فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأما على القول بأن الدهان هوما يدهن به، فإن الله وقد وصف السماء عند انشقاقها بوصفين أحدهما حمرة لونها، والثاني أنها تذوب وتصير مائعة كالدهن.
أما على القول الأول، فلم نعلم آية من كتاب الله تبين هذه الآية، بأن السماء ستحمر يوم القيامة حتى تكون كلون الجلد الأحمر.
وأما على القول الثاني الذي هو أنها تذوب وتصير مائعة، فقد أوضحه الله في غير هذا الموضع وذلك في قوله تعالى في المعارج {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل} [المعارج: 6- 8] والمهل شيء ذائب على كلالقولين سواء قلنا: إنه دردي الزيت وهو عكره، أو قلنا إنه الذائب من حديد أو نحاس أو نحوهما.
وقد أوضح تعالى في الكهف أن المهل شيء ذائب يشبه الماء شديد الحرارة، وذلك في قوله تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه بِئْسَ الشراب وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29].
والقول بأن الوردة تشبيه الفرس الكميت وهو الأحمر لأن حمرته تتلون باختلاف الفصول، فتشتد حمرتها في فصل، ةتميل إلى الصفرة في فصل، وإلى الغبرة في فصل.
وأن المراد بالتشبيه كون السماء عند انشقاقها تتلون بألوان مختلفة واضح البعد عن ظاهر الآية، وقول من قال: إنها تذهب وتجيء معناه له شاهد في كتاب الله، وذلك في قوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السماء مَوْرًا} [الطور: 9] الآية، ولكنه لا يخلو عندي من بعد.
وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من انشقاق السماء يوم القيامة، جاء موضحًا في آيات كثيرة كقوله تعالى: {إِذَا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] وقوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة وانشقت السماء} [الحاقة: 15- 16].
وقوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام} [الفرقان: 25] الآية. وقوله: {إِذَا السماءانفطرت} [الانفطار: 1]، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة ق في الكلام على قوله تعالى: {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} [ق: 6].
{فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39)}.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه يوم القيامة لا يسأل إنسًا ولا جانًا عن ذنبه، وبين هذا المعنى في قوله تعالى في القصص: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون} [القصص: 78].
وقد ذكر جل وعلا في آيات أخر أنه يسأل جميع الناس يوم القيامة الرسل والمرسل إليهم، وذلك في قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين} [الأعراف: 6]، وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92- 93].
وقد جاءت آيات من كتاب الله مبينة لوجه الجمع بين هذه الآيات، التي قد يظن غير العالم أن بينها اختلافًا، اعلم أولًا أن للسؤال المنفي في قوله هنا {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ}، وقوله: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون} أخص من السؤال المثبت في قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، لأن هذه فيها تعميم السؤال في كل عمل، والآيتان قبلها ليس فيهما نفي السؤال إلا عن الذنوب خاصة وللجمع بين هذه الآيات أوجه معروفة عند العلماء.
الأول منها: وهو الذي دل عليه القرآن، وهو محل الشاهد عندنا من بيان القرآن بالقرآن هنا، هو أن السؤال نوعان: أحدهما سؤال التوبيخ والتقريع وهو من أنواع العذاب، والثاني هو سؤال الاستخبار والاستعلام.
فالسؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام، لأن الله أعلم بأفعالهم منهم أنفسهم كما قال تعالى: {أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6].
وعليه فالمعنى لا يسأل عن ذبه إنس ولا جان، سؤال استخبار واستعلام لأن الله أعلم بذنبه منه.
والسؤال المثبت في الآيات الأخرى هو سؤال التوبيخ والتقريع، سواء كان عن ذنب أو غير ذنب، ومثال سؤالهم عن الذنوب سؤال توبيخ وتقريع قوله تعالى: {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106]، ومثاله عن غير ذنب قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 24- 26] وقوله تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هذا} [الطور: 13- 15] الآية، وقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُم} [الأنعام: 130].
أما سؤال الموءودة في قوله: {وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ} [التكوير: 8] فلا يعارض الآيات النافية السؤال عن الندب، لأأنها سئلت عن أي ذنب قتلت وهذا ليس من ذبها، والمراد بسؤالها توبيخ قاتلها وتقريعه، لأأنها هي تقول لا ذنب لي، فيرجع اللوم على من قتلها ظلمًا.
وكذلك سؤال الرسل، فإن المراد توبيخ من كذبهم وتقريعه، مع إقامة الحجة عليه بأن الرسل قد بلغته، وباقي أوجه الجمع بين الآيات لا يدل عليه قرآن، وموضع هذا الكتاب بيان القرآن بالقرآن، وقد بينا بقيتها في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في أول سورة الأعراف.
وقد قدمنا طرفًا في هذا الكتاب المبارك في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين} [الأعراف: 6].
{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41)}.
قوله: {بِسِيمَانُهمْ}: أي بعلامتهم المميزة لها، وقد دل القرآن على أنها هي سواد وجوههم وزرقة عيونهم، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106] الآية، وقال تعالى: {وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60]، وقال تعالى: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الليل مُظْلِمًا أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27]، وقال تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة} [عبس: 40- 42] لأن معنى قوله: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي يعلوها ويغشاها سواد كالدخان الأسود، وقال تعالى في زرقة عيونهم: {وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقًا} [طه: 102] ولا شيء أقبح وأشوه من سواد الوجوه وزرقة العيون، ولذا لما أراد الشاعر أن يقبح علل البخيل بأسوإ الأوصاف وأقبحها، فوصفها بسواد الوجوه وزرقة العيون حيث قال:
وللبخيل على أمواله علل ** زرق العيون عليها أوجه سود

ولاسيما إذا اجتمع مع سواد الوجه اغبراره، كما في قوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} فإن ذلك يزيده قبحًا على قبح.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام}، وقد قدمنا تفسيره والآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًًّا} [الطور: 13].
{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44)}.
أما قوله: {هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون} فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور أيضًا في الكلام على قوله تعالى: {هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور: 14].
وأما قوله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} [الحج: 19- 20] الآية.
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)}.
وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن الآية قد يكون فيها وجهان صحيحان كلاهما يشهد له قرآن، فنذكر ذلك كله مبينين أنه كله حق، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، ومن ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء، كلاهما يشهد له قرآن:
أحدهما: أن المراد بقوله: {مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}: أي قيامه بين يدي ربه، فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام، وفاعله على هذا الوجه هو العبد الخائف، وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه، وهذا الوجه يشهد له قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النفس عَنِ الهوى فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى} [النازعات: 40- 41]، فإن قوله: {وَنَهَى النفس عَنِ الهوى}: قرينة دالة على أنه خاف عاقبة الذنب حين يقوم بين يدي ربه، فنهى نفسه عن هواها.
والوجه الثاني: أن فاعل المصدر الميمي الذي هو المقام، هو الله تعالى. أي خاف هذا العبد قيام العبد قيام الله عليه ومراقبته لأعماله وإحصائها عليه، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام الله على جميع خلقه وإحصائه عليهم أعمالهم كقوله تعالى: {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33]، وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدمنا في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى في شأن الجن: {ياقومنآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} [الأحقاف: 31] الآية، أن قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13 و16]، نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة.
مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54).
قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}.
قد بينا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل: 14] جميع الآيات القرآنية الدالة على تنعم أهل الجنة بالسندس والإستبرق، والحلية بالذهب والفضة، وبينا أن جميع ذلك يحرم على ذكور هذه الآمة في دار الدنيا.
{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)}.
قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطرف}.
قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف عِينٌ} [الصافات: 48].
{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72)}.
قد قدمنا معنى القصر في الخيام، وقصر الطرف على الأزواج في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف عِينٌ} [الصافات: 48]، وقدمنا الآيات الدالة على صفات نساء أهل الجنة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب في سورة البقرة والصافات. وغير ذلك. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)}.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قال: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطيّ السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراء من هذا الخضر تأتي عليّ بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية {ولمن خاف ربه جنتان}.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {ولمن خاف ربه جنتان} قال: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {ولمن خاف ربه جنتان} يقول: خاف ثم اتقى، والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في التوبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قال: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه فينزع عنها.