فصل: (سورة النجم: الآيات 55- 58):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة النجم: الآيات 55- 58]:

{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (55) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (58)}.
{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى} تتشكك، والخطاب لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أو للإنسان على الإطلاق، وقد عدد نعما ونقما وسماها كلها آلاء من قبل ما في نقمه من المزاجر والمواعظ للمعتبرين {هذا} القرآن {نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى} أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم. أو هذا الرسول منذر من المنذرين الأولين، وقال: الأولى على تأويل الجماعة {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} قربت الموصوفة بالقرب في قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}، {لَيْسَ لَها} نفس {كاشِفَةٌ} أي مبينة متى تقوم، كقوله تعالى: {لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ} أو ليس لها نفس كاشفة، أي: قادرة على كشفها إذا وقعت إلا اللّه، غير أنه لا يكشفها. أو ليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير، وقيل الكاشفة مصدر بمعنى الكشف: كالعافية. وقرأ طلحة: {ليس لها مما يدعون من دون اللّه كاشفة وهي على الظالمين ساءت الغاشية}.

.[سورة النجم: الآيات 59- 62]:

{أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)}.
{أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ} وهو القرآن {تَعْجَبُونَ} إنكارا {وَتَضْحَكُونَ} استهزاء {وَلا تَبْكُونَ} والبكاء والخشوع حق عليكم. وعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أنه لم ير ضاحكا بعد نزولها. وقرئ: {تعجبون} {تضحكون}، بغير واو {وَأَنْتُمْ سامِدُونَ} شامخون مبرطمون. وقيل: لاهون لاعبون. وقال بعضهم لجاريته: اسمدى لنا، أي غنى لنا {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} ولا تعبدوا الآلهة.
عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة النجم أعطاه اللّه عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وجحد به بمكة». اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} فيه خمسة أقاويل:
أحدها: نجوم القرآن إذا نزلت لأنه كان ينزل نجومًا، قاله مجاهد.
الثاني: أنها الثريا، رواه ابن أبي نجيح، لأنهم كانوا يخافون الأمراض عند طلوعها.
الثالث: أنها الزهرة، قاله السدي، لأن قومًا من العرب كانوا يعبدونها.
الرابع: أنها جماعة النجوم، قاله الحسن، وليس بممتنع أن يعبر عنها بلفظ الواحد كما قال عمر بن أبي ربيعة:
أحسن النجم في السماء الثريا ** والثريا في الأرض زين النساء

الخامس: أنها النجوم المنقضة، وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا، كثر انقضاض الكواكب قبل مولده، فذعر أكثر العرب منها، وفزعوا إلى كاهن لهم ضرير كان يخبرهم بالحوادث، فسألوه عنها، فقال انظروا البروج الاثني عشر، فإن انقض منها شيء، فهو ذهاب الدنيا، وإن لم ينقض منها شيء، فسيحدث في الدنيا أمر عظيم، فاستشعروا ذلك، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان هو الأمر العظيم الذي استشعروه، فأنزل الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} أي ذلك النجم الذي هوى، هو لهذه النبوة التي حدثت.
وفي قوله تعالى: {إِذَا هَوى} ستة أقاويل:
أحدها: النجوم إذا رقي إليها الشياطين، قاله الضحاك.
الثاني: إذا سقط.
الثالث: إذا غاب.
الرابع: إذا ارتفع.
الخامس: إذا نزل.
السادس: إذا جرى، ومهواها جريها، لأنها لا تفتر في جريها في طلوعها وغروبها، وهذا قول أكثر المفسرين.
وهذا قسم، وعلى القول الخامس في انقضاض النجوم خبر.
{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، وفيه وجهان:
أحدهما: ما ضل عن قصد الحق ولا غوى في اتباع الباطل.
الثاني: ما ضل بارتكاب الضلال، وما غوى بأن خاب سعيه، وألفى الخيبة كما قال الشاعر:
فمن يلق خيرًا يحمد الناس أمره ** ومن يغو لا يعدم على الغي لائمًا

أي: من خاب في طلبه لامه الناس، وهذا جواب القسم على قول الأكثرين، قال مقاتل: وهي أول سورة أعلنها رسول الله بمكة.
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} فيه وجهان:
أحدهما: وما ينطق عن هواه، وهو ينطق عن أمر الله، قاله قتادة.
الثاني: ما ينطق بالهوى والشهوة، إن هو إلا وحي يوحى بأمر ونهي من الله تعالى له.
{إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} أي يوحيه الله إلى جبريل ويوحيه جبريل إليه.
{عَلَّمَهُ شَدِيدٌ الْقُوَى} يعني: جبريل في قول الجميع.
{ذو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} فيه خمسة أوجه:
أحدها: ذو منظر حسن، قاله ابن عباس.
الثاني: ذو غناء، قاله الحسن.
الثالث: ذو قوة، قاله مجاهد وقتادة، ومن قول خفاف بن ندبة:
إني امرؤ ذو مرة فاستبقني ** فيما ينوب من الخطوب صليب

الرابع: ذو صحة في الجسم وسلامة من الآفات، ومن قول امرىء القيس:
كنت فيهم أبدًا ذا حيلة ** محكم المرة مأمون العقد

الخامس: ذو عقل، قاله ابن الأنباري، قال الشاعر:
قد كنت عند لقاكم ذا مرة ** عندي لكل مخاصم ميزانه

وفي قوله: {فَاسْتَوَى} خمسة أوجه:
أحدها: فاستوى جبريل في مكانه، قاله سعيد بن جبير.
الثاني: قام جبريل على صورته التي خلق عليها لأنه كان يظهر له قبل ذلك في صورة لا رجل. حكى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل على صورته إلا مرتين: أما واحدة، فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق. وأما الثانية، فإنه كان معه حين صعد، وذلك قوله: {وَهُوَ بِاْلأُفُقِ الأَعْلَى}.
الثالث: فاستوى القرآن في صدره، وفيه على هذا وجهان:
أحدهما: فاعتدل في قوته.
الثاني: في رسالته.
الرابع: يعني: فارتفع، وفيه على هذا وجهان:
أحدهما: أنه جبريل ارتفع إلى مكانه.
الثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، ارتفع بالمعراج.
{وَهُوَ بِلأُفُقِ الأَعْلَى} فيه قولان:
أحدهما: أنه جبريل حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى، قاله السدي.
الثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل بالأفق الأعلى، قاله عكرمة. وفي الأفق الأعلى ثلاثة أقاويل:
أحدها: هو مطلع الشمس، قاله مجاهد.
الثاني: هو الأفق الذي يأتي منه النهار، قاله قتادة، يعني طلوع الفجر.
الثالث: هو أفق السماء وهو جانب من جوانبها، قاله ابن زيد، ومنه قول الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ** لنا قمراها والنجوم والطوالع

{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} فيه قولان:
أحدهما: أنه جبريل، قاله قتادة.
الثاني: أنه الرب، قاله ابن عباس.
وقوله: {فَتَدَلَّى} فيه وجهان:
أحدهما: تعلق فيما بين والسفل لأنه رآه منتصبًا مرتفعًا ثم رآه متدليًا، قاله ابن بحر.
الثاني: معناه قرب، ومنه قوله تعالى: {وَتُدلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أي تقربوها إليهم، وقال الشاعر:
أتيتك لا أدلي بقربى قريبة ** إليك ولكني بجودك واثق

وقيل فيه تقديم وتأخير، وتقديره: ثم تدلى فدنا، قاله ابن الأنباري.
{فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى} فيه أربعة أقاويل:
أحدها: قيد قوسين، قاله قتادة والحسن.
الثاني: أنه بحيث الوتر من القوس، قاله مجاهد.
الثالث: من مقبضها إلى طرفها، قاله عبد الحارث.
الرابع: قدر ذراعين، قاله السدي، فيكون القاب عبارة عن القدر، والقوس عبارة عن الذراع.
ثم اختلفوا في المعنى بهذا الداني على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه جبريل من ربه، قاله مجاهد وهو قول ابن عباس.
الثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم من ربه، قاله محمد بن كعب.
الثالث: أنه جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم.
{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} في عبده الموحى إليه قولان:
أحدهما: أنه جبريل عليه السلام أوحى إليه ما يوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالته عائشة، والحسن، وقتادة.
الثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم أوحي إليه على لسان جبريل، قاله ابن عباس والسدي.
{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} في الفؤاد قولان:
أحدهما: أنه أراد صاحب الفؤاد فعبر عنه بالفؤاد لأنه قطب الجسد وقوام الحياة.
الثاني: أنه أرد نفس الفؤاد لأنه محل الاعتقاد وفيه قولان:
أحدهما: معناه ما أوهمه فؤداه ما هو بخلافه كتوهم السراب ماء، فيصير فؤاده بتوهم المحال كالكاذب له، وهو تأويل من {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} بالتخفيف.
الثاني: معناه ما أنكر قلبه ما رأته عينه، وهو تأويل من قرأ {كَذَّبَ} بالتشديد.
وفي الذي رأى خمسة أقاويل:
أحدها: رأى ربه بعينه، قاله ابن عباس.
الثاني: في المنام، قاله السدي.
الثالث: أنه بقلبه روى محمد بن كعب قال: قلنا يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: «رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي مَرَّتَيْنِ» ثم قرأ: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}.
الرابع: أنه رأى جلاله، قاله الحسن، وروى أبو العالية قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رَأَيتُ نَهْرًَا وَرَأَيتُ وَرَاءَ النَّهْرِ حَجَابًا ورَأَيتُ وَرَاءَ الحِجَابِ نُورًا لَمْ أَرَ غَيَرَ ذَلِكَ».
الخامس: أنه رأى جبريل على صورته مرتين، قاله ابن مسعود.
{أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أفتجادلونه على ما يرى، قاله إبراهيم.
الثاني: أفتجادلونه على ما يرى، وهو مأثور.
الثالث: أفتشككونه على ما يرى، قاله مقاتل.
{وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى} يعني أنه رأى ما رآه ثانية بعد أُولى، قال كعب: إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى عليهما السلام، فرآه محمد مرتين، وكلمه موسى مرتين.
{عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى} روي فيها خبران.
أحدهما: ما روى طلحة بن مصرف عن مرة عن ابن مسعود قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها الخبر.
الثاني: ما رواه معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَتْ لِيَ سِدْرَةُ الْمُنتَهَى فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثَمَرُهَا مِثْلُ قِلاَلِ هَجْرٍ، وَوَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الفِيَلَةِ، يَخْرُجُ مِن سَاقِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بِاطِنَانِ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قال: أَمَّا النَّهْرَانِ البَاطِنَانِ فَفِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا النَّهْرانِ الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالفُرَاتُ».
وفي سبب تسميتها سدرة المنتهى خمسة أوجه:
أحدها: لانه ينتهي علم الأنبياء إليها، ويعزب علمهم عما وراءها، قاله ابن عباس.
الثاني: لأن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها، قاله الضحاك.
الثالث: لانتهاء الملائكة والنبيين إليها ووقوفهم عندها، قاله كعب.
الرابع: لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهاجه، قاله الربيع بن أنس.
الخامس: لأنه ينتهي إليها كل ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها، قاله ابن مسعود.
{عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} فيه قولان:
أحدهما: جنة المبيت والإقامة، قاله علي، وأبو هريرة.
الثاني: أنها منزل الشهداء، قاله ابن عباس، وهي عن يمين العرش وفي ذكر جنة المأوى وجهان على ما قدمناه في سدرة المنتهى:
أحدهما: أن المقصود بذكرها تعريف موضعها بأنه عند سدرة المنتهى، قاله الجمهور.
{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الذي يغشاها فراش من ذهب، قاله ابن مسعود ورواه مرفوعًا.
الثاني: أنهم الملائكة، قاله ابن عباس.
الثالث: أنه نور رب العزة، قاله الضحاك.
فإن قيل لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملًا ونية، فظلها بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره.
{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} في زيغ البصر ثلاثة أوجه؛ أحدها: انحرافه.
الثاني: ذهابه، قاله ابن عباس.