فصل: قال أبو السعود في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ثم قال: {سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون}: أي من نسبة الولد إليه، والمعنى: إزالة العلم يجب أن يكون واجب الوجود، وما كان كذلك فهو فرد مطلق لا يقبل التجزي.
والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء من أجزائه، فيتولد منه شخص مثله، ولا يكون إلا فيما هو قابل ذاته للتجزي، وهذا محال في حقه تعالى، فامتنع إثبات الولد.
ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال: {فذرهم يخوضوا}، أي في باطلهم، {ويلعبوا}، أي في دنياهم.
وظاهر هذين الأمرين مهادنة وترك، وذلك مما نسخ بآية السيف.
وقرأ الجمهور: {حتى يلاقوا}، وأبو جعفر، وابن محيصن، وعبيد بن عقيل، عن أبي عمرو: {يلقوا}، مضارع لقي.
{يومهم الذي يوعدون}: يوم القيامة.
وقال عكرمة وغيره: يوم بدر، وأضاف اليوم إليهم، لأنه الذي فيه هلاكهم وعذابهم.
وقرأ الجمهور: {إله فيهما}.
وقرأ عمر. وعبد الله، وأبي، وعلي، والحكم بن أبي العالي، وبلال بن أبي بردة، وابن يعمر، وجابر، وابن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وأبو الشيخ الهنائي، وحميد، وابن مقسم، وابن السميفع: الله فيهما.
ومعنى {إله}: معبود به، يتعلق الجار والمجرور، والمعنى: أنه هو معبود في السماء ومعبود في الأرض، والعائد على الموصول محذوف تقديره: هو إله، كما حذف في قولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا، وحسنه طوله بالعطف عليه، كما حسن في قائل لك شيئًا طوله بالمعول.
ومن قرأ: {الله}، ضمنه أيضًا معنى المعبود، كما ضمن العلم في نحو قولهم: هو حاتم في طيىء، أي جواد في طيىء.
ويجوز أن تكون الصلة الجار والمجرور.
والمعنى: أنه فيهما بالإلهية والربوبية، إذ يستحيل حمله على الاستقرار.
وفي قوله: {وفي الأرض}، نفى لآلهتهم التي كانت تعبد في الأرض.
{وعنده علم الساعة}: أي علم تعيين وقت قيامها، وهو الذي استأثر به تعالى.
وقرأ الجمهور: {يرجعون}، بياء الغيبة؛ ونافع، وعاصم، والعدنيان: بتاء الخطاب، وهو في كلتا القراءتين مبني للمفعول.
وقرىء: بفتح تاء الخطاب مبنيًا للفاعل.
وقرأ الجمهور: بياء الغيبة وشد الدال، وعنه بتاء الخطاب وشد الدال، والمعنى: ولا يملك آلهتهم التي يدعون الشفاعة عند الله.
قال قتادة: استثنى ممن عبد من دون الله عيسى وعزيرًا والملائكة، فإنهم يملكون شفاعة بأن يملكها الله إياهم، إذ هم ممن شهد بالحق، وهم يعلمونه في أحوالهم، فالاستثناء على هذا متصل.
وقال مجاهد وغيره: من المشفوع فيهم؟ كأنه قال: لا يشفع هؤلاء الملائكة وعزير وعيسى إلا فيمن شهد بالحق، وهو يعلمه، أي بالتوحيد، قالوا: فالاستثناء على هذا منفصل، كأنه قال: لكن من شهد بالحق يشفع فيهم هؤلاء.
وهذا التقدير الذي قدروه يجوز أن يكون فيه الاستثناء متصلًا، لأنه يكون المستثنى منه محذوفًا، كأنه قال: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة في أحد، إلا فيمن شهد بالحق، فهو استثناء من المفعول المحذوف، كما قال الشاعر:
نجا سالم والنفس منه بشدقه ** ولم ينج إلا جفن سيف ومئزار

أي: ولم ينج إلا جفن سيف، فهو استثناء من المشفوع فيهم الجائز فيه الحذف، وهو متصل.
فإن جعلته مستثنى من {الذين يدعون}، فيكون منفصلًا، والمعنى: ولا يملك آلهتهم، ويعني بهم الأصنام والأوثان، الشفاعة.
كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله.
ولكن {من شهد بالحق}، وهو توحيد الله، وهو يعلم ما شهد به، هو الذي يملك الشفاعة، وإن أدرجت الملائكة في {الذين يدعون}، كان استثناء متصلًا.
وقرأ الجمهور: {فانى يؤفكون}، بياء الغيبة، مناسبًا لقوله: {ولئن سألتهم}، أي كيف يصرفون عن عبادة من أقروا أنه موجد العالم.
وعبد الوارث، عن أبي عمرو: بتاء الخطاب.
وقرأ الجمهور: {وقيله}، بالنصب.
فعن الأخفش: أنه معطوف على {سرهم ونجواهم}، وعنه أيضًا: على وقال قيله، وعن الزجاج، على محل الساعة في قوله: {وعنده علم الساعة}.
وقيل: معطوف على مفعول يكتبون المحذوف، أي يكتبون أقوالهم وأفعالهم.
وقيل: معطوف على مفعول يعلمون، أي يعلمون الحق.
{وقيله يا رب}: وهو قول لا يكاد يعقل، وقيل: منصوب على إضمار فعل، أي ويعلم قيله.
وقرأ السلمي، وابن وثاب، وعاصم، والأعمش، وحمزة، {وقيله}، بالخفض، وخرج على أنه عطف على {الساعة}، أو على أنها واو القسم، والجواب محذوف، أي: لينصرن، أو لأفعلن بهم ما أشاء.
وقرأ الأعرج، وأبو قلابة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، ومسلم بن جندب: {وقيله} بالرفع، وخرج على أنه معطوف على {علم الساعة}، على حذف مضاف، أي وعلم قيله حذف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
وروي هذا عن الكسائي، وعلى الابتداء، وخبره: {يا رب} إلى {لا يؤمنون}، أو على أن الخبر محذوف تقديره مسموع، أو متقبل، فجملة النداء وما بعده في موضع نصب بو قيله.
وقرأ أبو قلابة: {يا رب}، بفتح الباء؛ أراد: يا ربا، كما تقول: يا غلام.
ويتخرج على جواز الأخفش: يا قوم، بالفتح وحذف الألف والاجتزاء بالفتحة عنها.
وقال الزمخشري: والذي قالوه يعني من العطف ليس بقوي في المعنى، مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطف عليه بما لا يحسن اعتراضًا، ومع تنافر النظم، وأقوى من ذلك.
والوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قولهم: أيمن الله، وأمانة الله، ويمين الله، ولعمرك، ويكون قوله: {إن هؤلاء قوم لا يؤمنون}، جواب القسم، كأنه قال: وأقسم بقيله، أو وقيله يا رب قسمي.
{إن هؤلاء قوم لا يؤمنون}، وإقسام الله بقيله، رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه.
انتهى، وهو مخالف لظاهر الكلام، إذ يظهر أن قوله: {يا رب} إلى {لا يؤمنون}، متعلق بقيله، ومن كلامه عليه السلام: وإذا كان أن هؤلاء جواب القسم، كان من إخبار الله عنهم وكلامه، والضمير في وقيله للرسول، وهو المخاطب بقول: {فاصفح عنهم}، أي أعرض عنهم وتاركهم، {وقل سلام}، أي الأمر سلام، فسوف يعلمون وعيد لهم وتهديد وموادعة، وهي منسوخة بآية السيف.
وقرأ الجمهور: {يعلمون}، بياء الغيبة، كما في: فاصفح عنهم.
وقرأ أبو جعفر، والحسن، والأعرج، ونافع، وهشام: بتاء الخطاب.
وقال السدي: {وقل سلام}، أي خيرًا بدلًا من شرهم.
وقال مقاتل: أورد عليهم معروفًا.
وحكى الماوردي: قل ما تسلم به من شرهم. اهـ.

.قال أبو السعود في الآيات السابقة:

{يا عباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}.
حكايةٌ لما يُنادَى به المتقونَ المتحابونَ في الله يومئذٍ تشريفًا لهم وتطييبًا لقلوبِهم.
{الذين ءامَنُواْ بآياتنا} صفةٌ للمُنادَى أو نُصب على المدحِ.
{وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ} أي مُخلصينَ وجوهَهُم لنَا جاعلينَ أنفسَهُم سالمةً لطاعتِنا، وهو حالٌ من واوِ آمنُوا. عن مقاتلٍ: إذَا بعثَ الله النَّاسَ فزعَ كلُّ أحدٍ فُينادِي منادٍ يا عبادِي فيرفعُ الخلائقُ رءوسهُم على الرجاءِ ثم يتبعُها الذينَ آمنُوا الآيةَ فينكِّسُ أهلْ الأديانِ الباطلةِ رءوسهُم.
{ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم} نساؤُكم المؤمناتُ.
{تُحْبَرُونَ} تُسرُّون سرورًا يظهرُ حَبارُه أي أثرُه على وجوهِكم، أو تُزينونَ من الحَبَرةِ وهو حُسن الهيئةِ، أو تُكرمونَ إكرامًا بليغًا. والحَبْرةُ المبالغةُ فيما وصفَ بجميلٍ.
{يُطَافُ عَلَيْهِمْ} بعدَ دخولِهم الجنَّةَ حسبَما أُمرِوا بهِ.
{بصحاف مّن ذَهَبٍ وأكواب} كذلك. والصِّحافُ جمعُ صَحْفةٍ، قيلَ: هيَ كالقصعَةِ، وقيلَ: أعظمُ القِصَاعِ الجفنةُ ثم القصعةُ ثم الصحفةُ ثم المكيلةُ. والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهو كوزٌ لا عُروةَ لَهُ.
{وَفِيهَا} أي في الجَّنةِ {مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس} من فُنونِ الملاذِّ. وقرئ {ما تَشْتَهي}.
{وَتَلَذُّ الأعين} أي تستلذُّه وتقرُّ بمشاهدتِه، وقرئ {وتلذُّهُ} {وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون} إتمامٌ للنعمةِ وإكمالٌ للسرورِ، فإنَّ كلَّ نعيمٍ له زوالٌ بالآخرةِ مقارن لخوفِه لا محالةَ. والالتفاتُ للتشريفِ.
{وَتِلْكَ الجنة} مبتدأٌ وخبرٌ {التى أُورِثْتُمُوهَا} وقرئ {وُرِّثتمُوهَا} {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدُنيا الأعمالِ الصالحةِ، شبَّه جزاءَ العملِ بالميراثِ لأنَّه يخلُفه العامل عليه، وقيلَ {تلكَ الجنةُ} مبتدأٌ وصفةٌ والموصولُ مع صلتِه خبرُهُ، وقيلَ: هو صفةُ الجنةُ كالوجهِ الأولِ والخبرُ بما كنتُم تعملُون فتتعلقُ الباءُ بمحذوفٍ لا بأُورثتمُوها كما في الأولَينِ.
{لَكُمْ فِيهَا فاكهة كَثِيرَةٌ} بحسبِ الأنواعِ والأصنافِ لا بحسبِ الأفرادِ فقطْ {مّنْهَا تَأْكُلُونَ} أي بعضَها تأكلونَ في كلِّ نوبةٍ، وأمَّا الباقِي فَعَلى الأشجارِ على الدوامِ لا ترى فيها شجرةً خلتْ عن ثمرِهَا لحظةً فهي مزينةٌ بالثمارِ أبدًا مُوقَرةٌ بَها. وعنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا ينزعُ رجلٌ من الجنَّةِ من ثمرِها إلا نبتَ مثلاَها مكانَها».
{إِنَّ المجرمين} أي الراسخينَ في الإجرامِ وهم الكفارُ حسبَما نبىءُ عنْهُ إيرادُهم في مقابلةِ المؤمنينَ بالآياتِ {فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون} خبرُ إنَّ، أو خالدونَ هُو الخبرُ، وفي متعلقةٌ بهِ.
{لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي لا يخففُ العذابُ عنُهم، من قولهم فَتَرتْ عنْهُ الحُمَّى إذا سكنِتْ قليلًا، والتركيبُ للضعفِ.
{وَهُمْ فِيهِ} أي في العذابِ. وقرئ {فيَها} أي في النَّارِ {مُّبْلِسُونَ} آيسونَ منَ النَّجاةِ.
{وَمَا ظلمناهم} بذلكَ {ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين} لتعريضِهم أنفسَهُم للعذابِ الخالدِ.
{وَنَادَوْاْ} خازنَ النَّارِ {يا مالك} وقرئ {يا مَالِ} على التَّرخيمِ بالضمِّ والكسرِ، ولعلَّه رمزٌ إلى ضعفِهم وعجزِهِم عن تأديةِ اللفظِ بتمامِه.
{لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي لِيُمتنا حتَّى نستريحَ من قضَى عليه إذا أماتَهُ والمعنى سَلْ ربَّك أنْ يقضي علينا، وهَذا لا يُنافِي ما ذُكرَ من إبلاسِهم لأنَّه جؤارٌ وتمنَ للموتِ لفرطِ الشدَّةِ {قال إِنَّكُمْ ماكثون} أيْ فِي العذابِ أبدًا لا خلاصَ لكُم منْهُ بموتٍ ولا بغيرِه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُما: أنَّه لا يُجيبُهم إلا بعدَ ألفِ سنةٍ، وقيلَ: بعد مائةٍ، وقيلَ: بعدَ أربعينَ سنةً.
{لَقَدْ جئناكم بالحق} في الدُّنيا بإرسالِ الرُّسلِ وإنزال الكتبِ وهو خِطَابُ توبيخٍ وتقريعٍ من جهةِ الله تعالى مقررٌ لجوابِ مالكٍ ومبينٌ لسببِ مكثِهم، وقيلَ: في قال ضميرُ الله تعالى: {ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ} أي حقَ كانَ {كارهون} لا يقبلونَهُ وينفرونَ عنْهُ، وأما الحقُّ المعهودُ الذي هو التوحيدُ أو القرآن فكلُّهم كارهونَ له مشمئزّونَ منْهُ {أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْرًا} كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ على المشركينَ ما فعلُوا من الكيدِ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وأمْ منقطعةٌ وما فَيها من مَعنْى بلْ للانتقال من توبيخِ أهلِ النَّارِ إلى حكايةِ جنايةِ هؤلاءِ، والهمزةُ للإنكارِ، فإنْ أُريدَ بالإبرامِ الإحكامُ حقيقةً فهيَ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه، وإنْ أُريدَ الإحكامُ صورةً فهيَ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه أيْ أأبرمَ مشركُو مكَة أمرًا من كيدِهم ومكرِهم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
{فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} كيدنَا حقيقةً لا همُ أو فإنَّا مبرمونَ كيدنَا بهم خقيقةً كما أبرمُوا كيدَهُم صورةً كقوله تعالى: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون} وكانُوا يتناجَون في أنديتِهم ويتشاورُون في أمورِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
{أَمْ يَحْسَبُونَ} أي بلْ أيحسبونَ {أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ} وهو ما حدَّثُوا به أنفسَهُم أو غيرَهُم في مكانٍ خالٍ {ونجواهم} أي ما تكلمُوا به فيما بينهم بطريقِ التَّناجِي {بلى} نحن نسمعُهما ونطَّلِعُ عليهما {وَرُسُلُنَا} الذينَ يحفظونَ عليهم أعمالَهم ويلازمونَهم أينَما كانُوا {لَدَيْهِمْ} عندَهُم {يَكْتُبُونَ} أي يكتبونهما أو يكتبونَ كلَّ ما صدرَ عنهُم من الأفعال والأقوالِ التي من جُمْلتِها ما ذُكرَ من سرِّهم ونجواهم. والجملةُ إما عطفٌ على ما يترجمُ عنْهُ بَلَى، أو حالٌ، أي نسمعُهما والحالُ أنَّ رسلَنا يكتبونَ {قُلْ} أي للكَفرةِ تحقيقًا للحقِّ وتنبيهًا لهم على أنَّ مخالفتَكَ لهم بعدمِ عبادتِك لما يعبدونَهُ من الملائكةِ عليهمِ السَّلامُ ليستْ لبغضِكَ وعداوتِكَ لَهُم أو لمعبوديِهم، بلْ إنَّما هُو لجزمِكَ باستحالةِ ما نسبُوا إليهم وبنَوا عليه عبادتَهُم من كونِهم بناتِ الله تعالى: {إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين} أيْ لَهُ وذلكَ لأنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعلمُ النَّاسِ بشؤونِه تعالى وبما يجوزُ عليهِ وبما لا يجوزُ وأولاهُم بمراعاةِ حقوقِه ومن مواجبِ تعظيمِ الوالدِ تعظيمُ ولدِه، وفيهِ من الدلالةِ على انتفاءِ كونِهم كذلكَ على أبلغِ الوجوهِ وأقوَاها وعلى كونِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على قوةِ يقينٍ وثباتِ قدمٍ في بابِ التَّوحيدِ ما لا يَخْقى معَ ما فيهِ من استنزالِ الكفرةِ عن رُتبةِ المكابرةِ حسبمَا يُعربُ عنْهُ إيرادُ إِنْ مكانَ لَوْ المنبئةِ عن امتناعِ مقدمِ الشرطيةِ، وقيلَ: إنْ كان للرحمنِ ولدٌ في زعمِكم فأنَا أولُ العابدينَ الموحدينَ لله تعالى، وقيلَ: فأَنا أولُ الآنفينَ أي المستنكفينَ منْهُ أو منْ أنْ يكونَ له ولدٌ، منْ عَبِدَ يَعْبَدُ إذَا اشتدَّ أَنَفُه، وقيلَ: إنْ نافيةٌ أي ما كانَ للرحمنِ ولدٌ فأنَا أولُ من قال بذلكَ. وقرئ {وُلْدٌ}.
{سبحان رَبّ السموات والأرض رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ} أي يصفونَهُ بهِ منْ أنْ يكونَ له ولدٌ. وفي إضافةِ اسمِ الربِّ إلى أعظمِ الأجرامِ وأقواها تنبيهٌ على أنَّها وما فيَها من المخلوقاتِ حيثُ كانتْ تحتَ ملكوتِه وربوبيتِه كيفَ يتوهمُ أنْ يكونَ شيءٌ منها جُزْءًا منْهُ سبحانه وفي تكريرِ اسم الربِّ تفخيمٌ لشأنِ العرشِ.
{فَذَرْهُمْ} حيثُ لم يُذعنُوا للحقِّ بعد ما سمعُوا هذا البرهانَ الجليَّ.
{يَخُوضُواْ} في أباطيلِهم {وَيَلْعَبُواْ} في دُنياهُم فإنَّ ما هُم فيهِ من الأفعال والأقوالِ ليستْ إلا من بابِ الجهلِ واللعبِ. والجزمُ في الفعلِ لجوابِ الأمرِ.
{حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ} من يومِ القيامةِ فإنَّهم يومئذٍ يعلمونَ ما فعلُوا وما يُفعلُ بهم.
{وَهُوَ الذي في السماء إله وَفِى الأرض إله} الظرفانِ متعلقانِ بالمَعْنى الوصفيِّ، الذي ينبىءُ عنْهُ الاسمُ الجليلُ من مَعْنى المعبوديةِ بالحقِّ بناءً على اختصاصهِ بالمعبودِ بالحقِّ كما مرَّ في تفسيرِ البسملةِ، كأنَّه قيلَ: وهُو الذي مستحقٌّ لأنْ يعبدَ فيهمَا، وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأنعامِ.
وقُرىءَ وهُو الذي في السماءِ الله وفي الأرضِ الله، والراجعُ إلى الموصولِ مبتدأٌ قد حذفَ لطولِ الصلةِ بمتعلقِ الخبرِ والعطفِ عليهِ، ولا مساغَ لكونِ الجارِّ خبرًا مقدمًا وإلهٌ مبتدأٌ مؤخرٌ للزومِ عراءِ الجُملةِ حينئذٍ عن العائدِ، نعمَ يجوزُ أن يكونَ صلةً للموصولِ وإلهٌ خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، على أنَّ الجملةَ بيانٌ للصلةِ وأنَّ كونَهُ في السماءِ على سبيلِ الإلهيةِ لا على سبيلِ الاستقرار، وفيهِ نفيُ الآلهةِ السماويةِ والأرضيةِ وتخصيصٌ لاستحقاقِ الإلهيةِ به تعالى.
وقوله تعالى: {وَهُوَ الحكيم العليم} كالدليلِ على ما قبلَهُ.