فصل: تفسير الآيات (39- 42):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقد أنزلت هذه الآيات مؤكدة حقيقة دوران الأرض حول محورها في وقت ساد فيه الاعتقاد بثبات الأرض ورسوخها، بمعني عدم دورانها أو تحركها، وهو أمر معجز للغاية.
(3) التأكيد علي أن سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس في المراحل الأولي لخلق الكون كانت أعلي من سرعتها الحالية:
وهذه الحقيقة لم يتوصل العلم المكتسب من إدراكها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، وقد سبقها القرآن الكريم بأكثر من أربعة عشر قرنا وذلك بالاشارة إلي هذه الحقيقة في قول الحق تبارك وتعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوي علي العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (الأعراف:54)
وإغشاء النهار بالليل جاء في القرآن الكريم أربع مرات (الأعراف:54، الرعد:3، الشمس:1- 4، الليل:2،1)، والمرة الوحيدة التي جاءت فيها الصفة: يطلبه حثيثا أي سريعا، هي هذه الآية الرابعة والخمسين من سورة الأعراف لأنها تتحدث عن بداية خلق السماوات والأرض، وهي حقيقة مدونة في هياكل الحيوانات، وأخشاب النباتات بدقة بالغة، ولم يكن لأحد من الخلق إلمام بأية فكرة عنها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين حين اكتشف العلماء أن تبادل الليل والنهار كان يتم في العقود الجيولوجية القديمة بسرعة فائقة جعلت من عدد الأيام في السنة عند بدء الخلق أكثر من ألفي يوم، وجعلت من طول الليل والنهار معا أقل من أربع ساعات، وكان إبطاء سرعة دوران الأرض حول محورها بمعدل جزء من الثانية في كل قرن من الزمان آية من آيات الله في إعداد الأرض لاستقبال الحياة، لأن صور الحياة- وفي مقدمتها الإنسان- ماكان ممكنا أن تتلاءم مع هذه السرعات الفائقة لدوران الأرض ولا لقصر طول كل من الليل والنهار.
(4) التأكيد علي سبح الأرض في مدارها حول الشمس:
يعبر القرآن الكريم عن الأرض في عدد من آياته بالليل والنهار كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} (الأنبياء:33).
وفي قوله عز من قائل: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} (يس:40).
وذلك لأن كلا من الليل والنهار عبارة عن ظرف زمان، وليس جسما ماديا، ولابد للزمان من مكان يظهر فيه، والمكان في هذه الحالة هو كوكب الأرض الذي يقتسم الليل نصفه، والنهار النصف الآخر في حركة دائبة، وتبادل مستمر، ولو لم تكن الأرض كروية، ولو لم تكن تدور حول محورها أمام الشمس لما تبادل سطحها الليل والنهار في تعاقب مستمر، ولولا جري الأرض في مدارها حول الشمس ماتغيرت البروج، ولو لم تكن الأرض مائلة بمحور دورانها علي دائرة البروج بزاوية مقدارها 66،5 درجة تقريبا ماتبادلت الفصول، ولولا علم الله بجهل الناس لتلك الحقائق في الأزمنة السابقة لأنزل الحقيقة الكونية بلغة صادعة، قاطعة، ولكن لكي لايفزع الخلق في وقت تنزل القرآن الكريم أشار إلي جري الأرض في مدارها المحدد لها حول الشمس يسبح كل من الليل والنهار، والسبح لايكون إلا للأجسام المادية في وسط أقل كثافة منها، فالسبح في اللغة هو الانتقال السريع للجسم المادي بحركة ذاتية فيه من مثل حركات كل من الأرض والقمر والشمس وغيرها من أجرام السماء كل في مداره وحول جرم أكبر منه، ويؤكد هذا الاستنتاج صيغة الجمع كل في فلك يسبحون التي جاءت في الآيتين، لأنه لو كان المقصود بالسبح الشمس والقمر فحسب لجاء التعبير بالتثنية وكلاهما يسبحان.
(5) التأكيد علي الرقة الشديدة لطبقة النهار في الغلاف الغازي لنصف الأرض المواجه للشمس:
وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا بعد ريادة الفضاء، في منتصف الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين، وقد سبق القرآن الكريم هذا الكشف العلمي بأربعة عشر قرنا وذلك في قول الحق تبارك وتعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون} (يس:37).
وهذه الآية الكريمة تؤكد أن الأصل في الكون الظلام، وأن طبقة النهار في الغلاف الغازي المحيط بنصف الأرض المواجه للشمس، والتي تتحرك باستمرار لتحل محل ظلام الليل بإشراق الفجر، هي طبقة بالغة الرقة لايكاد سمكها أن يتعدي المائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر، وإذا نسبنا هذا السمك إلي المسافة بين الأرض والشمس وهي مقدرة بحوالي المائة وخمسين مليون كيلو متر كانت النسبة واحدا إلي سبعمائة وخمسين ألفا تقريبا (200 كم /150،000،000 كم =750،000/1 تقريبا).
وإذا نسبناه إلي نصف قطر الجزء المدرك من الكون و، المقدر بأكثر من اثني عشر بليون ألف مليون سنة ضوئية أختفت هذه النسبة تماما أو كادت، ومن هنا تتضح ضآلة سمك الطبقة التي يعمها نور النهار، كما يتضح عدم استقرارها لانتقالها باستمرار من نقطة إلي أخري علي سطح الأرض مع دورانها حول محورها أمام الشمس، ويتضح كذلك أن تلك الطبقة الرقيقة من نور النهار تحجب عنا ظلام الكون الخارجي، لأن الذين تعدوا طبقة النهار من رواد الفضاء رأوا الشمس في منتصف النهار قرصا أزرق في صفحة سوداء، وبهذه المعلومات التي اكتشفت منذ أقل من نصف قرن تتضح روعة تشبيه القرآن الكريم انسلاخ نور النهار عن ظلمة كل من الليل والكون بسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها، وهذا يؤكد أن الظلمة هي الأصل في هذا الكون، وأن النهار ليس إلا ظاهرة، نورانية، عارضة، رقيقة جدا، لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي في نصفه المواجه للشمس، وبواسطة دوران الأرض حول محورها أمام ذلك النجم ينسلخ النهار تدريجيا أمام ظلمة ليل الأرض، والتي تلتقي بظلمة السماء.
وتجلي النهار علي الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض بهذا النور الأبيض المبهج هو من نعم الله الكبري علي عباده، ويفسرها تشتت ضوء الشمس بانعكاساته المتكررة علي هباءات الغبار وعلي جزيئات كل من بخار الماء والهواء العالقة بالغلاف الغازي القريب من الأرض والتي تثيرها الرياح من سطح الأرض وبعد تجاوز المائتي كيلو متر فوق سطح البحر يبدأ الهواء في التخلخل لتضاؤل تركيزه، وتناقص كثافته باستمرار مع الارتفاع، وندرة كل من جسيمات الغبار، وبخار الماء فيه حتي تتلاشي ولذلك تبدو شمسنا كما يبدو غيرها من نجوم السماء الدنيا بقعا زرقاء باهتة، في بحر غامر من ظلمة الكون.
(6) التأكيد علي دقة الحساب الزمني بواسطة كل من الليل والنهار والشمس والقمر:
من المعروف أن السنة الهجرية هي سنة شمسية / قمرية، لأن هذه السنة تحددها دورة الأرض حول الشمس دورة كاملة تتمها في 365.25 يوما تقريبا، وأن هذه السنة تقسم إلي اثني عشر شهرا بواسطة دوران القمر حول الأرض، كما يقسم الشهر إلي أسابيع وأيام وليال بنفس الواسطة، وقد تقسم الشهور بواسطة البروج التي تمر بها الأرض في أثناء جريها في مدارها حول الشمس، كما تدرك الأيام بتبادل كل من الليل والنهار، ويقسم النهار إلي وحدات أصغر بواسطة المزولة الشمسية، ومن هنا كان القسم القرآني بالليل والنهار والشمس والقمر في خمس آيات (الأنعام:96، إبراهيم:33، النحل:12، الأنبياء:33، فصلت:37).
(7) الإشارة إلي أن ليل الأرض كان في بدء الخلق ينار بعدد من الظواهر الكونية:
وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا} (الإسراء:12).
ويستشف من هذه الآية أن ظاهرة الشفق القطبي وأطيافه AuroraandAuroralSpectra والتي تعرف أيضا باسم ظاهرة الأنوار القطبية Polarlights أو باسم ظاهرة فجر الليل القطبي PolarNight ص sDawn، وهي ظاهرة نورانية تري بالليل في سماء المناطق القطبية وحول القطبية، وتتكون نتيجة لارتطام الأشعة الكونية الأولية التي تملأ فسحة الجزء المدرك من الكون علي هيئة الجسيمات الأولية للمادة بالغلاف الغازي للأرض مما يؤدي إلي تأينه، وإصدار أشعة كونية ثانوية، ونتيجة لذلك تتصادم الأشعات بشحناتها الكهربية المختلفة مع كل من أحزمة الإشعاع ونطق التأين في الغلاف الغازي للأرض وتفريغ شحناتها فتوهجها، والجسيمات الأولية للمادة متناهية في الدقة، وتحمل شحنات كهربية عالية، وتتحرك بسرعات تقترب من سرعة الضوء ولم تكتشف إلا في سنة 1936 م.
والأشعة الكونية تتحرك بمحاذاة خطوط المجال المغناطيسي للأرض والتي تنحني لتصب في قطبي الأرض المغناطيسين فتؤدي إلي تأين الغلاف الغازي للأرض، ومن ثم إلي توهجه، ومن الثابت علميا أن نطق الحماية المتعددة في الغلاف الغازي للأرض من مثل نطاق الأوزون، ونطق التأين، وأحزمة الإشعاع، والنطاق المغناطيسي للأرض لم تكن موجودة في بدء خلق الأرض، ولذلك فقد كانت الأشعة الكونية تصل إلي المستويات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض فتؤدي إلي توهجه ليلا حول كافة الأرض، وبعد تكون نطق الحماية المختلفة أخذت هذه الظاهرة في التضاؤل التدريجي حتي اختفت، فيما عدا مناطق محدودة حول القطبين، تبقي شاهدة علي أن ليل الأرض في المراحل الأولي من خلقها كان يضاء بوهج لايقل في شدته عن نور الفجر الصادق فسبحان الذي أنزل من قبل أربعة عشر قرنا قوله الحق على لسان نبيه الخاتم: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} (الإسراء:12).
هذه الشواهد العلمية المستقاة من تبادل الليل والنهار بدءا بتأكيد كروية الأرض، ثم دورانها حول محورها، وتباطؤ هذا الدوران مع الزمن، وجريها في مدارها المحدد حول الشمس، والرقة الشديدة لطبقة النهار، والدقة الفائقة لحساب الزمن بواسطة تتابع كل من الليل والنهار والشمس والقمر، وأن ليل الأرض كان يضاء في بدء الخلق بوهج لايقل في شدته عن نور الفجر الصادق، وأن من بقايا هذا الوهج القديم ظاهرة الفجر القطبي.
هذه الشواهد لم يصل الإنسان إلي إدراكها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، وورودها في كتاب الله الذي أنزل علي نبي أمي صلى الله عليه وسلم في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، ومن قبل أربعة عشر قرنا لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخاتم والخالد، وأن النبي والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض، ولذلك وصفه ربه سبحانه وتعالى بقوله: {وما ينطق عن الهوي إن هو إلا وحي يوحي علمه شديد القوى} (النجم:3- 5).

.تفسير الآيات (39- 42):

قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما ذكر بعض آيات السماء لشرفها، ولأن بعضها عبد، ومن آثار الإلهية، فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه إبطال عبادتها، أتبعه بعض آيات الأرض بخلاف ما في يس، فإن السياق هناك للبعث وآيات الأرض أدل فقال: {ومن آياته} أي الدالة على عظم شأنه وعلو سلطانه {أنك ترى الأرض} أي بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياسًا على ما أبصرته، لأن الكل بالنسبة إلى القدرة على حد سواء.
ولما كان السياق للوحدانية، عبر بما هو أقرب إلى حال العابد بخلاف ما مضى في الحج فقال: {خاشعة} أي يابسة لا نبات فيها فهي بصورة الذليل الذي لا منعة عنده لأنه لا مانع من المشي فيها لكونها متطأمنة بعد الساتر لوجهها بخلاف ما إذا كانت مهتزة رابية متزخرفة تختال بالنبات.
ولما كان إنزال الماء مما استأثر به سبحانه، فهو من أعظم الأدلة على عظمة الواحد، صرف القول إلى مظهر العظمة فقال: {فإذا أنزلنا} بما لنا من القدرة التامة والعظمة {عليها الماء} من الغمام أو سقناه إليها من الأماكن العالية وجلبنا به إليه من الطين ما تصلح به للانبات وإن كانت سبخة كأرض مصر {اهتزت} أي تحركت حركة عظيمة كثيرة سريعة، فكانت كمن يعالج ذلك بنفسه {وربت} أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيًا لوجهها، وتشعبت عروقه، وغلظت سوقه، فصار يمنع سلوكها على ما كان فيه من السهولة، وصار بحسن زيه بمنزلة المختال في أثواب ثرية بعد أن كان عاريًا ذليلًا في أطمار رثة وحل زرىء وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألمت به من الذنوب أقبل الحق سبحانه عليها فطهرها بمياه المعارف فظهرت فيها بركات الندم وعفا عن أربابها ما قصروا في صدق القدم وأشرقت بحلى الطاعات وزهت بملابس القربات، وزكت بأنواع التجليات.
ولما كان هذا دليلًا مشاهدًا على القدرة على إيجاد المعدوم، وإعادة البالي المحطوم، أنتج ولابد قوله مؤكدًا لأجل ما هم فيه من الإنكار صارفًا القول عن مظهر العظمة إلى ما ينبه على القدرة على البعث ولابد: {إن الذي أحياها} بما أخرج من نباتها الذي كان بلي وتحطم وصار ترابًا {لمحيي الموتى} كما فعل بالنبات من غير فرق.
ولما كانوا مع إقرارهم بتمام قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللًا مؤكدًا: {أنه على كل شيء قدير} لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة إلى القدرة، فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره.
ولما بين أن الدعوة إلى الله أعظم المناصب، وأشرف المراتب، وبين أنها إنما تحصل ببيان دلائل التوحيد التي من أعظمها البعث، وبينه إلى أن كان بهذا الحد من الوضوح، كان مجز التهديد من أعرض عن قبوله: فقال في عبارة عامة له ولغيره، مؤكدًا تنبيهًا على أن فعلهم فعل من يظن أنه سبحانه لا يطلع على أعماله: {إن الذين يلحدون} أي يميلون بصرف المعاني عن القصد وسنن العدل بنحو قولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، أو يماحلون باللغو بالمكاء والتصدية وغير ذلك من أنواع اللغط وكل ما يشمله معنى الميل عما تصح إرادته.
ولما كان الاجتراء على الإلحاد قادحًا في الاعتراف بالعظمة، أعاد مظهرها فقال: {في آياتنا} على ما لها من العظمة الدالة على ما لنا من الوحدانية وشمول العلم وتمام القدرة: ولما كان العلم بالإساءة مع القدرة سببًا للأخذ، قال مقررًا للعلم بعد تقرير القدرة: {لا يخفون علينا} أي في وقت من الأوقات ولا وجه من الوجوه، ونحن قادرون على أخذهم، فمتى شئنا أخذنا، ولا يعجل إلا ناقص يخشى الفوت.
ولما كان الإلحاد سببًا لإلقاء صاحبه في النار، وكان التقدير: ونحن نحلم عن العصاة فمن رجع إلينا أمن كل مخوف، ومن أعرض إلى الممات ألقيناه في النار، سبب عنه قوله تعالى: {أفمن يلقى في النار} أي على وجهه بأيسر أمر بسبب إلحاده في الآيات وإعراضه عن الدلالات الواضحات، فيكون خائفًا يوم القيامة لما يرى من مقدمات ذلك حتى يدهمه ما خاف منه {خير أم من يأتي} إلينا {آمنًا يوم القيامة} حين نجمع عبادنا للعرض علينا للحكم بينهم بالعدل فيدخل الجنة دار السلام فيدوم أمنه، والآية من الاحتباك: ذكر الإلقاء في النار أولًا دليلًا على دخول الجنة ثانيًا، والأمن ثانيًا دليلًا على الخوف أولًا، وسره أنه ذكر المقصود بالذات، وهو ما وقع الخوف لأجله أولًا، والأمن الذي هو العيش في الحقيقة ثانيًا.
ولما كان هذا رادًا ولابد للعاقل عن سوء أعماله إلى الإحسان رجاء إنعام الله وإفضاله، أنتج قوله مهددًا ومخوفًا ومتوعدًا صارفًا القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه أدل على الغضب على التمادي بعد هذا البيان: {اعملوا ما شئتم} أي فقد علمتم مصير المسيء والمحسن، فمن أراد شيئًا من الجزاءين فليعمل أعماله، فإنه ملاقيه.
ولما كان العامل لا يطمع في الإهمال إلى على تقدير خفاء الأعمال، والمعمول له لا يترك الجزاء إلا لجهل أو عجز، بين أنه سبحانه محيط العلم عالم بمثاقيل الذر فقال مرغبًا مرهبًا مؤكدًا لأنهم يعملون عمل من يظن أن أعماله تخفى، عادلًا عن مظهر العظمة إلى ما هو أدل شيء على الفردانية، لئلا يظن أن مزيد العلم بواسطة كثيرة: {إنه} وقدم أعمالهم تنبيهًا على الاهتمام بشأنها جدًا فقال: {بما تعملون} أي في كل وقت {بصير} بصرًا وعلمًا، فهو على كل شيء منكم قدير.
ولما جعل إليهم الاختيار في العمل تهديدًا، أتبعه الإخبار بما لمن خالفه، فقال مؤكدًا لإنكارهم مضامين ما دخل عليه التأكيد: {إن الذين كفروا} أي ستروا مرائي العقول الدالة على الحق مكذبين {بالذكر} الذي لا ذكر في الحقيقة غيره {لمّا جاءهم} من غير توقف أصلًا فدل ذلك منهم على غاية العناد {وإنه} أي والحال أنه {لكتاب} أي جامع لكل خير {عزيز} أي لا يوجد مثله فهو يغلب كل ذكر ولا يغلبه ذكر ولا يقرب من ذلك، ويعجز كل معارض ولا يعجز أصلًا عن إقعاد مناهض.
ولما كان من معاني العزة أنه ممتنع بمتانة رصفه وجزالة نظمه وجلالة معانيه من أن يلحقه تغيير ما، بين ذلك بقوله: {لا يأتيه الباطل} أي البين البطلان إتيان غلبة فيصير أو شيء منه باطلًا بيّنا، ولما كان المراد تعميم النفي، لا نفي العموم، أدخل الجار فقال: {من بين يديه} أي من جهة الظاهر مثل ما أمر أخبر به عما كان قبله {ولا من خلفه} من جهة العلم الباطن مثل علم ما لم يشتهر من الكائن والآتي سواء كان حكمًا أو خبرًا لأنه في غاية الحقية والصدق، والحاصل أنه لا يأتيه من جهة من الجهات، لأن ما قدام اوضح ما يكون، وما خلف أخفى ما يكون، فما بين ذلك من باب الأولى، فالعبارة كناية عن ذلك لأن صفة الله لا وراء لها ولا أمام على الحقيقة، ومثل ذلك ليس وراء الله مرمى، ولا دون الله منتهى، ونحوه مما تفهم العرب ومن علم لسانها المراد به دون لبس، ثم علل ذلك بقوله: {تنزيل} أي بحسب التدريج لأجل المصالح {من حكيم} بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في أتم محاله في وقت النزول وسياق النظم {حميد} أي بالغ الإحاطة بأوصاف الكمال من الحكمة وغيرها والتنزه والتطهر والتقدس عن كل شائبة نقص، يحمده كل خلق بلسان حاله إن لم يحمده بلسان قاله، بما ظهر عليه من نقصه أو كماله، والخبر محذوف تقديره: خاسرون لا محالة لأنهم لا يقدرون على شيء مما يوجهونه إليه من الطعن لأنهم عجزة ضعفاء صغرة كما قال المعري:
أرى الجوزاء تكبر أن تصادا ** فعاند من تطيق له عنادا

وحذف الخبر أهول لتذهب النفس كل مذهب. اهـ.