فصل: مطلب في الحديد ومنافعه وكونه من معجزات القرآن وما يعمل منه وما يستخرج فيه ويحتاج إليه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ} الّذين صدقوا اللّه ورسوله وكتابه وتصدقوا بفضول أموالهم {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} على الصّورة المبينة آنفا فـ: {يُضاعَفُ لَهُمْ} عملهم الحسن أضعافا كثيرة {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} (18) عند اللّه في الآخرة {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} وافيا جزاء أعمالهم الحسنة {وَنُورُهُمْ} مشرق على الصّراط، وفي طليعة هؤلاء العشرة المبشرون بالجنة {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ} (19) في الآخرة تحجم أي تسخم فيها وجوه أهلها بدخانها أعاذنا اللّه منها وحمانا فيا أيها النّاس {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ} فمثلها {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ} ييبس وبعد خضرته {فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا} هشيما متكسرا {وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ} لمن كانت حياته على هذه الصّفة التي قصها اللّه عن الكفار وفي مقدمتهم النّمرود وفرعون وأبو جهل وأضرابهم، أما من يصرف أوقاته وأمواله في طاعة اللّه ورسوله والعمل الصالح فلهم عفو عام {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ} شامل في الآخرة {وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ} (20) لمن كرس نفسه لها وأعرض عن الآخرة لقد عدّ اللّه تعالى في هذه الآية من زخارف الدّنيا خمسة، وقد عدها في الآية 14 من آل عمران المارة سبعة، وفي غيرها ثلاثة وأقل، فالسعيد من اعتبر وترك قليلها وكثيرها رغبة فيما عند اللّه.
واعلم أن الغرور هو كلّ ما يمتع به الإنسان من مال أو جاه أو ولد، وكلّ ما يغره وجوده لديه فيأمل دوامه وهو فان لا محالة فهو غرور.
ثم اعلم أن كلّ آية مصدرة بلفظ اعلموا أو اعلم تدل على أهمية ما تدعو إليه ووجوب أخذ ما فيها بعين الاعتبار والنّظر إليها بالتفكر والتدبر والتروي.
قال تعالى: {سابِقُوا} أيها المؤمنون وتسابقوا {إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} ففي مثل هذا تكون المسابقة أيها النّاس وفي مثله تطلب المنافسة والتفاخر ويرغب بالتزايد والتكاثر لا في لعب الصّبيان ولهو الفتيات وزينة النساء وعذاب الأموال ووبال الأولاد، راجع الآية 133 من آل عمران المارة فيما يتعلق بقوله تعالى: {عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ} لأنها نظيرتها إلّا أنها مصدرة بلفظ سارعوا، وإلّا فأكثر ألفاظها تشابه هذه {ذلِكَ} الغفران والجنّة {فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ} من عباده فضلا منه {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} واعلم أنه يوجد في القرآن ستّ وخمسون آية مبدوءة بحرف السّين واعلموا أيها النّاس إن {ما أَصابَ} اللّه عباده وخلقه {مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ} من جدب وقلة ثمر وآفات للزروع والفروع {وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ} من الأمراض وفقد الأولاد والأموال وجمع الاكدار {إِلَّا} وهو ثابت مدون {فِي كِتابٍ} اللّه الأزلي مقصور وقوعه عليكم في الزمان والمكان {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها} قبل خلق الأرض لأنها خلقت قبل البشر والجن وغيرهما وقبل خلق الأنفس، لأن كلّ ما هو مقدر على الخلق من المصائب مدون عليهم قبل خلقهم، وهذا يقول اللّه تعالى: {إِنَّ ذلِكَ} أي إثباته في اللّوح المحفوظ قبل إيجاده للعيان مع كثرته {عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (22) هين إذ لا يعسر عليه شيء، وقد أخبركم بتقدير ذلك كله {لِكَيْلا تَأْسَوْا} تحزنوا وتهتموا {عَلى ما فاتَكُمْ} من الدّنيا، لأن فواته محتم، ولا يمكنكم الحصول عليه مهما طلبتموه {وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ} لأنه مقطوع بوصوله إليكم ولو لم تطلبوه، وهو لا يستوجب الفرح، لأنه فإن وأنتم فانون، وإن لم تتركوه يترككم.
وكثيرا ما يجر هذا الحطام إلى الفخر والخيلاء {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ} (23) هذا والمراد بالحزن المذموم وهو المخرج صاحبه عن دائرة الصّبر والتسليم لأمر اللّه لا مطلق الحزن، إذ لا يخلو إنسان منه، كما ان المراد بالفرح الملهي عن الشّكر لا مطلق الفرح الذي تنبسط منه النّفس بالطبع، فهذان لا بأس بهما وكذلك لا يحبّ {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بأموالهم على فقراء اللّه التي منحهم اللّه إياها {وَ} مع هذا فإنهم {يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ} ويعرض عما أراده اللّه منه {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ} عنه {الْحَمِيدُ} (24) لمن أطاعه.
قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا} محمدا فمن قبله {بِالْبَيِّناتِ} الحجج الواضحة والبراهين السّاطعة الدّالة على رسالتهم {وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ} المتضمن الشرائع التي أمروا بتبليغها لأقوامهم {وَالْمِيزانَ} أنزلناه معهم ليقيموا العدل بين أممهم، لأن المراد بالميزان هنا العدل الذي به قوام مصالح النّاس وملاك أمورهم وجماع تآلفهم وتواددهم، بدليل قوله: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} ولا يتظالموا فيما بينهم، فيعتدي القوي على الضّعيف والشّريف على الحقير لأنها فيه سواسية، والتفاضل إنما يكون بالأعمال، وقد يكون بالأموال والجاه والرّياسة المراعى فيها التقوى التي هي أساس كلّ خير من هذه الأشياء وغيرها.

.مطلب في الحديد ومنافعه وكونه من معجزات القرآن وما يعمل منه وما يستخرج فيه ويحتاج إليه:

{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} أحد بركات الأرض الأربع التي منحها اللّه عباده من هباته الجليلة وتخصيصاته العظيمة، والثاني الملح، والثالث الماء، والرّابع النّار، أي أصلها وهو عنصر الأوكسجين، وهذا من معجزات القرآن إذ تحقق لأهل هذا العصر أنه ينزل من السّماء.
قال الأستاذ الشّهير (ونودر فشلد) انه رأى ذرات الحديد في الثلج في شمالي سيبريا وأخبر عنه.
ومما يدل على عظمته إعادة العامل مع إمكان الاكتفاء بأداة العطف ووصفه بقوله جل قوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} ويطلق البأس على الحرب وعلى الموت، وهذا أعظم الآلات المؤثرة فيها بتأثير اللّه تعالى، وإنما نعته اللّه بهذا لما هو ثابت في علمه الأزلي المخبر عنه بقوله: {وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ} الآية 8 من سورة النّحل، أي ما لا تعلمونه من آلات الحرب والرّكوب التي ظهرت في هذا الزمن مما قد ينكرها العقل لولا بروزها للعيان كالبرق والهاتف والرّاد والقطر والبواخر التي تسيرها قوة الكهرباء (والبوصلة) الإبرة المغناطيسية التي لولاها لما تمكن أصحاب البواخر من التوغل في البحار، ولم يتسنّ لهم السّير في النّهار وقت الضّباب وتلبد الغيوم، والإبرة الدّالة على ترطب الجو وحدوث الأمطار والعواصف وغيرها من العجائب والغرائب من سرعة سير بعض السّيارات الذي هو فوق العقل، فضلا عن القذائف والصّواريخ والذرة وغيرها وما ندري ما يحدث بعد.
وللحديد دخل في العلاجات المهمة ومنافعه لا تعد ولا تدخل تحت الحصر، ولولاه لاستحال اختراع الأشياء المار ذكرها وغيرها كالقطر والبواخر التي هي كالجبال، ولا شيء يقوم مقامه من المعادن وإن كانت أثمن منه، كالفضة والذهب والأحجار الكريمة لأنها لا تصير سلاحا، ولا دبابات، ولا طائرات ولا ولا.
وخصوصا ما يتعلق بالكهرباء الذي لا يستغنى عنه في كثير من ذلك، والذي هو سر من أسرار اللّه الذي لم يدرك البشر ماهيته ولا كيفيته حتى الآن، ولهذا يقول اللّه تعالى: {وَمَنافِعُ} كثيرة فيه {لِلنَّاسِ} لا تحصى من الإبرة فما فوقها، ولا غنى لأحد عنه، وفي التعميم بعد التخصيص دلالة على عظيم حاجة البشر إليه {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ} أي أنه أنزل هذه الأشياء، لتلك الغايات المارة ولغيرها مما يظهره الزمان، ويظهر للناس {مَنْ يَنْصُرُهُ} ويقيم دينه من خلقه باستعمال العدل الذي يمكن إجراؤه أولا برسائل النّصح والإرشاد والوعظ والزجر، وثانيا باستعمال السّيف والرّمح والنّبل التي يقل فيها القتل وتؤثر في إجبار الباغي على إقامة العدل، وثالثا بالبنادق والمدافع والقذائف والصّواعق، ورابعا بالمدمرات الذرية والمهلكات الأخرى التي سيظهرها الزمن بما هو أعظم وأعظم ولا يقبله العقل مما سيعمله هذا البشر الذي انطوى فيه العالم الأكبر، وسخر له اللّه الحجر والمدر والماء والنّار والهواء، وجميع معادن الأرض الجامدة والسّائلة والقوية والرّخوة ليستخدمها فيما يظهره اللّه على يديه في إصلاح العالم وإفساده وإعماره وإبادته {وَ} يعلم من ينصر {رُسُلَهُ} الداعين إلى طريقه السّوي {بِالْغَيْبِ} أي ليؤمنوا به عن غير رؤية ويؤمنوا بالآخرة من غير مشاهدة، فهؤلاء الكرام الّذين آمنوا باللّه ورسله وبذلوا نفوسهم لإقامة العدل بين النّاس وطهارة الأرض ممن يكفر باللّه وهو يأكل رزقه، ويفسد ولا يصلح، قبل أن يروه في الآخرة، وقبل أن يشاهدوا ما وعدهم به على لسان رسلهم القائمين بتنفيذ أوامره ونواهيه في الدنيا، الطائعين له الطّاعة المحمودة المرجو ثوابها عنده.
واعلم أني كثيرا ما أستشهد بما يكون من غير المسلمين كما هي الحال هنا ولكن فيما يتعلق بأمور الدّنيا فقط لقوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ} الآية 7 من سورة الروم تدبر وتيقن {إِنَّ اللَّهَ} على نصر هؤلاء وأمثالهم {قَوِيٌّ} قادر على توفيقهم لما يريدون وعلى نصرهم على أعدائهم وإظهار كلمتهم وإيقاع الخذلان بهم وإلقاء الرّعب في قلوب مناوئيهم {عَزِيزٌ} (25) غالب لا يقاوم منبع لا يحاط به قادر على قهر أعدائه دون تكليف خلقه، وإنما أراد أن يكون النّصر على أيدي أوليائه ليكافئهم على ذلك في الآخرة.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ} فلا نبي من بعدهما إلا وهو من نسلهما وإن من تقدمهما كان من ذرية آدم {فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ} بهداية اللّه تعالى مقتف آثار أصوله الكرام {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ} (26) خارجون عن الطّاعة، وذلك بمقتضى ما هو مقدر في الأزل إذ جعل من ذريتهما من هو صالح لخلافته في أرضه، ومن هو لايق لعبادته وخدمته، ومن هو كافر مفسد لخلقه ولنفسه جاحد لربه ورسله وكتبه {ثُمَّ قَفَّيْنا} أتبعنا {عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا} واحدا تلو الآخر {وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} الذي هو آخر أنبياء بني إسرائيل {وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} ومشوا على دينه الحق في زمنه وإلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم: {رَأْفَةً وَرَحْمَةً} وهاتان الخلتان من صفات أصحاب محمد الآتية في آخر سورة الفتح {وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها} من تلقاء أنفسهم، وهذه الكلمة لم تكرر في القرآن، وهذه الجملة غير معطوفة على ما قبلها، كما أن جملة {ما كَتَبْناها} معترضة بينها وبين ما بعدها أي أن الرّهبانية جاؤا بها وألزموها أنفسهم {ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ} في الإنجيل الذي أنزلناه على رسولهم {إِلَّا} أنهم اخترعوها عفوا {ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ} عليهم، وذلك لكمال زهدهم في الدّنيا وتشبههم برسولهم، لأنه لم يتزوج وهو أزهد الأنبياء والرّسل عدا محمد صلوات اللّه عليهم وسلامه، والرّاهب هو الخائف الخاشي الخاشع لربه الفار بدينه عن الافتتان مبالغة في ترك الدّنيا وإعراضهم عن شهواتها، ولكنهم بعد أن أوجبوها على أنفسهم ومن بعدهم لم يقوموا بها كما ينبغي لها لقوله تعالى: {فَما رَعَوْها} خلفهم من بعدهم {حَقَّ رِعايَتِها} كما أراد مبتدعوها لأن القصد منها التباعد عن الشّهوات والتجافي عن الملذات والعكوف على العبادات، وهؤلاء مع الأسف صار أكثرهم على العكس، لأنهم انهمكوا في الدّنيا وانكبوا بكليتهم عليها وتوغلوا في الملاهي والمناهي ورغبوا في زينة الدّنيا وزخارفها وحب المال والجاه والرّياسة، واستحلوا لحوم الخنازير والخمرة، وقد ذمّ سيدنا عيسى عليه السلام الخنزير بقوله تجعلون الدّراري في أعناق الخنازير وقال لا أشرب بنت الكرم بعد اليوم.
وكان عيسى عليه السلام لا يشربها أبدا، وكان لا يأتي النّساء مع قدرته ترهبا وهضما لنفسه، وهو أول من سن المعمودية راجع الآية 7 فما بعدها من سورة مريم ج 2 تقف على مزاياه عليه السلام، وقال عيسى عليه السلام: من نظر إلى امرأة أجنبية يشتهيها فهو يزني، والآن اختلطت نساؤهم برجالهم وتركوا الختان وهو سنة ابراهيم، والغسل من الجنابة وهو من سنن الأنبياء وحرموا الطّلاق وهو ما لم يحرمه... افقهم لما يحبه ويرضاه من الأعمال.
روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق اللّه، ورجل كانت عنده أمة يطأها فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها وأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران».
ولما سمع أهل الكتاب هذه الآية قالوا للمسلمين من آمن بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن فله أجر واحد مثلكم فما فضلكم علينا؟
حينئذ أنزل اللّه تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} أي على تخصيص شيء من فضل اللّه ان لم يؤمنوا بمحمد، لأن لهم جرين إذا آمنوا وإلّا فلا أجر لهم البتة {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (29) الذي لا أعظم منه.
واعلم أن (لا) هنا ليست بزائدة ولم يؤت بها لتحسين الكلام فقط، بل هي نافية، لان الضّمير في قوله لا يقدرون عائد إلى الرسول وأصحابه، والتقدير هو إنما فعلنا ذكر لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل اللّه وإحسانه بأقوام معينين، وليعتقدوا {أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ} إلخ الآية، وهذا التأويل على هذا والتفسير به أولى من جعل لا زائدة، لأن فيها إضمار كلمة (وليعتقدوا) وفي تلك حذف كلمة (تخصيص شيء من فضل اللّه) والإضمار أوفى للمعنى من الحذف، لأن الكلام إذا افتقر للاضمار لم يوهم ظاهره باطلا أصلا، أما إذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهما ذلك.
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد موسى الأشعري عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال «مثل المسلمين واليهود والنّصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له إلى اللّيل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النّهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملناه باطل، فقال لهم اعملوا بقية يومكم لكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا واستأجر آخرين بعدهم، فقال اعملوا بقية يومكم لكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان صلاة العصر قالوا ما عملناه باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال أكملوا بقية يومكم فإن ما بقي من النهار يسير، فأبوا فاستأجر قوما أن يعملوا بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النّور اى أن اليهود والنّصارى لم ينفعهم عملهم لا متناعهم من إكماله، وإن المسلمين أكملوا عملهم الذي أمروا به ففازوا بنفعه كله في الآخرة».
هذا واللّه أعلم، وأستغفر اللّه، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم، وصلى اللّه وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين. اهـ.

.فصل في الوقف والابتداء في آيات السورة الكريمة:

.قال زكريا الأنصاري:

سورة الحديد مكية أو مدنية.
{الحكيم} تام وكذا {قدير} و{عليم} و{على العرش}.
{وما يعرج فيها} وكذا {أينما كنتم}.
{بصير} تام.
{والأرض} كاف.
{الامور} حسن.
{بذات الصدور} تام.
{بالله ورسوله} كاف وكذا {مستخلفين فيه}.
{كبير} حسن.
{مؤمنين} تام وكذا {إلى النور}.
{رحيم} حسن وكذا {والأرض}.
{وقاتل} تام وكذا {وقاتلوا} و{الحسنى} و{خبير} وكل من الاخيرين أتم مما قبله.
{وبأيمانهم} كاف.
{خالدين فيها} صالح.