فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فضلنا بعضهم على بعض} قال: اتخذ الله إبراهيم خليلًا، وكلم موسى تكليمًا، وجعل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وهو عبد الله وكلمته وروحه، وآتى داود زبورًا، وآتى سليمان ملكًا لا ينبغى لأحد من بعده، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: {منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} قال: كلم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر هو الشعبي {ورفع بعضهم درجات} قال: محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: أتعجبون؟ الخلة لإِبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن المنذر عن الربيع بن خيثم قال: لا أفضل على نبينا أحدًا، ولا أفضل على إبراهيم خليل الرحمن أحدًا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات} يقول: من بعد موسى وعيسى.
وأخرج ابن عساكر بسندٍ واهٍ عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، إذ أقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية «أتحب عليًا؟قال: نعم. قال: إنها ستكون بينكم هنيهة. قال: معاوية: فما بعد ذلك يا رسول الله؟ قال: عفو الله ورضوانه. قال رضينا بقضاء الله ورضوانه، فعند ذلك نزلت هذه الآية: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد}». اهـ.

.فوائد بلاغية:

قال أبو حيان:
تضمنت هذه الآية الكريمة من أنواع البلاغة: التقسيم، في قوله: {منهم من كلم الله} بلا واسطة، ومنهم من كلمه بواسطة، وهذا التقسيم اقتضاه المعنى، وفي قوله: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} وهذا التقسيم ملفوظ به.
و: الاختصاص، مشارًا إليه ومنصوبًا عليه، و: التكرار، في لفظ البينات، وفي {ولو شاء الله ما اقتتلوا} على أحد التأويلين.
و: الحذف، في قوله: {منهم من كلم الله} أي كفاحًا وفي قوله: {يفعل ما يريد} يعني من هداية من شاء وضلالة من شاء. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال ابن عادل:

قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}.
في نصبه ستَّةُ أوجهٍ:
أحدها: أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحال.
الثاني: أَنَّهُ حالٌ على حذفِ مُضَافٍ، أي: ذوي درجاتٍ.
الثالث: أَنَّهُ مفعولٌ ثانٍ لرفع على أَنَّهُ ضُمِّنَ معنى بلَّغ بعضهم درجات.
الرابع: أنه بدلُ اشتمالٍ، أي: رفع درجاتٍ بعضهم، والمعنى: على درجاتِ بعض.
الخامس: أنه مصدرٌ على معنى الفعل لا لفظه؛ لأَنَّ الدّرجة بمعنى الرَّفعة، فكأنه قيل: ورَفَع بعضهم رَفعاتٍ.
السادس: أنه على إِسْقاط الخافضِ، وذلك الخافضُ يَحْتمل أن يَكُون عَلَى أو في، أو إلى تقديره: على درجاتٍ أو في درجاتٍ أو إلى درجات، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجر انتصَبَ ما بعده. اهـ.

.قال أبو حيان:

و: تلك، مبتدأ وخبره: الرسل، و: فضلنا، جملة حالية، وذو الحال: الرسل، والعامل فيه اسم الإشارة.
ويجوز أن يكون: الرسل، صفة لاسم الإشارة، أو عطف بيان، وأشار بتلك التي للبعيد لبعد ما بينهم من الأزمان وبين النبي صلى الله عليه وسلم، قيل الإشارة إلى الرسل الذين ذكروا في هذه السورة، أو للرسل التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأولى أن تكون إشارة إلى المرسلين في قوله: {وإنك لمن المرسلين} ولا يلزم من ذلك علمه صلى الله عليه وسلم بأعيانهم، بل أخبر أنه من جملة المرسلين، وأن المرسلين فضل الله بعضهم على بعض، وأتى: بتلك، التي للواحدة المؤنثة، وإن كان المشار إليه جمعًا، لأنه جمع تكسير، وجمع التكسير حكمه حكم الواحدة المؤنثة في الوصف، وفي عود الضمير، وفي غير ذلك، وكان جمع تكسير هنا لاختصار اللفظ، ولإزالة قلق التكرار، لأنه لو جاء: أولئك المرسلون فضلنا، كان اللفظ فيه طول، وكان فيه التكرار.
والالتفات في: نتلوها، وفي: فضلنا، لأنه خروج إلى متكلم من غائب، إذ قبله ذكر لفظ: الله، وهو لفظ غائب.
والتضعيف في: فضلنا، للتعدية، و: على بعض، متعلق بفضلنا، قيل: والتفضيل بالفضائل بعد الفرائض أو الشرائع على غير ذي الشرائع، أو بالخصائص كالكلام. اهـ.

.تفسير الآية رقم (254):

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببًا للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعًا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان {أنفقوا} تصديقًا لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من البخل {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9].
ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال: {مما} أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثًا على المبادرة إلى امتثال الأمر وتقبيحًا بحال من أبطأ عنه فقال: {رزقناكم} بما لنا من العظمة، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس، وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب، فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن الرزق لا يكون إلا حلالًا لكونه مأمورًا به، وأتبعه بما يرغب ويرهب من حال يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال: {من قبل أن يأتي يوم} موصوف بأنه {لا بيع فيه} موجود {ولا خلة} قال الحرالي: هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضى والسخط، فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله- انتهى.
{ولا شفاعة} والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال، ولا يراعى لصداقة من مساوٍ ولا شفاعة من كبير، لعدم إرادة الله سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد، وفي الآية التفات شديد إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة، وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك، وسيأتي في الآيات الحاثّة على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات} [البقرة: 271] وغيرها وقال الحرالي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} [البقرة: 3] إلى قوله: {المفلحون} [البقرة: 5] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة آي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظامًا معنويًا برأس {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 1 2] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد.
فكان أوله حمدًا وآخره حمدًا ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال «حمدني عبدي، أثنى عليّ عبدي» فجملته حمد وتفاصيله ثناء- انتهى. اهـ.

.القراءات والوقوف:

قال النيسابوري:

.القراءات:

{لا بيعَ فيه ولا خلة ولا شفاعة} بالفتح غير منون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير؛ الباقون: بالرفع والتنوين. وكذلك في سورة إبراهيم: {لا بيع فيه ولا خلال} [الآية: 31] وكذلك في سورة الطور: {لا لغو فيها ولا تأثيم} [الآية: 23].

.الوقوف:

بالحق ط للابتداء، بأن المرسلين O على بعض م؛ لأنه لو وصل صار الجار والمجرور صفة لبعض فينصرف بيان تفضيل الرسل إلى بعض، فيكون موسى عليه السلام من هذا البعض المفضَّل عليه غيره لا من البعض المفضَّل على غيره بالتكليم. درجات ط للعدول، القدس ط، من كفر ط، ما يريد، ولا شفاعة ط، الظالمون O. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق، وأيضًا فيه وجه آخر، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله: {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله} [البقرة: 244] ثم أعقبه بقوله: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد، وهو قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ أَنفِقُواْ}. اهـ.
وقال الفخر:
المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالًا بقوله: {أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم} فنقول: الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقًا بالإجماع أما ما كان حرامًا فإنه لا يجوز إنفاقه، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حرامًا، والأصحاب قالوا: ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقًا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقًا حلالًا. اهـ.
وقال الفخر:
اختلفوا في أن قوله: {أَنفَقُواْ} مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة، فقال الحسن: هذا الأمر مختص بالزكاة، قال لأن قوله: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب.
وقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب، وليس في الآية وعيد، فكأنه قيل: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة.
والقول الثالث: أن المراد منه الإنفاق في الجهاد: والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد، وهذا قول الأصم. اهـ.