فصل: رعاية مصالح الناس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.رعاية مصالح الناس:

في قوله: فإن لولي الأمر إذا رأى- بعد استشارة أهل الخبرة- أن مصلحة الناس تقتضي أن تحدد البنوك الأرباح مقدمًا لمن يتعاملون معها، فله أن يكلفها بذلك رعاية لمصالح الناس....
فنرى هنا نظرة تتجه نحو المعتزلة وفكرها الذي يقدم العقل على الشرع، فلا يصح مطلقا أن تحكم خبرات الناس والعلماء في الشريعة أو الأحكام، بل هي التي تتحكم فيما يصلون إليه، وتحكم بصحته وفساده فلا يجوز الاعتماد على ما قد يراه علماء الاقتصاد وخبراء التجارة من أن الربا لابد منه لتنشيط الحركة التجارية والنهوض بها، إذ لو صح ذلك لكانت الشريعة محكومة بخبرات الناس وأفكارهم وتجاربهم الشخصية، ولما صح أن المصلحة فرع عن الدين فهي محكومة به ضبطا بل متوقفة عليه وجودا.
فمهما ظن إنسان أن مصلحته في أمر من الأمور، فلابد أن يقيس هذا الأمر على نصوص الشريعة ومقاصدها، فإن وافقها فيقدم وإلا فلا.
وليس معنى هذا أن الشريعة تقف حائلا دون خبرات الناس وتجاربهم فيما يظنون فيه مصلحة البشرية، بل كثير من نصوص الشريعة تدعو الناس للعلم والتفكر، ولكن الشارع سبحانه يعلم ما لا نعلم؛ فقد يظن العلماء أن مصلحة الناس سوف تتحقق في أمر من الأمور، يختلفون في إثباته ويتفقون، ويعلم الله تعالى غير ذلك فجعل سبحانه من قواعد الشريعة ما ينهى عنه رعاية للمصالح وإصلاحا للنفوس، فنحن لا نتهم نصوص الشريعة بل نتهم إفهام الناس التي كثيرا ما تتعرض للهوى أو النظرات الجانبية، وليست الكلية.
الدليل الثالث:
يقول الدكتور طنطاوي لا يوجد نص شرعي يمنع من أن يقوم أحد المتعاقدين في المضاربة بتحديد ربح مقدمًا، وبناء على ذلك لا مانع من أن يقوم المصرف المستثمر للمال بتحديد ربح معين في عقد المضاربة، الذي يكون بينه وبين صاحب المال الذي يضعه في المصرف بنية وبقصد الاستثمار فيما أحله الله تعالى.
نوضح أولا أن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال ليس عقد مضاربة؛ لأن حقيقة المضاربة تختلف عن القرض الذي يحدث بين المصرف كجهة وغيره من جهة أخرى؛ فالمصرف يتعامل بالربا على القرض الذي يأخذه أو يمنحه، والمضاربة تختلف عن ذلك، ولكي تتضح المسألة جيدا ينبغي أن أوضح طبيعة الفرق بين القرض والمضاربة.
فمن حيث الطبيعة:
نجد أن القرض يُحدد له فائدة ربوية تبعا للمبلغ المقترض والزمن الذي يستغرق القرض، كأن يكون 10% أو أكثر أو أقل من رأس المال سنويا، بغض النظر عما ينتج عن هذا القرض من كسب كثير أو قليل أو خسارة، وهو ما يفعله المصرف.
أما في المضاربة، فالربح الفعلي يقسم بين صاحب رأس المال والمضارِب بنسبة متفق عليها، والخسارة من رأس المال وحده، ولا يأخذ العامل شيئا في حالة الخسارة ولا في حالة عدم وجود ربح، هذا من ناحية طبيعة العقد.
ومن حيث العلاقة بين طرفي العملية الاقتصادية:
في القرض نجد العلاقة بين صاحب القرض وآخذه ليست من باب الشركة؛ فصاحب القرض له مبلغ معين محدد، ولا شأن له بعمل من أخذ القرض، ومن أخذ القرض يستثمره لنفسه فقط؛ حيث يملك المال، ويضمن رد مثله مع الزيادة الربوية، فإن كسب كثيرا فلنفسه، وإن خسر فيتحمل وحده الخسارة.
أما المضاربة فهي شركة فيها الغُنْم والغرم للاثنين معا؛ فالمضارب لا يملك المال الذي بيده، وإنما يتصرف فيه كوكيل عن صاحب رأس المال والكسب مهما قل أو كثُر، يقسم بينهما بالنسبة المتفق عليها، وعند الخسارة يتحمل صاحب المال الخسارة المالية، ويتحمل العامل ضياع جهده وعمله، ولا ضمان على المضارب إلا إذا ثبت إهماله وتسببه في هلاك ما بيده.
ويمكن مناقشة هذا الدليل من خلال نقطتين:
الأولى: أن الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة.
الثانية: أن يضع الإنسان ماله في المصرف، ويقصد بذلك الاستثمار.
مناقشة النقطة الأولى:
الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة: نص كثير من الفقهاء على عدم جواز المضاربة إذا تم تحديد أو اشتراط جزء معين من الربح، بل وحكى ابن المنذر الإجماع على بطلان المضاربة إذا اشترط كل واحد منهما لنفسه أو أحدهما شيئا دون الآخر، فقال: أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة. وهذا الإجماع نجده في كلام الفقهاء كما يقول الإمامان مالك والشافعي.
النقطة الثانية:
أن يضع الإنسان ماله ويقصد الاستثمار: إن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال تحت أي مسمى طالما أنه بفائدة محددة سلفا مقابل أجل محدد فهو ربا؛ وذلك لأن: علة التحريم منصبة على كونها زيادة محددة سلفا مقابل أجل محدد سواء كان أصل المعاملة قرضا أو دينا أو بيعا؛ فمتى وجدت الزيادة المحددة مقابل الأجل المحدد، فذلك هو الربا بصرف النظر عن أصل هذه المعاملة ولا تأثير لأمرين:
الأول: كون أصل هذه المعاملة قرضا أو دينا أو استثمارا.
الثاني: كون الزيادة مقابل الأجل شيئا متفقا عليه من أول المعاملة، أو هو شيء يستحدث بين الطرفين عند عدم الدفع حين يأتي أجله.
فلا ينفع هنا تغير النية طالما أن العلة وهي الزيادة مقابل الأجل موجودة.
الدليل الرابع:
يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي ضمن أدلته أن المصرف- وهو الطرف الذي يدفع الفائدة، ويقع عبئها على عاتقه- لم يحدد الربح مقدمًا إلا بعد دراسة مستفيضة ودقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع، ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها... إلخ.
وهذا التحديد فضلا عن كل ذلك، يتم بتعليمات وتوجيهات من المصرف المركزي الذي يعد بمنزلة الحكم بين البنوك وبين المتعاملين معها.
إن هذه الدراسة المستفيضة التي تحدد الربح مقدمًا، حيث يأخذ صاحب المال المكسب ولا يخسر شيئا قول لا تسنده الحقائق؛ فالبنوك المركزية نفسها، وهي التي تعطي تعليمات وتوجيهات بنسبة الفائدة لا تستطيع دفع ودائع مصرف بأكمله إذا ما تعرض للإفلاس. فمعلوم أن قوانين البنوك المركزية تمنعها من الاستثمار المباشر إلا بنسب ضئيلة جدًّا في بعض البلدان. وهي تأخذ من البنوك الأخرى نسبة احتياطي للودائع لا تزيد في غالب الأحوال عن 25%. فمن أين تدفع البنوك المركزية ودائع مصرف بأكمله إذا ما تعرض للإفلاس، وإن الواقع يؤكد ذلك حتى في أمريكا ذاتها معقل النظام الرأسمالي القائم على الربا. فالمصرف المركزي يضع الخطط ويحدد الفوائد، ولا يستطيع جبر خسارة مصرف واحد من البنوك الأخرى؛ لأنه- قانونًا- ممنوع من الاستثمار المباشر، كما أنه يعتمد على الوساطة المالية وعلى نسبة 25% من احتياطي الودائع في البنوك الأخرى، فإن كان لا يستطيع جبر خسارة مصرف واحد فكيف نثق في قدراته وتعليماته؟
ثم هل هذه التعليمات والتوجيهات والدراسات الدقيقة، التي تتعهد بوجود الربح لا الخسارة.. هل هذه التعليمات وهذا الربح يغير من حقيقة المعاملة وحقيقتها في كونها من الربا؟
ثم إن هذه الدراسة المستفيضة الدقيقة التي يتحدد في إطارها الربح ليست دائمًا دقيقة؛ فكثير من البنوك الربوية لم تستطع ضمان الودائع مع أرباحها، ونضرب مثلا على عدد من البنوك الربوية التي أغلقت وأشهرت إفلاسها في أمريكا وحدها.
عدد البنوك التي أغلقت وأشهرت إفلاسها:
أربعة آلاف مصرف%.
سبعة وسبعون مصرفا.
تسعة عشر مصرفا.
مائة وعشرون مصرفا.
مائة وواحد وثلاثون مصرفا.
مائة وواحد وأربعون مصرفا.
العام:
1933م.
1983م.
1984م.
1985م.
1986م.
1987م.
وعن الخسائر في بعض البنوك الأمريكية وحدها في 1987م وحده ما يلي:
اسم المصرف أو المؤسسة:
احتياطي الديون المعدومة:
ستيركوربوريشن.
مصرف أمريكا.
تشيس مانهاتن.
مانوفكتشرهانوفر.
ستيكورب أكبر مؤسسة مصرفية أمريكية.
3 مليارات دولار.
1.1 مليار دولار.
1.6 مليار دولار.
1.7 مليارات دولار.
3 مليارات دولار، 3 مليارات دولار، وذلك في النصف الأول من عام 1987.
وفي مصر الكثير والكثير من الخسائر المصرفية، وأشهرها ما حدث في مصرف التنمية والتجارة عام 1995م، ومن هنا يتبين أن هذا الدليل الذي أقام عليه فضيلته وجهة نظره من ناحية أن البنوك أرباحها مضمونة، وأنها لا تفلس لأنها تقوم على دراسات مستفيضة، دعوى يسقطها الواقع بل ويثبت نقيضها.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإننا نرى في أدلة الدكتور طنطاوي ما يثير العجب؛ إذ يبدو التناقض واضحا بين هذا الدليل والدليل السادس؛ فهنا يقول: إن الدراسات المستفيضة والدقيقة تحقق الربح الأكبر؛ حيث تنتفي الخسارة، وهذا ما يفهم من كلامه، وفي الدليل السادس يقول: إن هذا التحديد للربح لا يتعارض مع احتمال الخسارة.
الدليل الخامس:
يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي أن تحديد الربح مقدمًا في زمننا هذا فيه منفعة لصاحب المال، وفيه منفعة- أيضًا- لصاحب العمل المستثمر لهذا المال.
ففيه منفعة لصاحب المال؛ لأنه يعرفه حقه معرفة خالية من الجهالة، وبمقتضى هذه المعرفة ينظم أمور حياته.
وفيه منفعة لصاحب العمل؛ لأنه يحمله على أن يجد ويجتهد في عمله وفي نشاطه حتى يحقق ما يزيد على الربح الذي قرره لصاحب المال، وحتى يكون الفائض على نصيب صاحب المال حقا خالصا لصاحب العمل في مقابل جده ونشاطه واجتهاده مهما بلغ هذا الفائض.
فإذا كان فضيلة د. طنطاوي يقصد بالتحديد ما هو وارد في عقد المضاربة من تحديد نسبة الربح من صافي الربح فنعم، ولكن الواضح أن فضيلته يقصد به ما يحدث بين البنوك والأفراد من تحديد نسبة معينة يأخذها صاحب المال بعد مدة معينة زيادة على رأس ماله، وهذا هو عين الربا.
ثم يقول هذا التحديد فيه منفعة لصاحب المال ولصاحب العمل؛ فهل كل مصلحة يرى فيها الناس منفعة لهم يبيحها الشرع؟
الواقع أن هناك كثيرا من الأشياء التي نص الشارع على أن فيها منافع للناس، ومع ذلك نص على تحريمها مثل الخمر والميسر، قال تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219]. فقوله تعالى: {ومنافع للناس} يدل على تحقق المنفعة لهم، ومع هذا لا يستطيع أحد أن يقول: إنها حلال.
ثم يقول: هذا التحديد يعرف صاحب المال حقه؛ فهل يصير الربا حقًا يبني عليه الإنسان حياته ويرتب عليه معايشه؟ فما إن يأخذ المال يجعل نصب عينه الدين الذي عليه، بالإضافة للزيادة التي اشترطت عليه؛ فهي كلها من الدين، وعليه سدادها في مدة معينة، ثم يجتهد ويعمل مرة أخرى في المال ليحقق مكسبًا له أيضًا، وهو وحده يضمن المال إن خسر؛ لأنه لا شأن لصاحب المال به؛ لأنه يأخذ الربح ولا يتحمل الخسارة، وذلك هو الربا.
الدليل السادس:
يرى الدكتور محمد سيد طنطاوي أن هذا التحديد للربح مقدمًا، لا يتعارض مع احتمال الخسارة من جانب المستثمر وهو المصرف أو غيره؛ لأنه من المعروف أن الأعمال التجارية المتنوعة إن خسر صاحبها في جانبٍ رَبِح في جوانب أخرى، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر. واستشهد بقول ابن قدامة في المغني: إن العامل في المضاربة إذا اشترى سلعتين فربح في أحدهما وخسر في الأخرى، جُبرت الوضيعة أي الخسارة من الربح.
هذا الدليل- كما وضحنا- يتناقض مع الدليل الرابع، ونحن الآن بصدد مناقشته في قوله: إن خسر صاحبها في جانب ربح في جوانب أخرى، وبذلك تغطي الأرباح الخسائر. فمعنى هذا أن النقود في المصرف مختلطة؛ فمن دفع كثيرًا يتساوى مع من دفع قليلًا في مقدار النسبة على رأس المال؛ فما ذنب من ربحت أمواله حتى يؤخذ من ربحه لتغطية خسارة غيره؟
ثم إن المقطوع به في الدراسات الاقتصادية: أنه لا صلة بين سعر الفائدة وربح المدين أو خسارته، ولا بين سعر الفائدة والتضخم، بل إن الفائدة من أهم عوامل التضخم. وهذه الفائدة لا تتحدد بنسبة الربح والخسارة بل يتأثر تحديدها بعدة عوامل، منها: القوانين التي تضعها الدولة، والمصالح الشخصية لأصحاب المصارف، والمؤسسات المالية، والمضاربون في سوق الأوراق المالية الذين يخلقون تغييرات مفتعلة في السوق، وحالات الرواج والكساد، وكمية العرض والطلب.
فالفائدة التي تُحدد لا شأن للمقرض خسر ماله أم ربح فيها، إذن هي لا تخضع لمعيار الربح والخسارة، وإنما تخضع للقوانين والمصالح الشخصية وغيرها، فربما تكون نسبة شخص مرتفعة ونسبة الآخر منخفضة، وهذا تحدده العوامل السابقة.
وإذا قلنا: إن الأموال كلها تصب في مصرف واحد مثلا، يضع فلان مبلغا يختلف عن مبلغ الآخر؛ فهل يميز المصرف مبلغ كل منهما أم أنه لا شأن له بهذا التمييز؟ الحقيقة أن المصرف توضع لديه المبالغ فيخلطها في مشروع أو في إقراض آخر دون تمييز.
وهنا يأتي السؤال: هل يجوز عدم التمييز في المال الذي يقارض فيه اثنان واحدًا بنسبة من الربح متفاوتة؟ يرى الفقهاء أن هذه المعاملة غير جائزة إلا بتعيين الأموال المحددة لأشخاص محددين وبتعيين ومعلومية النشاط الذي اشتغلت به الأموال.
فقوله وإن عينا: يعني أن يعلم أن هذا المال الذي تاجر به في كذا هو مال فلان، وأن ربحه كذا وله فيه ما يتفقان عليه، وأن المال الآخر الذي تاجر به في كذا هو مال فلان، وله من ربحه ما يتفقان عليه.
وينبغي التميز في الشركتين، كما أنه إن خلط مال المضاربة بماله فإن فعل ولم يتميز ضمنه لأنه أمانة.
واستشهاد د. طنطاوي بابن قدامة الواضح أنه في حالة المضاربة من فرد واحد إلى العامل، أما في حالتنا هذه فيقول ابن قدامة تحت عنوان والوضيعة على قدر المال: يعني الخسران على كل واحد منهما بقدر ماله، فإن كان مالهما متساويا في القدر، فالخسران بينهما نصفين، وإن كان أثلاثا فالوضيعة أثلاث لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم. وهذا النص أولى بالصواب في حالة البنوك؛ فإذا ما ثبت أن المال فيها مبهم فهي تجمع الأموال كلها، ولا ندري في أي تجارة أو استثمار. وضع مال هذا أو ذاك؛ لأنها لا تقسم الربح بين الأفراد بل تحدد نسبا معينة لهم يأخذونها في حال الربح أو الخسارة، فإذا ما ثبت هذا ثبت فساد هذا النوع من المضاربة؛ لعدم تعيين مال كل واحد من المضاربين.
الدليل السابع:
يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي: خراب الذمم مما يجعل صاحب المال تحت رحمة صاحب العمل المستثمر للمال، وهو المصرف أو غيره، والذي قد يكون غير أمين، فيقول مثلا: ما ربحت شيئا، وقد ربح الكثير مما يوقع في الظلم الذي تنهي عنه الشريعة. ولدينا هنا تعليقان:
وتقرر القواعد الفقهية أن الأصل براءة الذمة. فلماذا نفترض عدم الأصل؟
وإذا افترضنا جدلا أن المصرف غير أمين، فأيهما أولى الامتناع عن الذهاب إليه والمخاطرة بالمال أم الذهاب إليه؟
الدليل الثامن:
يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي: كما تدخل الحكام والفقهاء في تضمين الصناع لما يهلك تحت أيديهم بسبب إهمالهم؛ فلولي الأمر أن يتدخل في عقود المضاربة بتحديد نسبة الربح مقدمًا، وأن يكون رأس المال مضمونًا، وهذا اللون يندرج تحت باب المصالح المرسلة.
نقول: لقد تدخل الفقهاء فعلًا في تضمين الصناع لما تحت أيديهم، وجعلوا علة ذلك الإهمال، فأوجبوا عليه بسبب إهماله ضمان المال. وهذا ضمان لصاحب المال من عبث العابثين من ناحية، ومن ناحية أخرى يجعل الصانع يعمل بجد، ويحافظ على ما في يده دون ظلم. فإن كان الهلاك بسبب خارج عن إرادته دون إهمال منه فلا شيء عليه.
ومسألة وضع المال في المصرف وغيره بعيدا عن هذا الوضع؛ فهو يحدد الربح مقدمًا، ويضمن رأس ماله كاملًا، لا يعرضه للهلاك؛ فهو يضعه في مصرف، ويعلم علم اليقين أنه سوف يأخذ أصل ماله مع زيادة متفق عليه.
فهذا الكلام وإن ظن أن فيه مصلحة لبعض الناس إلا أنه يتعارض بنص قطعي الثبوت والدلالة من كتاب الله تعالى وهو قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون}. فالله سبحانه وتعالى يقول: {فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون} أي بأخذ الزيادة، {ولا تُظلمون} أي بوضع رءوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه. د. طنطاوي يقول بتحديد نسبة من الربح مقدمًا تكون زيادة على رأس المال مع ضمان رأس المال؛ فبأي القولين نأخذ؟ بأمر الله وكلامه أم بأمر الدكتور محمد سيد طنطاوي؟
والأصل الذي قيست عليه هو تضمين الصناع لما يهلك تحت أيديهم بسبب الإهمال، ثم يقيس خراب الذمم في هذا الزمان على الإهمال؛ فهل هذه العلة خراب الذمم تتفق مع علة الإهمال من كل الوجوه؟ بالطبع لا. ونضيف إلى ذلك أن الأصل في الذمة البراءة لا غيرها.
وإذا جئنا لشروط العلة نجد أنها تختلف هنا عما أورده العلماء من شروط للعلة الصحيحة؛ فمثلا من الشروط: سلامة العلة عن الرد والمعارض الراجح والذي يبطل الوصف الذي هو علة ويرده هو النص أو الإجماع. وليس هناك نص أوضح مما ذكرناه من كتاب ربنا، حيث يقول: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون}، بالإضافة إلى إجماع من المجامع والبحوث الفقهية.
ثم يقول هذا من باب المصلحة المرسلة، ومعلوم أنه إذا اتضحت قطعية دلالة النص من كتاب أو سنة؛ اتضح سقوط احتمال المصلحة المظنونة في مقابله، حتى ولو كان لها شاهد من أصل تقاس عليه. فهذه المصلحة مصطدمة بنص قطعي الثبوت والدلالة فاحتمالها أصلًا غير قائم.
ومن شروط العلة أيضًا التي ينتفي معها هذا القياس ألا تكون علة الحكم في الأصل المقيس عليه غير العلة التي علق عليها الحكم في الفرع.
وكذلك من الشروط التي ينتفي معها القياس هنا ألا توجب العلة في الفرع حكمًا آخر غير حكم الأصل. فخراب ذمة المصرف يوجب الابتعاد عنه والانتظار حتى تبرأ ذمته وينصلح حاله بما يوافق الشرع، أما تضمين الصناع بسبب الإهمال لا يوجب الابتعاد عنهم بل القرب منهم لأخذ الضمان على الأقل بوجه حسن، أما في المصرف فأخذ المال بدون وجه حق بل وزيادة عليه.
وكذلك لابد من وضوح العلة، وهو ما يتنافى هنا؛ لأن خراب الذمم شيء عام ليس محددا ولا معينا، والأصل في العلة أن يكون الوصف المعلل به معينا.
الدليل التاسع:
قال الشيخ محمد سيد طنطاوي: لم يقل أحد من الأئمة: إن تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة يجعله معاملة ربوية يحرم فيها الربح الناشئ عن العمل في المال المستثمر؛ فالفقهاء أجمعوا على فساد عقد المضاربة بسبب تحديد الربح.
ونقول: إذا كان الفقهاء قد أجمعوا على فساد عقد المضاربة.. فهل المقصود أن يستمر ذلك العقد مع فساده؟ ففساد العقد دليل على انتهائه، ومن ثم لا يكون هناك ربا أو غيره؛ لأن العقد قد انتهى، ولذلك حكموا بفساد كل عقد للمضاربة اشترط فيه أحد المتعاقدين زيادة معينة.
ولم يتعرض أحد من الفقهاء- فيما نعلم- لاستمرار العقد على هذا النحو؛ لأنه من المعروف أن آراءهم أحكام يعمل بها، فليس من المعقول أن يخالفها أحد؛ لأنها مستمدة من الشريعة.
فإذا كان العقد فاسدًا فهل نبيحه، ثم نجعل منه أصلا نقيس عليه فرعا- وهو أرباح البنوك مع ضمان سلامة رأس المال- ونحكم بصحته أيضًا؟! كان من الأولى على أقل تقدير أن نحكم بفساده وإلغائه وتحريمه بدلًا من الحكم باستمراره والقياس عليه.