فصل: قال السمرقندي في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{أم يريدون كيدًا}: أي بك وبشرعك، وهو كيدهم به في دار الندوة، {فالذين كفروا}: أي فهم، وأبرز الظاهر تنبيهًا على العلة، أو الذين كفروا عام فيندرجون فيه، {هم المكيدون}: أي الذين يعود عليهم وبال كيدهم، ويحيق بهم مكرهم، وذلك أنهم قتلوا يوم بدر، وسمى غلبتهم كيدًا، إذ كانت عقوبة الكيد.
{أم لهم إله غير الله} يعصمهم ويدفع عنهم في صدور إهلاكهم، ثم نزه تعالى نفسه، {عما يشركون} به من الأصنام والأوثان.
{وإن يروا كسفًا من السماء}: كانت قريش قد اقترحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما اقترحت من قولهم: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا، فأخبر تعالى أنهم لو رأوا ذلك عيانًا، حسب اقتراحهم، لبلغ بهم عتوهم وجهلهم أن يغالطوا أنفسهم فيما عاينوه، وقالوا: هو سحاب مركوم، تراكم بعضه على بعض ممطرنا، وليس بكسف ساقط للعذاب.
{فذرهم}: أمر موادعة منسوخ بآية السيف.
وقرأ الجمهور: {حتى يلاقوا}؛ وأبو حيوة: حتى يلقوا، مضارع لقي، {يومهم}: أي يوم موتهم واحدًا واحدًا، والصعق: العذاب، أو يوم بدر، لأنهم عذبوا فيه، أو يوم القيامة، أقوال، ثالثها قول الجمهور، لأن صعقته تعم جميع الخلائق.
وقرأ الجمهور: يصعقون، بفتح الياء.
وقرأ عاصم وابن عامر وزيد بن عليّ وأهل مكة: في قول شبل بن عبادة، وفتحها أهل مكة، كالجمهور في قول إسماعيل.
وقرأ السلمي: بضم الياء وكسر العين، من أصعق رباعيًا.
{وإن للذين ظلموا}: أي لهؤلاء الظلمة، {عذابًا دون ذلك}: أي دون يوم القيامة وقبله، وهو يوم بدر والفتح، قاله ابن عباس وغيره.
وقال البراء بن عازب وابن عباس أيضًا: هو عذاب القبر.
وقال الحسن وابن زيد: مصائبهم في الدنيا.
وقال مجاهد: هو الجوع والقحط، سبع سنين.
{فإنك بأعيننا}: عبارة عن الحفظ والكلاءة، وجمع لأنه أضيف إلى ضمير الجماعة، وحين كان الضمير مفردًا، أفرد العين، قال تعالى: {ولتصنع على عيني} وقرأ أبو السمال: بأعيننا، بنون واحدة مشدّدة.
{وسبح بحمد ربك}، قال أبو الأحوص عوف بن مالك: هو التسبيح المعروف، وهو قول سبحان الله عند كل قيام.
وقال عطاء: حين تقوم من كل مجلس، وهو قول ابن جبير ومجاهد.
وقال ابن عباس: حين تقوم من منامك.
وقيل: هو صلاة التطوع.
وقيل: الفريضة.
وقال الضحاك: حين تقوم إلى الصلاة تقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك.
وقال زيد بن أسلم: حين تقوم من القائلة والتسبيح، إذ ذاك هو صلاة الظهر.
وقال ابن السائب: اذكر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة.
{ومن الليل فسبحه}: قبل صلاة المغرب والعشاء.
{وأدبار النجوم}: صلاة الصبح.
وعن عمرو وعليّ وأبي هريرة والحسن: إنها النوافل، {وأدبار النجوم}: ركعتا الفجر.
وقرأ سالم بن أبي الجعد والمنهال بن عمرو ويعقوب: وأدبار، بفتح الهمزة، بمعنى: وأعقاب النجوم. اهـ.

.قال السمرقندي في الآيات السابقة:

قوله تعالى: {والطور}.
أقسم الله تعالى بالجبل وكل جبل فهو طور بلغة النبط.
ويقال: بلغة السريانية.
ولكن عني به الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام بمدين.
ثم قال: {وكتاب مُّسْطُورٍ} يعني: في اللوح المحفوظ.
ويقال: أعمال بني آدم {فِى رَقّ مَّنْشُورٍ} يعني: في صحيفة منشورة، كما قال: {وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره في عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُورًا} [الإسراء: 13] يعني: مفتوحًا يقرؤونه.
ويقال: {كِتَابٌ مُّسْطُورٍ} يعني: القرآن.
{فِى رَقّ مَّنْشُورٍ} يعني: المصاحف.
ويقال: في اللوح المحفوظ.
ثم قال: {والبيت المعمور} وهو في السماء السابعة.
ويقال: في السماء السادسة ويقال: في السماء الرابعة.
وروى وكيع بإسناده عن علي، وابن عباس في قوله: {والبيت المعمور} قالا: هو بيت في السماء حيال الكعبة، يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
قال بعضهم: بناه الملائكة قبل أن يخلق آدم عليه السلام وقال بعضهم: هو البيت الذي بناه آدم بمكة، فرفعه الله تعالى في أيام الطوفان إلى السماء بحيال الكعبة.
وقال بعضهم: أنزل الله بيتًا من ياقوتة في زمان آدم عليه السلام ووضع بمكة، فكان آدم يطوف به وذريته من بعده إلى زمن الطوفان، فرفع إلى السماء، وهو {البيت المعمور} طوله كما بين السماء والأرض.
ثم قال: {والسقف المرفوع} يعني: السماء المرتفعة من الأرض مقدار خمسمائة عام {والبحر المسجور} يعني: البحر الممتلىء تحت العرش، وهو بحر مكفوف.
يقال له: الحيوان يحمي الله به الموتى يوم القيامة، فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء.
ويقال: أقسم بخالق هذه الأشياء {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ} يعني: العذاب الذي أوقع الكفار فهو كائن {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} يعني: لا يقدر أحد أن يرفع عنهم العذاب.
ثم بيّن أن ذلك العذاب في أي يوم يكون فقال: {يَوْمَ تَمُورُ السماء مَوْرًا} يعني: تدور السماء بأهلها دورًا، وتموج بعضهم في بعض من الخوف.
صار اليوم نصبًا لنزع الخافض.
ومعناه: أن عذاب ربك لواقع في {يَوْمَ تَمُورُ السماء مَوْرًا} يعني: في يوم القيامة {وَتَسِيرُ الجبال سَيْرًا} يعني: {تسير} على وجه الأرض {الجبال سَيْرًا} مثل السحاب حتى تستوي بالأرض {فَوَيْلٌ} الشدة من العذاب {يَوْمَئِذٍ} يعني: يوم القيامة {لّلْمُكَذّبِينَ} بيوم القيامة.
ثم نعتهم فقال: {الذين هُمْ في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} يعني: في باطل يلهون، ويستهزئون.
قوله عز وجل: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} يعني: تدفعهم خزنة جهنم.
ويقال: {يَدَّعُونَ} يعني: يزعجون إليها إزعاجًا شديدًا، ويدفعون دفعًا عنيفًا.
ومنه قوله تعالى: {فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم} [الماعون: 2] أي: يدفع عما يجب.
ويقال: دعًا يعني: دفعًا على وجوههم يجرون، فإذا دنوا منها، قالت لهم الخزنة: {هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ} يعني: لم تصدقوا بها، ولم تأمنوا بها في الدنيا.
{أَفَسِحْرٌ هذا} العذاب الذي ترون لأنفسكم، لأنكم قلتم في الدنيا للرسول ساحرًا، ومجنون.
{أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} النار.
ويقال: بل أنتم لا تعقلون.
ثم قال لهم: {اصلوها} يعني: ادخلوا فيها {فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} يعني: فإن صبرتم، أو لم تصبروا، فهو {سَوَاء عَلَيْكُمْ} اللفظ لفظ الأمر، المراد به الخبر.
يعني: إن صبرتم أو لم تصبروا، فلا تنجون منها أبدًا {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من الكفر والتكذيب.
ثم بيّن حال المتقين فقال: {إِنَّ المتقين في جنات} يعني: الذين يتقون الشرك، والفواحش في بساتين {وَنَعِيمٍ فاكهين} يعني: معجبين.
ويقال: ناعمين.
ويقال: فرحين.
{بِمَا ءاتاهم رَبُّهُمْ} في الجنة من الكرامة {ووقاهم رَبُّهُمْ عَذَابَ الجحيم} يعني: دفع عنهم عذاب النار.
ويقول لهم الخزنة: {كُلُواْ واشربوا} يعني: كلوا من ألوان الطعام، والثمار، واشربوا من ألوان الشراب، {هَنِيئًَا} يعني: لا داء، ولا غائلة فيه، ولا يخاف في الأكل، والشرب، من الآفات ما يكون في الدنيا، {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يعني: هذا الثواب لأعمالكم التي عملتم في الدنيا.
ثم قال: {مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ} يعني: نائمين على سرر {مَصْفُوفَةٌ} قد صف بعضها إلى بعض، فكانوا على سرر، وكل من كان، اشتاق إلى صديقه يلتقيان.
قوله تعالى: {وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ} يعني: بيض الوجوه.
العين: حسان الأعين.
قوله تعالى: {والذين ءامَنُواْ} يعني: صدقوا بالله، ورسوله، وصدقوا بالبعث {واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ} يعني: ألحقناهم ذرياتهم.
قرأ أبو عمرو: {وأتبعناهم} {أَلْحَقْنَا بِهِمْ} الثلاثة كلها بالألف.
وقرأ نافع: اثنان بغير ألف، والآخر: بالألف.
وقرأ ابن عامر الأول: بغير ألف.
والآخران: بالألف.
والباقون: كلها ألف.
فمن قرأ: {اتبعناهم} معناه: ألحقناهم.
يعني: الذين آمنوا، وجعلنا ذريتهم مؤمنين، ألحقنا بهم ذريتهم في الجنة في درجتهم.
ومن قرأ: {ءامَنُواْ واتبعتهم} بغير ألف، يعني: ذريتهم معهم.
ومن قرأ {ذرياتهم} بالألف، فهو جمع الذرية.
ومن قرأ: بغير ألف، فهو عبارة عن الجنس، ويقع على الجماعة أيضًا.
وقال مقاتل: معناه الذين أدركوا مع آبائهم، وعملوا خيرًا في الجنة، ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل، فهم معهم في الجنة.
ويقال: إن أحدهم إذا كان أسفل منه، يلحق بهم، لكي تقر عينه.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يرفع الله المسلم ذريته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه.
ثم قال: {ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا ألتناهم مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء} يعني: ما نقصناهم من عمل الآباء إذا كانوا مع الأبناء، حتى يبلغ بهم ذريتهم، من غير أن ينقص من أجر أولئك شيئًا، ولا من ذريتهم.
{كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} يعني: كل نفس مرتهنة بعملها يوم القيامة.
ثم رجع إلى صفة المتقين في التقديم، وكرامتهم، قوله تعالى: {وأمددناهم بفاكهة} يعني: أعطيناهم من ألوان الفاكهة {وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ} يعني: يتمنون.
قرأ ابن كثير: {ألتناهم} بكسر اللام، وهي لغة لبعض العرب.
واللغة الظاهرة: بالفتح، وهي من آلت يألت وهو النقصان.
قوله عز وجل: {يتنازعون فِيهَا كَأْسًا} يعني: يتعاطون في الجنة.
تعطيهم الخدم قدح الشراب، ولا يكون كأسًا إلا مع الشراب، {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا} يعني: لا باطل في الجنة {وَلاَ تَأْثِيمٌ} يعني: لا إثم في شرب الخمر.
ويقال: {لا تَأْثِيمٌ} يعني: لا تكذيب فيما بينهم.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: {لا لَغْوًا فِيهَا} بنصب الواو، {وَلاَ تَأْثِيمًا} بنصب الميم.
والباقون: بالضم مع التنوين.
فمن قرأ: بالنصب، فهو على التبرئة.
ومن قرأ: بالضم، فهو على معنى الخبر.
يعني: ليس فيها لغو ولا تأثيم، كما قال: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [الصافات: 47].
ثم قال عز وجل: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} يعني: في الحسن، والبياض، مثل اللؤلؤ في الصدف لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين.
وروى سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلًا قال: يا نبي الله هذا الخادم، فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده، إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر، على سائر الكواكب.
ثم قال: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ} يعني: يتحدثون، ويتساءلون في الجنة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا.
ثم يقول: صرت إلى هذه المنزلة الرفيعة.
قوله تعالى: {قالواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ} يعني: في الدنيا {فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} يعني: خائفين من العذاب.
ثم قال: {فَمَنَّ الله عَلَيْنَا} يعني: من علينا بالمغفرة، والرحمة.
{ووقانا عَذَابَ السموم} يعني: دفع عنا عذاب النار.
قوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ} يعني: في الدنيا ندعو الرب {إِنَّهُ هُوَ البر} الصادق في قوله، وفيما وعد لأوليائه.
ويقال: {البر} بمعنى النار {الرحيم} قرأ نافع، والكسائي: أنه بالنصب.
ومعناه: إنا كنا من قبل ندعوه بأنه هو البر.
وقرأ الباقون: بالكسر على معنى الاستئناف.
ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعظ الناس ولا يبالي في قولهم.
فقال عز وجل: {فَذَكّرْ} يعني: فعظ بالقرآن {فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ} يعني: برحمة ربك.
ويقال: هو كقوله: ما أنت بحمد الله مجنون.
وقال أبو سهل: متعظ بالقرآن، ولست أنت والحمد لله {بكاهن وَلاَ مَجْنُونٍ} ويقال: فذكر.
يعني: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين المتقين، وبما أعتدنا للضالين الكافرين {فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بكاهن وَلاَ مَجْنُونٍ} يعني: لست تقول بقول الكهنة، ولا تنطق إلا بالوحي.
ثم قال: {أَمْ يَقولونَ شَاعِرٌ} يعني: أيقولون هو شاعر يأتي من قبل نفسه، وهو قول الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأصحابهما.
{نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} يعني: أوجاع الموت، وحوادثه.