فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



[الزخرف: 20] معتمد الكلام ولم يقل: وعبدوا الملائكة وقالوا: لو شاء ونظير قولهم في أنه إنما أتى به لدفع ما علم ضرورة قوله تعالى: {لَوْ شَاء رَبُّنَا لأنزَلَ ملائكة} [فصلت: 14] فالدفع كفر والتعجيز كفر في كفر، وقوله تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} [الزخرف: 20] يحتمل أن يرجع إلى جميع ما سبق من قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ} [الزخرف: 15] إلى هذا المقام ويحتمل أن يرجع إلى الأخير فقد ثبت أنهم قالوه من غير علم وهو الأظهر للقرب وتعقيب كل بإنكار مستقل وطباقه لما في الأنعام، وقوله سبحانه: {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116] على هذا التكذيب المفهوم منه راجع إلى استنتاج المقصود من هذه اللزومية فقد سبق أنها عليهم لا لهم ولوح إلى طرف منه في سورة الأنعام أو إلى الحكم بامتناع الانفكاك مع تجويز الحاكم الانفكاك حال حكمه فإن ذلك يدل على كذبه وإن كان ذلك الحكم في نفسه حقًا صحيحًا يحق أن يعلم كما تقول زيد قائم قطعًا أو البتة وعندك احتمال نقيضه.
وليس هذا رجوعًا إلى مذهب من جعل الصدق بطباقه للمعتقد فافهم، على أنه لما كان اعتذارًا على ما مر صح أن يرجع التكذيب إلى أنه لا يصلح اعتذارًا أي أنهم كاذبون في أن المشيئة تقتضي طباق الأمر لها، وهذا ما آثره الإمام والعلامة والقاضي، والظاهر ما قدمناه.
وتعقيب الخرص على وجه البيان أو الاستئناف عن قوله تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} [الزخرف: 20] وقوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} في سورة الأنعام (116) دليل على ما أشرنا فقد لاح للمسترشد أن الآية تصلح حجة لأهل السنة لا للمعتزلة؛ وقال في آية سورة الأنعام: إن قولهم هذا إما لدعوى المشروعية ردًا للرسل أو لتسليم أنهم على الباطل اعتذارًا بأنهم مجبورون، والأول باطل لأن المشيئة تتعلق بفعلهم المشروع وغيره فما شاء الله تعالى أن يقع منهم مشروعًا وقع كذلك وما شاء الله تعالى أن يقع لا كذلك وقع لا كذلك.
ولا شك أن من توهم أن كون الفعل بمشيئته تعالى ينافي مجيء الرسل عليهم السلام بخلاف ما عليه المباشر من الكفر والضلال فقد كذب التكذيب كله وهو كاذب في استنتاج المقصود من هذه اللزومية وظاهر الآية مسوق لهذا المعنى، والثاني على ما فيه من حصول المقصود وهو الاعتراف بالبطلان باطل أيضًا إذ لا جبر لأن المشيئة تعلقت بأن يشركوا اختيارًا منهم والعلم تعلق كذلك فهو يؤكد دفع القدر لا أنه يحققه وإليه الإشارة بقوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة} [الأنعام: 149] ثم إنهم كاذبون في هذا القول لجزمهم حيث لا ظن مطلقًا فضلًا عن العلم وذلك لأن من المعلوم أن العلم بصفات الله سبحانه فرع العلم بذاته جل وعلا والايمان بها كذلك والمحتجون به كفرة مشركون مجسمون، ونقل العلامة الطيبي نحوًا من الكلام الأخير عن إمام الحرمين عليه الرحمة في الإرشاد. اهـ.
وقد أطال الأعلام الكلام في هذا المقام وأرى الرجل سقى الله تعالى مرقده صهيب الرضوان قد مخض كل ذلك وأتى بزبده بل لم يترك من التحقيق شيئًا لمن أتى من بعده فتأمل والله عز وجل هو الموفق.
{وكذلك} أي والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة مطلقًا وتشبثهم بذيل التقليد، وقوله سبحانه: {مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على ءاثارهم مُّقْتَدُونَ} استئناف مبين لذلك دال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم لأسلافهم وأن متقدميهم أيضًا لم يكن لهم سند منظور إليه وتخصيص المترفين بتلك المقالة للإيذان بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد.
{قال} حكاية لما جرى بين المنذرين وبين أممهم عند تعللهم بتقليد آبائهم أي قال: كل نذير من أولئك المنذرين لأمته {أَوْ لَوْ جِئْتُكُم} أي أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم {بأهدى} بدين أهدى {مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءابَاءكُمْ} من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء، وإنما عبر عنها بذلك مجاراة معهم على مسل الانصاف.
وقرأ الأكثرون {قُلْ} على أنه حكاية أمر ماض أوحى إلى كل نذير أي فقيل أو قلنا للنذير قل الخ، واستظهر في (البحر) كونه خطابًا لنبينا صلى الله عليه وسلم، والظاهر هو ما تقدم لقوله تعالى: {قالواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون} فإنه ظاهر جدًا في أنه حكاية عن الأمم السالفة أي قال كل أمة لنذيرها إنا بماأرسلتم به الخ وقد أجمل عند الحكاية للإيجاز كما قرر في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات} [المؤمنون: 51].
وجعله حكاية عن قومه عليه الصلاة والسلام بحمل صيغة الجمع على تغليبه صلى الله عليه وسلم على سائر المنذرين وتوجيه كفرهم إلى ما أرسل به الكل من التوحيد لإجمالعهم عليهم السلام عليه كما في نحو قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين} [الشعراء: 123] تمحل بعيد، وأيضًا يأباه ظاهر قوله سبحانه: {فانتقمنا مِنْهُمْ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين}.
فإن ظاهره كون الانتقام بعذاب الاستئصال وصاحب البحر يحمله على الانتقام بالقحط والقتل والسبي والجلاء.
وقرأ أبي وأبو جعفر وشيبة وابن مقسم والزعفراني وغيرهم {أَوْ لَوْ جئناكم} بنون المتكلمين وهي تؤيد ما ذهبنا إليه والأمر بالنظر فيما انتهى إليه حال المكذبين تسلية له صلى الله عليه وسلم وإرشاد إلى عدم الاكتراث بتكذيب قومه إياه عليه الصلاة والسلام. اهـ.

.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثًا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}.
قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر {عند الرحمن} بسكون النون وفتح الدال ظرف كقوله تعالى: {إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف: 206]، وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي {الذين هم عباد الرحمن} بكسر العين وباء موحدة بعدها ألف وضم الدال جمع عبد كقوله: {وعباد الرحمن} الآية.
وقوله: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ}. قرأه عامة السبعة غير نافع أشهدوا بهمزة واحدة مع فتح الشين، وقرأه نافع أأشهد. بهمزتين الأولى مفتوحة محققة، والثانية مضمومة مسهلة بين بين وقالوا يجعل بين الهمزتين ألف الإدخال على إحدى الروايتين.
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربع مسائل:
الأولى: أن الكفار افتروا على الملائكة أنهم إناث زاعمين أنهم بنات الله.
الثانية: أنه وبخهم على ذلك توبيخًا شديدًا وأنكر عليهم ذلك في قوله: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} يعني هل حضروا خلق الله لهم فعاينوهم إناثًا.
الثالثة: أن شهادتهم الكاذبة بذلك ستكتب عليهم.
الرابعة: أنهم يسألون عنها يوم القيامة.
وهذه المسائل الأربع التي تضمنتها هذه الآية الكريمة، جاءت موضحة في غير هذا الموضع.
أما الأولى منها. وهي كونهم اعتقدوا الملائكة إناثًا، فقد ذكرها تعالى في مواضع من كتابه كقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقولونَ قولا عَظِيما} [الإسراء: 40]. وكقوله تعالى: {إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى} [النجم: 27] الآية، وقوله تعالى: {فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثًا} [الصافات: 149- 150] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وأما المسألة الثانية: وهي سؤاله تعالى لهم على وجه الإنكار والتوبيخ والتقريع هل شهدوا خلق الملائكة وحضروه، حتى علموا أنهم خلقوا إناثًا فقد ذكرهما في قوله تعالى: {أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ} [الصافات: 150] وبين تعالى أنه لم يشهد الكفار خلق شيء في قوله: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51] الآية.
وأما المسألة الثالثة: التي هي كون شهادتهم بذلك الكفر ستكتب عليهم، فقد ذكرها تعالى في مواضع من كتابه كقوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الإنفطار: 10- 12] وقوله تعالى: {هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]، وقوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بلى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]، وقوله تعالى: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس: 21] وقوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقرأ كَتَابَكَ} [الإسراء: 13- 14] الآية.
وقوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا يَقول وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدًّا} [مريم: 79].
وأما المسألة الرابعة: وهي كونهم يسألون عن ذلك الافتراء والكفر، فقد ذكرها تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالهُمْ وَأَثْقالا مَّعَ أَثْقالهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: 13] وقوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92- 93]، وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44] وقوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} [النحل: 56] إلى غير ذلك من الآيات.
{وَقالوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)}.
في هذه الآية الكريمة إشكال معروف، ووجهه أن قول الكفار الذي ذكره الله عنهم هنا، أعني قوله تعالى: {وَقالواْ لَوْ شَاءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20]، هو بالنظر إلى ظاهره كلام صحيح، لأن الله لو شاء أن يعبدوهم ما عبدوهم، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ الله مَآ أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107]، وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} [الأنعام: 35]، وقال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] الآية. وقال تعالى: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].
وهذا الإشكال المذكور في آية الزخرف هو بعينه واقع في آية الأنعام، وآية النحل.
أما آية الأنعام فهي قوله: {سَيَقول الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَاءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148].
وأما آية النحل، فهي قوله: {وَقال الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَاءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا} [النحل: 35] الآية.
فإذا عرفت أن ظاهر آية الزخرف وآية الأنعام، وآية النحل: أن ما قاله الكفار حق، وأن الله لو شاء ما عبدوا من دونه من شيء ولا أشركوا به شيئًا، كما ذكرنا في الآيات الموضحة قريبًا.
فاعلم أن وجه الإشكال، أن الله صرح بكذبهم في هذه الدعوى التي ظاهرها حق، قال في آية الزخرف: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] أي يكذبون، وقال في آية الأنعام {كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِم حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]، وقال في آية النحل {كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين} [النحل: 35].
ومعلوم أن الذي فعله الذين من قبلهم، هو الكفر بالله والكذب على الله، في جعل الشركاء له وأنه حرم ما لم يحرمه.
والجواب عن هذا أن مراد الكفار بقولهم {لَوْ شَاءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20] وقولهم {أَشْرَكُواْ لَوْ شَاءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا} [الأنعام: 148] مرادهم به أن الله لما كان قادرًا على منعهم من الشرك، وهدايتهم إلى الإيمان ولم يمنعهم من الشرك. دل ذلك على أنه راض منهم بالشرك في زعمهم.
قالوا لأنه لو لم يكن راضيًا به، لصرفنا عنه، فتكذيب الله لهم في الآيات المذكورة منصب على دعواهم أنه راض به، والله جل وعلا يكذب هذه الدعوى في الآيات المذكورة وفي قوله: {وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} [الزمر: 7].
فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية القدرية، تستلزم الرضى وهو زعم باطل، وهو الذي كذبهم الله فيه من الآيات المذكورة.
وقد أشار تعالى إلى هذه الآيات المذكورة، حيث قال في آية الزخرف:
{أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف: 21] أي آتيناهم كتابًا يدل على أنا رضوان منهم بذلك الكفر، ثم أضرب عن هذا إضراب إبطال مبينًا أن مستندهم في تلك الدعوى الكاذبة هو تقليد آبائهم التقليد الأعمى، وذلك في قوله: {بَلْ قالوا إِنَّا وَجَدْنَآ آبَاءَنَا على أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] أي شريعة وملة وهي الكفر وعبادة الأوثان {وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 22].
فقوله عنهم مهتدون هو مصب التكذيب، لأن الله إنما يرضى بالاهتداء لا بالضلال.
فالاهتداء المزعوم أساسه تقليد الآباء الأعمى، وسيأتي إيضاح رده عليهم قريبًا إن شاء الله.
وقال تعالى في آية النحل بعد ذكره دعواهم المذكورة: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة} [النحل: 36]. فأوضح في هذه الآية الكريمة أنه لم يكن راضيًا بكفرهم، وأنه بعث في كل أمة رسولًا، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده، ويجتنبوا الطاغوت أي يتباعدوا عن عبادة كل معبود سواه.
وأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده، وأن بعضهم حقت عليه الضلالة أي ثبت عليه الكفر والشقاء.
وقال تعالى في آية الأنعام {قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]. فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية، هو الحجة البالغة على خلقه، يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق، فهو فضل منا ورحمة.
ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة، لأنه لم يكن له ذلك دينًا علينا ولا واجبًا مستحقًا يستحقه علينا، بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل. وحاصل هذا: أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلق، قبل أن يخلق الخلق، وعلم أن قومًا صائرون إلى الشقاء وقومًا صائرون إلى السعادة، فريق في الجنة وفريق في السعير.
وأقام الحجة على الجميع، ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبسًا فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك.
ثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر، وصرف قدرهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه، من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء.
فأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا، طائعين مختارين، غير مجبورين، ولا مقهورين {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله} [الإنسان: 30].
{قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149].