فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{إِنَّ المتقين في جنات وَنَعِيمٍ} لما فرغ سبحانه من ذكر حال المجرمين ذكر حال المتقين، وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة، ويجوز أن تكون من جملة ما يقال للكفار زيادة في غمهم وحسرتهم، والتنوين في {جنات وَنَعِيمٍ} للتفخيم {فاكهين بِمَا ءاتاهم رَبُّهُمْ} يقال: رجل فاكه، أي: ذو فاكهة، كما قيل: لابن وتامر.
والمعنى: أنهم ذوو فاكهة من فواكه الجنة، وقيل: ذوو نعمة وتلذّذ بما صاروا فيه مما أعطاهم الله عزّ وجلّ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقد تقدّم بيان معنى هذا.
قرأ الجمهور: {فاكهين} بالألف والنصب على الحال.
وقرأ خالد: {فاكهون} بالرفع على أنه خبر بعد خبر.
وقرأ ابن عباس {فكهين} بغير ألف، والفكه: طيب النفس، كما تقدم في الدخان، ويقال: للأشر والبطر، ولا يناسب التفسير به هنا {ووقاهم رَبُّهُمْ عَذَابَ الجحيم} معطوف على آتاهم، أو على خبر إنّ، أو الجملة في محل نصب على الحال بإضمار قد.
{كُلُواْ واشربوا هَنِيئًَا} أي: يقال لهم ذلك، والهنيء: ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر.
قال الزجاج: أي: ليهنئكم ما صرتم إليه هناء، والمعنى: كلوا طعامًا هنيئًا، واشربوا شرابًا هنيئًا، وقد تقدم تفسير هنيئًا في سورة النساء، وقيل: معنى {هنيئًا}: أنكم لا تموتون.
{مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} انتصابه على الحال من فاعل كلوا، أو من مفعول آتاهم، أو من مفعول وقاهم، أو من الضمير المستكنّ في الظرف، أو من الضمير في {فاكهين}.
قرأ الجمهور: {على سرر} بضم الراء الأولى.
وقرأ أبو السماك بفتحها، والسرر: جمع سرير.
والمصفوفة المتصل بعضها ببعض حتى تصير صفًا {وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ} أي: قرناهم بها.
قال يونس بن حبيب: تقول العرب: زوّجته امرأة، وتزوّجت بامرأة، وليس من كلام العرب زوّجته بامرأة.
قال: وقول الله تعالى: {وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ} أي: قرناهم بهنّ.
وقال الفرّاء: زوّجته بامرأة، لغة أزدشنوءة، وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الدخان.
قرأ الجمهور: {بحور عين} من غير إضافة.
وقرأ عكرمة بإضافة الحور إلى العين.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس: {والطور} قال: جبل.
وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطور جبل من جبال الجنة» وكثير ضعيف جدًّا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ} قال: في الكتاب.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة»، وفي الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: «ثم رفع إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه» وأخرج عبد الّرزّاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن أبي الطفيل أن ابن الكوّاء سأل عليًا عن البيت المعمور فقال: ذلك الضراح، بيت فوق سبع سموات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه أبدًا إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير نحوه عن ابن عباس.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر ورفعه، قال: إن البيت المعمور، لجيال الكعبة لو سقط منه شيء لسقط عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا، ثم لا يعودون إليه.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وضعف إسناده السيوطي.
وأخرج ابن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {والسقف المرفوع} قال: السماء.
وأخرج عبد الرّزّاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {والبحر المسجور} قال: بحر في السماء تحت العرش.
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر مثله.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: المسجور: المحبوس.
وأخرج ابن المنذر عنه قال: المسجور: المرسل.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضًا {يَوْمَ تَمُورُ السماء مَوْرًا} قال: تحرك، وفي قوله: {يَوْمَ يُدَعُّونَ} قال: يدفعون.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضًا {يوم يدعون إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} قال: يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضًا في قوله: {كُلُواْ واشربوا هَنِيئًَا} أي: لا تموتون فيها، فعندها قالوا: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الاولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [الصافات: 58، 59]. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال ابن القيم:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}.
وروى قيس عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم عينه ثم قرأ {والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما التناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} قال ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين وذكر ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال شريك أظنه حكاه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل الرجل الجنة سال عن أبويه وزوجته وولده فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك أو عملك فيقول يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بالإلحاق بهم ثم تلا ابن عباس {والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم بإيمان} إلى آخر الآية» وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية هل المراد بها الصغار أو الكبار أو النوعان على ثلاثة أقوال واختلافهم مبني على إن قوله: {بإيمان} حال من الذرية والتابعين أو المؤمنين المتبوعين فقالت طائفة المعنى والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم فأتوا من الإيمان بمثل ما أتوا به وألحقناهم بهم في الدرجات قالوا ويدل على هذا قراءة من قرأ {واتبعتم ذريتهم} فجعل الفعل في الإتباع لهم قالوا وقد أطلق الله سبحانه الذرية على الكبار كما قال: {ومن ذريته داود وسليمان} قال: {ذرية من حملنا مع نوح} وقال: {وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} وهذا قول الكبار والعقلاء.
قالوا ويدل على ذلك ما رواه قول سعيد بن جبير عن ابن عباس يرفعه: إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه فهذا يدل على أنهم دخلوا الجنة بأعمالهم ولكن لم يكن لهم أعمال يبلغوا بها درجة آبائهم فبلغهم إياها وإن تقاصر عملهم عنها قالوا أيضا فالأيمان هو القول والعمل والنية وهذا إنما يمكن من الكبار وعلى هذا فيكون المعنى إن الله سبحانه يجمع ذرية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان بمثل إيمانه إذ هذا حقيقة التبعية وإن كانوا دونه في الإيمان رفعهم الله إلى درجته إقرارا لعينه وتكميلا لنعيمه وهذا كما إن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم معه في الدرجة تبعا وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهن وقالت طائفة أخرى الذرية هاهنا الصغار والمعنى والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم في إيمان الآباء والذرية تتبع الآباء وإن كانوا صغارا في الإيمان وإحكامه من الميراث والدية والصلاة عليهم والدفن في قبور المسلمين وغير ذلك ألا فيما كان من أحكام البالغين ويكون قوله بإيمان على هذا في موضع نصب على الحال من المفعولين أي واتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء قالوا ويدل على صحة هذا القول البالغين لهم حكم أنفسهم في الثواب والعقاب فإنهم مستقلون بأنفسهم ليسوا تابعين الآباء في شيء من أحكام الدنيا ولا أحكام الثواب والعقاب لاستقلالهم بأنفسهم ولو كان المراد بالذرية البالغين لكن أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم وتكون أولاد التابعين البالغون كلهم في درجة آبائهم وهلم جرا إلى يوم القيامة فيكون الآخرون في درجة السابقين قالوا ويدل عليه أيضا أنه سبحانه جعلهم معهم تبعا في الدرجة كما جعلهم تبعا معهم في الإيمان ولو كانوا بالغين لم يكن إيمانهم تبعا بل إيمان استقلال قالوا ويدل عليه إن الله سبحانه وتعالى جعل المنازل في الجنة بحسب الأعمال في حق المستقلين وأما الإتباع فان الله سبحانه وتعالى يرفعهم إلى درجة أهليهم وإن لم يكن لهم أعمالهم كما تقدم وأيضا فالحور العين والخدم في درجة أهليهم وان لم يكن لهم عمل بخلاف المكلفين البالغين فإنهم يرفعون إلى حيث بلغتهم أعمالهم.
وقالت فرقة منهم الواحدي الوجه إن تحمل الذرية الصغار والكبار لأن الكبير يتبع الأب بإيمان نفسه والصغير يتبع الأب بإيمان الأب قالوا والذرية تقع على الصغير والكبير والواحد والكثير والابن والأب كما قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون} أي آباءهم والإيمان يقع على الإيمان التبعي وعلى الاختياري الكسبي فمن وقوعه على التبعي قوله فتحرير رقبة مؤمنة فلو اعتق صغيرا جاز قالوا وأقوال السلف تدل على هذا قال سعيد بن جبير عن ابن عباس إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم عيونهم ثم قرأ هذه الآية وقال ابن مسعود في هذه الآية الرجل يكون له القدم ويكون له الذرية فيدخل الجنة فيرفعون إليه لتقر بهم عينه وإن لم يبلغوا ذلك وقال أبو مجلز يجمعهم الله له كما كان يحب إن يجتمعوا في الدنيا وقال الشعبي ادخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة وقال الكلبي عن ابن عباس إن كان الآباء ارفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء وإن كان الأبناء ارفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء وقال إبراهيم أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئا وقال ويدل على صحة هذا القول إن القراءتين كالآيتين فمن قرأ {واتبعتهم ذريتهم} فهذا من حق البالغين الذين تصح نسبة الفعل إليهم كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} ومن قرأ {واتبعناهم ذرياتهم} فهذا في حق الصغار الذين اتبعهم الله إياهم في الإيمان حكما فدلت القراءتان على النوعين قلت واختصاص الذرية هاهنا بالصغار اظهر لئلا يلزم استواء المتأخرين بالسابقين في الدرجات ولا يلزم مثل هذا في الصغار فإن أطفال كل رجل وذريته معه في درجته والله أعلم. اهـ.

.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}.
هذه الآية تقتضي عموم رهن كل إنسان بعمله ولو كان من أصحاب اليمين نظرا لشمول المدلول عليه بلفظه كل وقد جاءت آية أخرى تدل على عدم شمولها لأصحاب اليمين وهي قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ}.
والجواب ظاهر وهو أن آية الطور هذه تخصصها آية المدثر. اهـ.

.تفسير الآيات (25- 28):

قوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان ألذ ما إلى الحبيب وأعظم ما يكون من أربه ذكر محبوبه والثناء عليه بما منّ به، قال تعالى شارحًا لذلك عاطفًا على ما تقديره: فأقبلوا على تعاطي ما ذكر من النعم: {وأقبل بعضهم} لما ازدهاهم من السرور، وراقهم من اللذة والحبور {على بعض يتساءلون} أي يسأل بعضهم بعضًا عن السبب الموصل له إلى هذا النعيم الذي لا يقدر مخلوق على وصفه حق وصفه، ثم استأنف شرح ذلك بقوله: {قالوا} أي قال كل منهم مؤكدًا استلذاذًا بما أداهم إلى ما هم فيه لأنه لا يكاد يصدق، مسندين النعمة بفعل الكون إلى الله الذي جبلهم جبلة خير، مسقطين الجار إشارة إلى دوام خوفهم، تنبيهًا على أن الخوف الحامل على الكف عن المعاصي يشترط فيه الدوام، بخلاف الرجاء الحامل على الطاعات، فإنه يكفي فيه ما تيسر كما تأتي الإشارة إليه بإثبات الجار: {إنا كنا قبل} أي في دار العمل {في أهلنا} على ما لهم من العدد والعدد والنعمة والسعة، ولنا بهم من جوالب اللذة والدواعي إلى اللعب {مشفقين} أي عريقين في الخوف من الله لا يلهينا عنه شيء مع لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة والجلال والكبرياء والكمال حق قدره، وأنه لو واخذنا بأصغر ذنوبنا أهلكنا، قال الرازي: والإشفاق: دوام الحذر مقرونًا بالترحم، وهو أن يشفق على النفس قبل أن تجمح إلى العناد، وله أقسام: إشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع، وإشفاق على الخليقة لمعرفة مقاديرها، وإشفاق على الوقت أن يشوبه تفرق وعلى القلب أن يمازجه عارض وعلى النفس أن يداخلها- انتهى.
ولما حكى عنهم سبحانه أنهم أثبتوا لأنفسهم عملًا تدريبًا لمن أريدت سعادته، فكان بحيث يظن أنهم رأوه هو السبب لما وصلوا إليه، قالوا نافين لهذا الظن، مبينين أن ما هم فيه إنما هو ابتداء تفضل من الله تعالى لأن إشفاقهم منه سبحانه لكيلا يعتمد الإنسان على شيء من عمله فلا يزال معظمًا لربه خائفًا منه: {فمنّ الله} الذي له جميع الكمال بسب إشفاقنا منه {علينا} بما يناسب كماله فأمّننا {ووقانا} أي وجنبنا بما سترنا به {عذاب السموم} أي الحر النافذ في المسام نفوذ السم.
ولما ذكروا إشفاقهم، بينوه مؤكدين أيضًا لمثل ذلك بقولهم: {إنا كنا} أي بما طبعنا عليه وهيئنا له.
ولما كان الدعاء بمعنى فعل العبادة، وكانت تقع في بعض الزمان، أثبت الجار إشارة إلى ذلك مع إسقاطه قبل هذا في الدعاء بالقوة إشارة إلى أن التحلي بالفضائل يرضى منه باليسر، والتخلي عن الرذائل لابد فيه من البراءة عن كل قليل وكثير فقيل: {من قبل} أي في الدنيا {ندعوه} أي نسأله ونعبده بالفعل، وأما خوفنا بالقوة فقد كان في كل حركة وسكنة، ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأن إنعامه عليهم مع تقصيرهم مما لا يكاد يفعله غيره، فهو مما يعجب منه غاية العجب فقالوا: {إنه هو} أي وحده {البر} الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة، لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع، فهو يبر عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما بره بالنعمة وربما بره بالبؤس، فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له في العقبى، فعلى المؤمن أن لا يتهم ربه في شيء من قضائه {الرحيم} المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته، ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25)}.
إشارة إلى أنهم يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا، فتزداد لذة المؤمن من حيث يرى نفسه انتقلت من السجن إلى الجنة ومن الضيق إلى السعة، ويزداد الكافر ألمًا حيث يرى نفسه منتقلة من الشرف إلى التلف ومن النعيم إلى الجحيم، ثم يتذكرون ما كانوا عليه في الدنيا من الخشية والخوف، فيقولون {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ في أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} وهو أنهم يكون تساؤلهم عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون خشية الله كنا نخاف الله {فَمَنَّ الله عَلَيْنَا ووقانا عَذَابَ السموم} وفيه لطيفة وهو أن يكون إشفاقهم على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان ثم لما نزلوا الجنة علموا خطأهم. اهـ.