فصل: قال نظام الدين النيسابوري:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{ولنبلونكم} بالأمر بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة.
{حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} على مشاقه.
{وَنَبْلُوأخباركم} ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبحها. أوأخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها. وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة بالياء لتوافق ما قبلها. وعن يعقوب {وَنَبْلُوَ} بسكون الواو على تقدير ونحن نبلو.
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله وَشَاقُّواْ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى} هم قريظة والنضير أو المطعمون يوم بدر.
{لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا} بكفرهم وصدهم. أولن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته.
{وَسَيُحْبِطُ أعمالهم} ثواب حسنات أعمالهم بذلك. أو مكايدهم التي نصبوها في مشاقته فلا يصلون بها إلى مقاصدهم ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم.
{يا أيها الذين ءَآمنوا أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول ولا تُبْطِلُواْ أعمالكم} بما أبطل به هؤلاء كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها. وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر.
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} عام في كل من مات على كفره وإن صح نزوله في أصحاب القليب. ويدل بمفهو مه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه.
{فَلاَ تَهِنُواْ} فلا تضعفوا.
{وَتَدْعُواْ إِلَى السلم} ولا تدعوا إلى الصلح خورًا وتذللًا. ويجوز نصبه بإضمار إن وقرىء {ولا تدعوا} من ادعى بمعنى دعا. وقرى أبو بكر وحمزة بكسر السين.
{وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} الأغلبون.
{والله مَعَكُمْ} ناصركم.
{ولن يَتِرَكُمْ أعمالكم} ولن يضيع أعمالكم. من وترت الرجل إذا قتلت متعلقًا به من قريب أوحميم فأفردته منه من الوتر. شبه به تعطيل ثواب العمل وإفراده منه.
{إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ ولهو} لإثبات لها.
{وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} ثواب إيمانكم وتقواكم.
{ولاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم} جميع أموالكم بل يقتصر على جزء يسير كربع العشر والعشر.
{إِنْ يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} فيجهدكم بطلب الكل والإِحفاء والإِلحاف المبالغة وبلوغ الغاية يقال: أحفى شاربه إذ استأصله.
{تَبْخَلُواْ} فلا تعطوا.
{وَيُخْرِجْ أضغانكم} ويضغنكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والضمير في يخرج لله تعالى. ويؤيده القراءة بالنون أو البخل لأنه سبب الإِضغان. وقرىء {وتخرج} بالتاء والياء ورفع {أضغانكم}.
{هَا أَنتُمْ هؤلاء} أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون وقوله: {تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ في سَبِيلِ الله} استئناف مقرر لذلك. أوصلة لـ: {هَؤُلاء} على أنه بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرهما.
{فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} ناس يبخلون وهو كالدليل على الآية المتقدمة.
{وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} فإن نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه. والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإِمساك والتعدي فإنه إمساك عن مستحق.
{والله الغنى وَأَنتُمُ الفقراء} فما يأمركم به فهو لاحتياجكم إليه فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم.
{وَإِن تَتَولواْ} عطف على {إِن تُؤْمِنُواْ}.
{يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} يقم مقامكم قومًا آخرين.
{ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم} في التو لي والزهد في الإِيمان. وهم الفرس لأنه سئل عليه الصلاة والسلام عنه وكان سلمان إلى جنبه فضرب فخذه وقال: «هذا وقومه» أو الأنصار أو اليمن أو الملائكة. عن النبي صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة محمد كان حقًا على الله أن يسقيه من أنهار الجنة». اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري:

{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وللْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)}.
التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أوذنبوأمتك. أو المراد فاعلم خبرًا يقينًا على ما علمته نظرًا واستدلالًا. أوأراد فاذكر لا إله إلا الله. والهاء في {أنه} لله أوللأمر والشأن. أو الأول إشارة إلى أصو ل الحكمة النظرية. والثاني إلى أصو ل الحكمة العملية. أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية.
عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية. وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم. والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال. وفي الآية نكتة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده. وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الاثام حتى لا يقع فيها. وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أوأعم ويندرج فيها الشفاعة. ثم قال: {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر. وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل. وقيل: الأول في الدنيا والثاني في الآخرة. وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار. والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفًا من التقصير في العبودية. ثم ذكر طرفًا آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام. وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم {لولا نزلت} سورة في باب القتال {فإذا أنزلت سورة محكمة} مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ {وذكر فيها القتال} عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين. قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في أبلغ في باب التوبيخ. قوله: {فأولى لهم} كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره. هذه عبارة كثير من المفسرين. وقال المبرد: يقال للأنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك. أي قاربت العطب ثم نجوت. وهو في الفرقان على معنى التحذير. وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه. وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد. وعلى هذا فلا وقف على {لهم} كما أشير إليه في الوقف. واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال: {وأولوالأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75] والأصح أنه فعل متعدٍ من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال. ويحتمل أن يكون فعلى من ال يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره. ثم حثهم على الامتثال بقوله: {طاعة وقول معروف} أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر. أوأمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله: {طاعة معروفة} [الآية: 53] ويجوز أن يكون أمرًا للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف.
{فإذا عزم الأمر} أي جدّ وصار معزومًا عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال. ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله: {فهل عسيتم} هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في (البقرة) في قوله: {عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم} [الآية: 216] فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم {إن توليتم} وأعرضتم عن الدين أوتو ليتم أمور الناس {أن تفسدوا في الأرض} بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام {وتقطعوا أرحامكم} بالقتل والعقوق وواد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد. وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف. إمالة لهم إلى طريق الأنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال. فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا. فعرض الله سبحانه بأنهم إن ولوا أمور الناس أوأعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية. ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال: {أولئك الذين لعنهم الله} بعدهم عن رحمته. ثم بين نتيجة اللعن قائلًا {فأصمهم} أي عن قبو ل الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا {وأعمى أبصارهم} أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات. قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم اذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة. والسمع لا يتفاوت بوجود وعدمها. ولذلك يسمع مقطوع الأذن. وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه. فالتأكيد هناك إنام يحصل بترك ذكر الأذن وههنا بذكر الأبصار والله أعلم. قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي. فإذا أبطأ عليهم التمسوه. فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها.
سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله: {أفلا يتدبرون القرآن}؟ وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز. ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير. وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة. قال جار الله: إنام نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أوأريد على قلوب قاسية مبهم أمرها. وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفخ. ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال: {إن الذين ارتدوا} الآية.
{ذلك} الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين. أوقال المنافقون ليهود قريضة والنضير. أوقاله اليهود أو المنافقون للمشركين {سنطيعكم في بعض الأمر} الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به. وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد {والله يعلم أسرارهم} فلذلك أفشى الذي قالوه سرًا فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله: {فكيف} يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت {يضربون وجوههم وأدبارهم} التي كانوا يتقون أن يصيبها افة في القتال. أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار.
وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب {ذلك} الإذلال والإهانة {بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط. وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله. وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين. وإنما قال: {ما أسخط الله} ولم يقل (ما أرضى الله) لأن رحمته سبقت غضبه. فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء. ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله: {أم حسب} وهي منقطعة. والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة. وإخراج الإضغان إبرازها للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين كما قال: {ولو نشاء لأريناكهم} أي لوشئنا أريناك أماراتهم {فلعرفتهم} كررت لام جواب (لو) في المعطوف لأجل المبالغة {بسيماهم} بعلامتهم. عن أنس أنه ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين. ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصحبوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب (هذا منافق).
ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم {لئن رجعنا إلى المدينة} [المنافقون: 8] {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13] أولتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله: {ومن الناس من يقول} [البقرة: 8] {ومنهم من عاهد الله} [التوبة: 75] وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته. وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحومن الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال:
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ** واللحن يعرفه ذو والألباب

ويقال للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال الكلبي: لحن القول كذبه. ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عرفه. وعن ابن عباس هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب {والله يعلم أعمالكم} فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها {ولنبلونكم} أي لنأمرنكم بما لا يكون متعينًا للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب.
{ونبلوأخباركم} التي تحكي عنكم كقولكم {امنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8] أو عهودكم كقوله: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار} [الأحزاب: 15] أوأسراركم أو ما ستفعلونه أوأخباركم الأراجيف كقوله: {والمرجفون في المدينة} [الأحزاب: 60] عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا. ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر {إن الذين كفروا} الآية. وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية. ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم أوإطعامهم. ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى. عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون إنه لا يضر مع (لا إله إلا الله) ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية. فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باقٍ يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال: {إن الذين كفروا} الآية. قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن والده وقال: إنه كان محسنًا في كفره. وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.
{فلا تهنوا} لا تضعفوا ولا تجبنوا {وتدعوا إلى السلم} أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح. ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار (إن) بعد الواو في جواب النهي {وأنتم الأعلون} الغالبون المستولون عليهم {والله معكم} بالنصرة والكلاءة {ولن يتركم أعمالكم} أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلًا من ولد أوأخ أوقريب أوسلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد. كأنك أفردته من قريبه أو ماله. وفي الحديث «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» وهو من فصيح الكلام. ثم زادهم حثًا على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه سبحانه إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود فائدتها عليهم كما قال «خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم» قوله: {ولا يسألكم أموالكم} أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر. أولا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زادًا لكم في المعاد. وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه. وقيل: إنهم لا يملكون شيئًا وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه. والقول هو الأول لقوله: {إن يسألكموها فيحفكم} أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافيًا مما في ملكه أي عاريًا {تبخلوا ويخرج} الإحفاء أو الله تعالى على طريق التسبب {أضغانكم} أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين.