورحمتي جميع ذنوبه وأوصله إلى درجات الأبرار، واعلم أنه تعالى لما بين ذلك قال: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} وهذا النبأ العظيم يحتمل وجوهًا فيمكن أن يكون المراد أن القول بأن الإله واحد نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بالنبوة نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بإثبات الحشر والنشر والقيامة نبأ عظيم، وذلك لأن هذه المطالب الثلاثة كانت مذكورة في أول السورة ولأجلها أنجز الكلام إلى كل ما سبق ذكره، ويمكن أيضًا أن يكون المراد كون القرآن معجزًا لأن هذا أيضًا قد تقدم ذكره في قوله: {كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك لّيَدَّبَّرُواْ ءاياته} [ص: 29] وهؤلاء الأقوام أعرضوا عنه على ما قال: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} واعلم أن قوله: {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} ترغيب في النظر والاستدلال ومنع من التقليد، لأن هذه المطالب مطالب شريفة عالية، فإن بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق يفوز بأعظم أبواب السعادة، وبتقدير أن يكون الإنسان فيها على الباطل وقع في أعظم أبواب الشقاوة فكانت هذه المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية بهية، وصريح العقل يوجب على الإنسان أن يأتي فيها بالاحتياط التام وأن لا يكتفي بالمساهلة والمسامحة.