فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



الصفة الثانية: {وَقَابِلِ التوب} وفيه بحثان:
الأول: في لفظ التوب قولان: الأول: أنه مصدر وهو قول أبي عبيدة، والثاني: أنه جماعة التوبة وهو قول الأخفش، قال المبرد يجوز أن يكون مصدرًا يقال تاب يتوب توبًا وتوبة مثل قال يقول قولًا وقولة، ويجوز أن يكون جمعًا لتوبة فيكون توبة وتوب مثل ثمرة وثمر إلا أن المصدر أقرب لأن على هذا التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل.
الثاني: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل، وليس بواجب على الله، وقالت المعتزلة إنه واجب على الله واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلًا للتوب على سبيل المدح والثناء، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات.
الصفة الثالثة: قوله: {شَدِيدُ العقاب} وفيه مباحث:
البحث الأول: في هذه الآية سؤال وهو أن قوله: {شَدِيدُ العقاب} يصلح أن يكون نعتًا للنكرة ولا يصلح أن يكون نعتًا للمعرفة تقول مررت برجل شديد البطش، ولا تقول مررت بعبد الله شديد البطش، وقوله الله اسم علم فيكون معرفة فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفًا للنكرة؟ قالوا وهذا بخلاف قولنا غافر الذنب وقابل التوب لأنه ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غدًا، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش، وأما {شَدِيدُ العقاب} فمشكل لأنه في تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة، وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه بوجوه الأول: أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله: {وَهُوَ الغفور الودود ذُو العرش المجيد فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} [البروج: 14 16] والثاني: قال الزجاج إن خفض {شَدِيدُ العقاب} على البدل، لأن جعل النكرة بدلًا من المعرفة وبالعكس أمر جائز، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلًا من الصفات فيه نبوّة ظاهرة الثالث: أنه لا نزاع في أن قوله: {غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب} يحسن جعلهما صفة، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام والاستمرار، فكذلك قوله: {شَدِيدُ العقاب} يفيد معنى الدوام والاستمرار، لأن صفات الله تعالى منزّهة عن الحدوث والتجدد، فكونه {شَدِيدُ العقاب} معناه كونه بحيث يشتد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبدًا، وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك، فهذا ما قيل في هذا الباب.
البحث الثاني: هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة والفضل، لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب، وهو كونه غافر الذنب وقابل التوب وذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة، وهو قوله: {ذِى الطول} فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقًا بتينك الصفتين وملحوقًا بهذه الصفة، دل ذلك على أن جانب الرحمة والكرم أرجح.
البحث الثالث: لقائل أن يقول ذكر الواو في قوله: {غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب} ولم يذكرها في قوله: {شَدِيدُ العقاب} فما الفرق؟ قلنا إنه لو لم يذكر الواو في قوله: {غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب} لاحتمل أن يقع في خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلا كونه قابل التوب، أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال، لأن عطف الشيء على نفسه محال، أما كونه شديد العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه {غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب} فاستغنى به عن ذكر الواو.
الصفة الرابعة: {ذي الطول} أي ذي التفضل يقال طال علينا طولًا أي تفضل علينا تفضلًا، ومن كلامهم طل علي بفضلك، ومنه قوله تعالى: {أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ} [الزمر: 86] ومضى تفسيره عند قوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25] واعلم أنه لم يصف نفسه بكونه {شَدِيدُ العقاب} لابد وأن يكون المراد بكونه تعالى آتيًا بالعقاب الشديد الذي لا يقبح منه إتيانه به، بل لا يجوز وصفه تعالى بكونه آتيًا لفعل القبيح، وإذا ثبت هذا فنقول: ذكر بعده كونه ذا الطول وهو كونه ذا الفضل، فيجب أن يكون معناه كونه ذا الفضل بسبب أن يترك العقاب الذي له أن يفعله لأنه ذكر كونه ذا الطول ولم يبين أنه ذو الطول فيماذا فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول في الأمر الذي سبق ذكره، وهو فعل العقاب الحسن دفعًا للإجمال، وهذا يدل على أنه تعالى قد يترك العقاب الذي حسن منه تعالى فعله، وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز وهو المطلوب.
الصفة الخامسة: التوحيد المطلق وهو قوله: {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} والمعنى أنه وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، أما إذا كان واحدًا وليس له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة، فكان الترغيب والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد.
الصفة السادسة: قوله: {إِلَيْهِ المصير} وهذه الصفة أيضًا مما يقوي الرغبة في الإقرار بعبوديته، لأنه بتقدير أن يكون موصوفًا بصفات الفضل والكرم وكان واحدًا لا شريك له، إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلًا لم يكن الخوف الشديد حاصلًا من عصيانه، أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلًا كان الخوف أشد والحذر أكمل، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الصفات، واحتج أهل التشبيه بلفظة إلى، وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية، والجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {حم} اختلف في معناه؛ فقال عكرمة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «{حم} اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربك» قال ابن عباس: حما اسم الله الأعظم.
وعنه: الار وحما ونا حروف الرحمن مقطعة.
وعنه أيضًا: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به.
وقال قتادة؛ إنه اسم من أسماء القرآن.
مجاهد: فواتح السور.
وقال عطاء الخراساني: الحاء افتتاح اسمه حميدٌ وحنّانٌ وحليمٌ وحكيمٌ، والميم افتتاح اسمه ملكٌ ومجيدٌ ومنّانٌ ومتكبرٌ ومصوّرٌ؛ يدلّ عليه ما روى أنس أن أعرابيًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما حم فإنا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بدء أسماء وفواتح سور» وقال الضحاك والكسائي: معناه قُضِي ما هو كائن.
كأنه أراد الإشارة إلى تهجي حما؛ لأنها تصير حُمَّ بضم الحاء وتشديد الميم؛ أي قُضِي ووَقَع.
قال كعب بن مالك:
فلمّا تَلاَقَيْنا ودارت بِنَا الرَّحى ** ولَيْسَ لأَمْرٍ حمَّه الله مَدْفَعُ

وعنه أيضًا: إن المعنى حُمَّ أمر الله أي قرب؛ كما قال الشاعر:
قد حُمَّ يومِي فسُرَّ قومٌ ** قومٌ بهم غَفْلَةٌ ونَومٌ

ومنه سمّيت الحُمَّى؛ لأنها تقرّب من المنية.
والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر.
وقيل: حروف هجاء؛ قال الجرمي: ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت مخرج التهجي، وإذا سميّت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت؛ فتقول قرأت حام فتنصب؛ قال الشاعر:
يُذَكِّرني حاميمَ والرُّمحُ شاجِرٌ ** فهلاَّ تلا حاميمَ قَبْلَ التَّقدُّمِ

وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: (حام) بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين.
ابن أبي إسحاق وأبو السَّمَّال بكسرها.
والإمالة والكسر لالتقاء الساكنين، أو على وجه القسم.
وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم.
الباقون بالوصل.
وكذلك في {حم عسق}.
وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء.
وروي عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة.
الباقون بالفتح مشبعًا.
قوله تعالى: {تَنزِيلُ الكتاب} ابتداء والخبر {مِنَ الله العزيز العليم}.
ويجوز أن يكون {تَنْزِيلُ} خبرا لمبتدأ محذوف؛ أي هذا {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ}.
ويجوز أن يكون {حم} مبتدأ و{تَنْزِيلُ} خبره والمعنى: أن القرآن أنزله الله وليس منقولًا ولا مما يجوز أن يكذّب به.
قوله تعالى: {غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب} قال الفراء: جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة.
وقال الزجاج: هي خفض على البدل.
النحاس: وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل، ويجوز النصب على الحال، فأما {شَدِيدِ الْعِقَابِ} فهو نكرة ويكون خفضه على البدل.
قال ابن عباس: {غَافِرِ الذَّنْبِ} لمن قال: لا إله إلا الله {وَقَابِلِ التَّوْبِ} ممن قال: لا إله إلا الله {شَدِيدِ الْعِقَابِ} لمن لم يقل: لا إله إلا الله.
وقال ثابت البُنَاني: كنت إلى سرادق مُصْعَب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب، قال: فاستفتحت {حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم} فمر عليّ رجل على دابة فلما قلت {غَافِرِ الذَّنْبِ} قال: قل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، فلما قلت: {قَابِلِ التوْبِ} قال: قل يا قابل التوب تقبل توبتي، فلما قلت: {شَدِيدِ الْعِقَابِ} قال: قل يا شديد العقاب اعف عني، فلما قلت: {ذِي الطَّوْلِ} قال: قل يا ذا الطول طُلْ عليّ بخير؛ فقمت إليه فَأُخِذَ ببصري، فالتفت يمينًا وشمالًا فلم أر شيئًا.
وقال أهل الإشارة: {غَافِرِ الذَّنْبِ} فضلًا {وَقَابِلِ التَّوْبِ} وعدًا {شَدِيدِ الْعِقَابِ} عدلًا {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} فردًا.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه افتقد رجلًا ذا بأس شديد من أهل الشام؛ فقيل له: تتابع في هذا الشراب؛ فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير} ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيًا، ثم أمر مَن عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذّرني عقابه، فلم يبرح يردّدها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته.
فلما بلغ عمر أمرُه قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زلّ زلّة فسدّدوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشياطين عليه.
و{التَّوْب} يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توبًا، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دَوْمَة ودَوْم وعَزْمة وعَزْم؛ ومنه قوله:
فَيَخْبو ساعَةً ويَهُبُّ ساعا

ويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة.
قال أبو العباس: والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدرًا؛ أي يقبل هذا الفعل، كما تقول قال قولًا، وإذا كان جمعًا فمعناه يقبل التوبات.
{ذِي الطول} على البدل وعلى النعت؛ لأنه معرفة.
وأصل الطول الإنعام والتفضل يقال منه: اللهم طُلْ علينا أي أنعم وتفضل.
قال ابن عباس: {ذِي الطَّوْلِ} ذي النعم.
وقال مجاهد: ذي الغنى والسعة؛ ومنه قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25] أي غنى وسعة.
وعن ابن عباس أيضًا: {ذِي الطَّوْلِ} ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله.
وقال عكرمة: {ذِي الطول} ذي المنّ.
قال الجوهري: والطَّوْل بالفتح المنّ؛ يقال منه طال عليه وتطوّل عليه إذا امتن عليه.
وقال محمد بن كعب: {ذِي الطَّوْلِ} ذي التفضل؛ قال الماوردي: والفرق بين المنّ والتفضل أن المنّ عفو عن ذنب.
والتفضل إحسان غير مستحقّ.
والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره.
وقيل: لأنه طالت مدّة إنعامه.
{لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير} أي المرجع. اهـ.