فصل: قال الزمخشري:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



أخبرنا ابن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الحسن بن يحيويه حدثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالًا:
حدثنا محمّد بن يوسف الفربابي حدثنا سليمان بن حيان عن محمّد بن إسحاق عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: تلا رسول الله عليه السلام {وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاءَ الله} قالوا: يارسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله تعالى؟ قال: «هو جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت قال: فيقول ياملك الموت خذ نفس إسرافيل. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربّي وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وميكائيل وملك الموت. فيقول: ياملك الموت خذ نفس ميكائيل. فياخذ نفس ميكائيل فيقع كالطود العظيم. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربّي تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وملك الموت فيقول: مُت ياملك الموت فيموت. فيقول: ياجبرئيل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبرئيل الميت الفاني قال: فيقول: يا جبرئيل لابدّ من موتك، فيقع ساجدًّا يخفق بجناحيه فيقول: سبحانك ربّي تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام».
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الضرب من الضراب».
أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن جعفر حدثنا حاجب بن أحمد بن يرحم حدثنا محمّد بن حماد حدثنا محمّد بن الفضيل عن سليمان التيمي عن أبي نصرة عن جابر في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاءَ الله} قال: موسى ممّن استثنى الله تعالى، وذلك بأنه قد صعق مرة.
يدل عليه ما أخبرنا عقيل بن أحمد: أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمّد بن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمّد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال يهودي بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، قال: فرفع رجل من الأنصار يده فصك بها وجهه فقال: تقول هذا وفينا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاءَ الله} فاكون أنا أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممّن استثنى الله تعالى».
وقال كعب الأحبار: هم إثنا عشر، حملت العرش وجبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
الضحاك: هم رضوان والحور ومالك والزبانية.
قتادة: الله أعلم بثنياه.
الحسن: {إلاّ من شاء الله} يعني الله وحده. وقيل: عقارب النار وحياتها، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ} أي في الصور {أخرى} مرة أُخرى {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} من قبورهم {يَنظُرُونَ} يعني ينظرون إلى البعث.
وقيل: ينتظرون أمر الله تعالى فيهم.
قالت العلماء: ووجه النفخ في الصور أنه علامة جعلها الله تعالى ليتصوّر بها العاقل وأخذ الأمر، ثم تجديد الخلق.
{وَأَشْرَقَتِ} وأضاءت {الأرض}.
وقرأ عبيد بن عمير: {وأشرقت} على لفظ ما لم يُسم فاعله كأنها جعلت مضيئة.
{بِنُورِ رَبِّهَا} قال أكثر المفسرين: بضوء ربّها، وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه فما يتضارون في نوره إلاّ كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه.
وقال الضحاك: بحكم ربّها.
وقال السدي: بعدل ربّها. ويقال: إن الله تعالى خلق في القيامة نورًا يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به، ويقال: إن الله يتجلى للملائكة فتشرق الأرض بنوره، وأراد بالأرض عرصات القيامة.
{وَوُضِعَ الكتاب وَجِيءَ بالنبيين والشهداء}.
قال ابن عبّاس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة.
وقال السدي: الذين استشهدوا في طاعة الله.
وقيل: هم الحفظة، يدل عليه قوله تعالى: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق: 21].
{وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وَسِيقَ الذين كفروا} سوقًا عنيفًا يسحبون على وجوههم {إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا} أفواجًا بعضها على أثر بعض، كل أمة على حدة.
وقال أبو عبيد والأخفش: يعني جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة.
{حتى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} السبعة وكانت قبل ذلك مغلقة.
واختلف القراء في قوله: {فتِحت} و{فتّحت} فخففها أهل الكوفة، وشددهما الآخرون على التكثير.
{وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} توبيخًا وتقريعًا لهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا قَالُواْ بلى ولكن حَقَّتْ} وجبت {كَلِمَةُ العذاب} وهي قوله تعالى: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} [هود: 119].
{عَلَى الكافرين قِيلَ ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين وَسِيقَ الذين} وحشر الذين {اتقوا رَبَّهُمْ} فأطاعوه ولم يشركوا به {إِلَى الجنة زُمَرًا} ركبانًا {حتى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ} الواو فيه واو الحال ومجازه وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو هاهنا لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها من الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، ويقال: زيدت الواو هاهنا، لأن أبواب الجنّة ثمانية وأبواب الجحيم سبعة، فزيدت الواو هاهنا فرقًا بينهما.
حكى شيخنا عبد الله بن حامد عن أبي بكر بن عبدش أنها تُسمى واو ثمانية.
قال: وذلك أن من عادة قريش أنهم يعدون العدد من الواحد إلى الثمانية، فإذا بلغوا الثمانية زادوا فيها واوًا فيقولون: خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، يدل عليه قول الله تعالى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة: 7] وقال سبحانه: {التائبون العابدون} [التوبة: 112]، فلما بلغ الثامن من الأوصاف قال: {والناهون عَنِ المنكر} [التوبة: 112]، وقال سبحانه وتعالى: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22]، وقال تعالى: {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5].
وقيل: زيادة الواو في صفة الجنّة علامة لزيادة رحمة الله على غضبه وعقوبته.
{وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ} قال قتادة فإذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنّة والنار، فيقتص بعضهم من بعض، حتّى إذا هدؤا واطمئنوا قال لهم رضوان وأصحابه: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين.
أخبرنا أبو صالح شعيب بن محمّد البيهقي أخبرنا أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر السليطي حدثنا روح بن عبادة القيسي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه: أنه سُئل عن هذه الآية {وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَرًا} الآية.
فقال: سيقودهم إلى أبواب الجنّة حتّى إذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة تخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى احديهما فتطهروا فيها فجرت عليهم بنضرة النعيم، فلن تغير أجسادهم بعدها أبدًا ولن تشعث أشعارهم بعدها أبدًا كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى الأُخرى فشربوا منها فأذهبت مافي بطونهم من أذىً أو قذىً، وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنّة: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، ويلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم إذا جاء من الغيبة يقولون: ابشر قد أعدّ الله لك كذا وكذا وأعد لك كذا وكذا، وينطلق غلام من غلمانه يسعى إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان باسمه في الدُّنيا قد قدم.
فيقلنّ: أنت رأيته؟
فيقول: نعم.
فيستخفهن الفرح حتّى يخرجن إلى أسكفة الباب ويجيء ويدخل، فإذا سرر موضونة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أُسس على جندل اللؤلؤ بين أخضر وأحمر وأبيض وأصفر من كل لون، ثم يتكيء على أريكة من أرائكه، ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله تعالى قدر له لألمّ أن يذهب بصره، أنه مثل البرق فيقول: {الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف: 43] قال: {ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43].
واختلف أهل العربية في جواب قوله تعالى: {حتى إِذَا جَاءُوهَا}.
فقال بعضهم: جوابه: {فتحت} والواو فيه مثبتة مجازها حتّى إذا جاؤها فتحت أبوابها كقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان وَضِيَاءً} [الأنبياء: 48] أي ضياء.
وقيل: جوابه: قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} والواو فيه ملغاة تقديره: حتّى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها.
كقول الشاعر:
فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ** إلاّ توهم حالم بخيالِ

أراد فإذا ذلك لم يكن.
وقال بعضهم: جوابه مضمر ومعنى الكلام: حتّى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، فدخلوها.
{وَقَالُواْ الحمد للَّهِ} قال أبو عبيدة: جوابه محذوف مكفوف عن خبره، والعرب تفعل هذا لدلالة الكلام عليه.
قال الأخطل في آخر قصيدة له:
خلا أن حيًا من قريش تفضلوا ** على الناس أو أن الأكارم نهشلًا

وقال عبد مناف بن ربيع في آخر قصيدة:
حتّى إذا أسلكوهم في قتائده ** شلاء كما تطرد الجمالة الشردا

{وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض} يعني أرض الجنّة، وهو قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون} [الأنبياء: 105].
{نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} ثواب المطيعين {وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ} محدقين محيطين {مِنْ حَوْلِ العرش} ودخول من للتوكيد {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} متلذذين بذلك لامتعبدين به، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق} أي بين أهل الجنّة والنار بالحق {وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين}.
أخبرنا أبو صالح شعيب بن محمّد البيهقي الفقيه أخبرنا مكي بن عبدان أخبرنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر حدثنا روح بن عبادة حدثنا سعيد عن قتادة في هذه الآية قال: فتح أول الخلق بالحمد وقال: {الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض} [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين}.
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمّد بن عبد الكريم الفزاري حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الرحمن بن عثمان عن عبادة بن ميسرة عن محمّد بن المنكدر عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر آخر سورة الزمر فتحرك المنبر مرتين. اهـ.

.قال الزمخشري:

.[سورة الزمر: آية 53]:

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)}.
{أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ} جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلوّ فيها {لا تَقْنَطُوا} قرئ بفتح النون وكسرها وضمها {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} يعنى بشرط التوبة، وقد تكرّر ذكر هذا الشرط في القرآن، فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكرا له فيما لم يذكر فيه، لأنّ القرآن في حكم كلام واحد، ولا يجوز فيه التناقض. وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود: {يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء} والمراد بمن يشاء: من تاب، لأنّ مشيئة اللّه تابعة لحكمته وعدله، لا لملكه وجبروته. وقيل في قراءة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وفاطمة رضى اللّه عنها: {يغفر الذنوب جميعا ولا يبالى} ونظير نفى المبالاة نفى الخوف في قوله تعالى {وَلا يَخافُ عُقْباها} وقيل: قال أهل مكة: يزعم محمد أنّ من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرّم اللّه لم يغفر له، فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرّم اللّه فنزلت. وروى أنه أسلم عياش بن أبى ربيعة والوليد بن الوليد ونفر معهما، ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل اللّه لهم صرفا ولا عدلا أبدا، فنزلت. فكتب بها عمر رضى اللّه عنه إليهم، فأسلموا وهاجروا. وقيل نزلت في وحشى قاتل حمزة رضى اللّه عنه. وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «ما أحب أنّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية» فقال رجل: يا رسول اللّه، ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: «ألا ومن أشرك» ثلاث مرّات.