فصل: فروق لغوية دقيقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فخوفه من هذا المقام: يوجب له خشوع القلب لا محالة وكلما كان أشد استحضارا له كان أشد خشوعا وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه.
والتأويل الثاني: أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه.
فعلى الأول: يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل.
وعلى الثاني: وهو أليق بالآية يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف والله أعلم.
فصل:
قال: الدرجة الثانية: ترقب آفات النفس والعمل ورؤية فضل كل ذي فضل عليك وتنسم نسيم الفناء.
يريد: انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما من فإنه يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما: من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق وقلة اليقين وتشتت النية وعدم تجرد الباعث من الهوى نفساني وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك وغير ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال.
وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك: فهو أن تراعي حقوق الناس فتؤديها ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها ولا تطالبهم بحقوق نفسك وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: العارف لا يرى له على أحد حقا ولا يشهد له على غيره فضلا ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب.
وأما تنسم نسيم الفناء: فلما كان الفناء عنده غاية جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقته وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من الروح وشدة تشبثها به ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء فاضله ومفضوله.
فصل:
قال الدرجة الثالثة: حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من مراءاة الخلق وتجريد رؤية الفضل.
أما حفظ الحرمة عند المكاشفة: فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة.
وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق: فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك.
وإنما المراد: أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم لها فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك والمعصوم من عصمه الله فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا: ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المكدى وابن المكدى ** وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيدا.
وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:
أنا الفقير إلى رب البريات ** أنا المسيكين في مجموع حالاتى

أنا الظلوم لنفسى وهي ظالمتي ** والخير إن يأتنا من عنده يأتى

لا أستطيع لنفسى جلب منفعة ** ولا عن النفس لى دفع المضرات

وليس لي دونه مولى يدبرني ** ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتى

إلا بإذن من الرحمن خالقنا ** إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات

ولست أملك شيئا دونه أبدا ** ولا شريك أنا في بعض ذرات

ولا ظهير له كي يستعين به ** كما يكون لأرباب الولايات

والفقر لى وصف ذات لازم أبدا ** كما الغنى أبدا وصف له ذاتي

وهذه الحال حال الخلق أجمهم ** وكلهم عنده عبد له آتى

فمن بغى مطلبا من غير خالقه ** فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي

والحمد لله ملء الكون أجمعه ** ما كان منه وما من بعد قد ياتى

أما تجريد رؤية الفضل: فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من الله فهو المان به بلا سبب منك ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه.
والتجريد: هو تخليص شهود الفضل لوليه حتى لا ينسبه إلى غيره وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه وإنما الشأن في تجريده في الشهود ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر والله أعلم.
فصل:
فإن قيل: مما تقولون في صلاة من عدم الخشوع في صلاته: هل يعتد بها أم لا؟.
قيل: أما الاعتداد بها في الثواب: فلا يعتد له فيها إلا بما عقل فيه منها وخشع فيه لربه.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: (ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها).
وفى المسند مرفوعا: «إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها».
وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها ثوابا لكان من المفلحين.
وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء: فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعا وكانت السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها.
وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها فأوجبها أبو عبد الله بن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه لا في وسيطه وبسيطه.
واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائى.
قالوا: ولأن الخشوع والعقل: روح الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها؟.
قالوا: ولو ترك العبد واجبا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصارت بمنزلة العبد الميت إذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت.
وقال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى؟ والله طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب: صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه.
قالوا: وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع: تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل؟.
قالوا: والأعضاء تابعة للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائما بعبوديته فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون؟.
قالوا: وفي الترمذى وغيره مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل» وهذا إما خاص بدعاء العبادة وإما عام له ولدعاء المسألة وإما خاص بدعاء المسألة الذي هو أبعد فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خاص حقه من قلب غافل.
قالوا: ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغافل لا قصد له فلا عبودية له.
قالوا: وقد قال الله تعالى: [17: 4، 5] {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت كما قال ابن مسعود وغيره وإما عن الحضور والخشوع والصواب: أنه يعم النوعين فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب أو عن إخلاصها وحضورها الواجب ولذلك وصفهم بالرياء ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء.
قالوا: ولو قدرنا أنه السهو عن واجب فقط فهو تنبيه على التوعد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوه:
أحدها: أن الوقت يسقط في حال العذر وينتقل إلى بدله والإخلاص والحضور لا يسقط بحال ولا بدل له.
الثاني: أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور فيجوز الجمع بين الصلاتين للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ولا حضور كالمسافر والمريض وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع كما نص عليه أحمد وغيره.
فبالجملة: مصلحة الإخلاص والحضور وجمعية القلب على الله في الصلاة: أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة أو اعتدال في ركن أو ترك حرف أو شدة من القرآن أو ترك تسبيحه أو قول: (سمع الله لمن حمده) أو قول: (ربنا ولك الحمد) أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه ثم يصححها مع فوات بها ومقصودها الأعظم وروحها وسرها.
فهذا ما احتجت به هذه الطائفة وهي حجج كما تراها قوة وظهورا.
قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه فيذكره ما لم يكن يذكر يقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لا يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس».
قالوا: فأمره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتى لم يدركم صلى: بأن يسجد سجدتي السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت باطلة كما زعمتم لأمره بإعادتها.
قالوا: وهذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة ولهذا سماها النبي صلى الله عليه وسلم المرغمتين وأمر من سها بهما ولم يفصل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير والغالب والمغلوب وقال: «لكل سهو سجدتان» ولم يستثن من ذلك السهو الغالب مع أنه الغالب.
قالوا: ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة وأما حقائق الإيمان الباطنة: فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب فلله تعالى حكمان: حكم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح وحكم في الأخرة على الظواهر والبواطن ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانية المنافقين ويكل أسرارهم إلى الله تعالى فيناكحون ويرثون ويورثون ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة وأحكام الثواب والعقاب ليست إلى البشر بل إلى الله والله يتولاه في الدار الآخرة.
قالوا: فنحن في حكم شرائع الإسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمرائى مع أنه لا يسقط عنه العقاب ولا يحصل له الثواب في الآخرة فصلاة المسلم الغافل المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره أولى بالصحة.
نعم: لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلا ولا آجلا فإن للصلاة مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة والفرح والسرور واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله وحضر قلبه بين يديه كما يحصل لمن قربه السلطان منه وخصه بمناجاته والإقبال عليه والله أعلى وأجل.
وكذلك ما يحصل هذا من الدرجات العلى في الآخرة ومرافقة المقربين.
كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض وليس كلامنا في هذا كله فإن أردتم وجوب الإعادة: لتحصل هذه الثمرات والفوائد: فذاك إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا.
وهذا القول الثاني أرجح القولين والله أعلم. اهـ.

.فروق لغوية دقيقة:

الفرق بين غاية الشيء ومداه ونهايته وحده وآخره وما يجري مع ذلك.

.الفرق بين غاية الشيء والمدى:

أن أصل الغاية الراية وسميت نهاية الشيء غايته لأن كل قوم ينتهون إلى غايتهم في الحرب أي رايتهم ثم كثر حتى قيل لكل ما ينتهى اليه غايه ولكل غايه نهاية والأصل ما قلناه ومدى الشيء ما بينه وبين غايته والشاهد قول الشاعر من الطويل ولم ندر إن جضنا عن الموت جيضة كم العمر باق والمدى متطاول يعني مدى العمر والمعنى أن الأمل منفسح لما بينه وبين الموت ومن ذلك قولهم هو مني مدى البصر أي هو حيث يناله بصري كأن بصري ينفسح بيني وبينه ثم كثر حتى قيل للغاية مدى كما يسمى الشيء باسم ما يقرب منه.

.الفرق بين الأمد والغاية:

أن الأمد حقيقة والغاية مستعارة على ما ذكرنا ويكون الأمد ظرفا من الزمان والمكان فالزمان قوله تعالى: {فطال عليهم الأمد} والمكان قوله تعالى: {تود لو أن بينهما وبينه امد بعيدا}.

.الفرق بين آخر الشيء ونهايته:

أن آخر الشيء خلاف أوله وهما اسمان والنهاية مصدر مثل الحماية والكفاية إلا أنه سمي به منقطع الشيء فقيل هو نهايته أي منتهاه وخلاف المنتهى المبتدأ فكلما أن قولك المبتدا يقتضي ابتداء فعل من جهة اللفظ وقد انتهى الشيء إذا بلغ مبلغا لا يزاد عليه وليس يقتضي النعاية منهى إليه ولو اقتضى ذلك لم يصح أن يقال للعالم نهاية وقيل النهاية منتهى إليه ولو اقتضى ذلك لم يصح أن يقال لعالم نهاية وقيل الدار الآخرة لأن الدنيا يؤدي إليها والدنيا بمعنى الولى وقيل دار الاخرة كما قيل مسجد الجامع والمراد مسجد اليوم الجامع ودار الساعة الآخرة وأما حق اليقين فهو كقولك محض اليقين ومن اليقين وليس قول من يقول هذه إضافة الشيء إلى نعته بشيء لأن الإضافة توجب دخول الأول في الثاني حتى يكون في ضمنه والنعت تحليه وإنما يحلى بالشيء الذي هو بالحقيقة ويضاف إلى ما هو غيره في الحقيقة تقول هذا زيد الطويل فالطويل هو زيد بعينه ولو قلت زيد الطويل وجب أن يكون زيد غير الطويل ويكون في تلك الطويل ولا يجوز إضافة الشيء إلا إلى غيره أو بعضه فغيره نحو عبد زيد وبعضه نحو ثوب حرير وخاتم ذهب أي من حرير ومن ذهب وقال المازني عام الأول إنما هو عام زمن الأول.