فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



تم تفسير سورة (الحديد) والحمد لله. اهـ.

.قال الألوسي:

{يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ}.
استظهر أبو حيان كون الخطاب لمن آمن من أمته صلى الله عليه وسلم غير أهل الكتاب والآثار تؤيد ذلك، أخرج الطبراني في (الأوسط) عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قالا: إن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه أحدًا فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا: يا رسول الله إنا أهل ميسرة فأذن لنا نجيء بأموالنا نواسي بها المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم: {الذى الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا} إلى قوله سبحانه: {أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} [القصص: 52، 54] فجعل لهم أجرين فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فأنزل الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ} الآية أي رادًا عليهم قولهم: ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم.
وفي (الكشاف) إن قائل ذلك من لم يكن آمن من أهل الكتاب قالوه حين سمعوا تلك الآية يفخرون به على المسلمين، والمعنى يا أيها الذين اتصفوا بالايمان {اتقوا الله} أثبتوا على تثواه عز وجل فيما نهاكم عنه.
{وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ} وأثبتوا على الايمان برسوله الذي أرسله إليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من الدلالة على جلالة قدره عليه الصلاة والسلام {يُؤْتِكُمْ} بسبب ذلك.
{كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} قال أبو موسى الأشعري: ضعفين بلسان الحبشة، وقال غير واحد: نصيبين، والمراد إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب كأنه قيل: يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في الايمان بالرسل المتقدمين وبخاتمهم صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين لاتفرقون بين أحد من رسله.
وقال الراغب: الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه تكفل بأمره، والكفلان هما المرغوب فيهما بقوله تعالى: {رَبَّنَا ءاتِنَا في الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً} [البقرة: 201].
{وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} يوم القيامة وهو النور المذكور في قوله تعالى: {يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم} [الحديد: 12] {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ما سلف منكم {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغ في المغفرة والرحمة فلا بدع إذا فعل سبحانه ما فعل، وقوله تعالى: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شيء مّن فَضْلِ الله} قيل: متعلق بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا الخ، وقيل: متعلق بالأفعال الثلاثة قبله على التنازع، أو بمقدر كفعل ذلك وأعلمهم ونحوه و{لا} مزيدة مثلها في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] ويجوز زيادتها مع القرينة كثيرًا و{إن} مخففة من الثقيلة واسمها المحذوف ضمير أهل الكتاب أي أنهم، وقيل: ضمير الشأن وما بعد خبرها والجملة في حيز النصب على أنها مفعول يعلم أي ليعلم أهل الكتاب القائلون من آمن بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئًا من فضل الله من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئًا ما لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام فقولهم: من لم يؤمن بكتابكم فله أجر باطل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت {أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} [القصص: 54] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لنا أجران ولكم أجر فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ} [الحديد: 28] إلخ فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب، وقال الثعلبي: فأنزل الله تعالى: {مّسْتَقِيمٍ يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله} الآية فجعل لهم أجرين وزادهم النور ثم قال سبحانه: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ} إلخ، وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم، وقوله تعالى: {وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله} عطف على أن لا يقدرون داخل معه في حيز العلم، وقوله سبحانه: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} خبر ثان لأن أو هو الخبر وما قبله على ما قيل: حال لازمة أو استئناف، وقوله عز وجل: {والله ذُو الفضل العظيم} اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله.
وذهب بعض إلى أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو لمن يؤمن منهم بعد، فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أي أثبتوا على الايمان به أو أحدثوا الايمان به عليه الصلاة والسلام يؤتكم نصيبين من رحمته نصيبًا على إيمانكم بمن آمنتم به أولًا ونصيبًا على إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم آخرًا ليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب أنهم لا ينالون شيئًا مما يناله المؤمنون منهم ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الايمان برسوله صلى الله عليه وسلم، وأيد ذلك بما في (صحيح البخاري) «من كانت له أمة علمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها وأعتقها وتزوجها فله أجران، وأيمارجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وأيما مملوك أدى حق الله تعالى وحق مواليه فله أجران» ولا إشكال في ذلك بالنسبة إلى النصارى، ولذا قيل: الخطاب لهم لأن ملتهم غير منسوخة قيل ظهور الملة المحمدية ومعرفتهم بها فيثابون على العمل بها حتى يجب عليهم الايمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فإذا آمنوا أثيبوا أيضًا فكان لهم ثوابان، نعم قد يستشكل بالنسبة إلى غيرهم لأن مللهم منسوخة بملة عيسى عليه السلام والمنسوخ لا ثواب في العمل به، ويجاب بأنه لا يبعد أن يثابوا على العمل بملتهم السابقة وإن كانت منسوخة ببركة الإسلام.
وأجاب بعضهم أن الإثابة على نفس إيمان ذلك الكتابي بنبيه وإن كان منسوخ الشريعة فإن الإيمان بكل نبي فرض سواء كان منسوخ الشريعة أم لا، وقيل: إن {لا} في {لاِنْ لاَ يَعْلَمَ} غير مزيدة وضمير لا يقدرون للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي فعلنا ما فعلنا لئلا يعتقد أهل الكتاب أن الشأن لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به على شيء من فضل الله تعالى الذي هو عبارة عما أوتوه من سعادة الدارين ولا ينالونه، أو أنهم أي النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنون لا يقدرون الخ، على أن عدم علمهم بعدم قدرتهم على ذلك كناية عن علمهم بقدرتهم عليه فيكون قوله سبحانه: {وَأَنَّ الفضل} إلخ معطوفًا على أن لا يعلم داخلًا معه في حيز التعليل دون أن لا يقدر فكأنه قيل: فعلنا لئلا يعتقدوا كذا ولأن الفضل بيد الله فيكون من عطف الغاية على الغاية بناءًا على المشهور ولتكلف هذا القيل مع مخالفته لبعض القراءات لم يذهب إليه معظم المفسرين، وقرأ خطاب ابن عبد الله {لأن لا يعلم} بالإظهار، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، والجحدري وعبد الله بن سلمة على اختلاف {ليعلم}، وقرأ الجحدري أيضًا {وليعلم} على أن أصله لئن يعلم فقلبت الهمزة ياءًا لكسرة ما قبلها وأدغمت النون في الياء بغير غنة، وروى ابن مجاهد عن الحسن ليلًا مثل ليلى اسم المرأة {يَعْلَمْ} بالرفع، ووجه بأن أصله لأن لا بفتح لام الجر وهي لغة وعليه قوله:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ** تمثل لي ليلى بكل سبيل

فحذفت الهمزة اعتباطًا وأدغمت النون في اللام فصار للا فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها فأبدلوا من اللام المدغمة ياءًا نظير ما فعلوا في قيراط ودينار حيث أن الأصل قراط ودنار فأبدلوا أحد المثلين فيهما ياءًا للتخفيف فصار ليلا ورفع الفعل لأن أن هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع، وروى قطرب عن الحسن أيضًا {ليلًا} بكسر اللام ووجهه كالذي قبله إلا أن كسر اللام على اللغة الشهيرة في لام الجر؛ وعن ابن عباس {كي يعلم}، وعنه أيضًا {لكيلا يعلم}، وعن عبد الله وابن جبير وعكرمة {لكي يعلم}.
وقرأ عبد الله {أن لا يقدروا} بحذف النون على أن إن هي الناصبة للمضارع، والله تعالى أعلم.
ومما ذكره المتصوفة قدست أسرارهم في بعض آياتها: {هُوَ الأول والاخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] قالوا: هو إشارة إلى وحدانية ذاته سبحانه المحيطة بالكل، وقالوا في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] إشارة إلى أنهم لا وجود لهم في جميع مراتبهم بدون وجوده عز وجل، وقوله تعالى: {يُولِجُ الليل في النهار وَيُولِجُ النهار في الليل} [الحديد: 6] إشارة إلى ظهور تجلي الجلال في تجلي الجمال وبالعكس {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] إشارة للمشايخ الكاملين إلى تربية المريدين بإفاضة ما يقوي استعدادهم مما جعلهم الله تعالى متمكنين فيه من الأحوال والملكات.
وقال سبحانه: {اعلموا أَنَّ الله يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} [الحديد: 17] لئلا يقنط القاسي من رحمته تعالى ويترك الاشتغال بمداواة القلب الميت {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] أوردها الصوفية في باب الرعاية وقسموها إلى رعاية الأعمال والأحوال والأوقات ويرجع ما قالوه فيها على ما قيل إلى حفظها عن إيقاع خلل فيها {فاسقون يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} أي نصيبين نصيبًا من معارف الصفات الفعلية ونصيبًا من معارف الصفات الذاتية {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا} من نور ذاته عز وجل وهو على ما قيل: إشارة إلى البقاء بعد الفناء، وقيل: هذا النور إشارة إلى نور الكشف والمشاهدة رتب سبحانه جعله للمؤمن على تقواه وإيمانه برسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو نور العلم النافع الذي يتمكن معه من السير في الحضرات الإلهية كما يشير إليه وصفه بقوله عز وجل: {تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28]؛ وفي بعض الآثار (من عمل بما علم علمه الله تعالى علم ما لم يعلم) وقال سبحانه: {اتقوا الله وَيُعَلّمُكُمُ الله} [البقرة: 282] وكل ذلك في الحقيقة فضل الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل العظيم نسأله سبحانه أن لا يحرمنا من فضله العظيم ولطفه العميم وأن يثبتنا على متابعة حبيبه الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسليم. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ}.
الغالب في القرآن أن الذين آمنوا لقب للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ولكن لما وقع {يا أيها الذين آمنوا} هنا عقب قوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27]، أي من الذين اتبعوا عيسى عليه السلام، احتمل قوله: {يا أيها الذين آمنوا} أن يكون مستعملًا استعماله اللَّقبي أعني: كونه كالعلَم بالغلبة على مؤمني ملّة الإسلام.
واحتمل أن يكون قد استُعمل استعمالَه اللُّغوي الأعَمَّ، أعني: من حصل منه إيمان، وهو هنا من آمن بعيسى.
والأظهر أن هذين الاحتمالين مقصودَاننِ ليأخذ خُلص النصارى من هذا الكلام حظهم وهو دعوتهم إلى الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ليستكملوا ما سبق من اتباعهم عيسى فيكون الخطاب موجهًا إلى الموجودين ممن آمنوا بعيسى، أي يا أيها الذين آمنوا إيمانًا خالصًا بشريعة عيسى اتقوا الله واخشَوْا عقابه واتركوا العصبية والحسد وسوء النظر وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأما احتمال أن يراد بالذين آمنوا الإِطلاق اللقبي فيأخذَ منه المؤمنون من أهل الملة الإِسلامية بشارةً بأنهم لا يقلّ أجرهم عن أجر مؤمني أهل الكتاب لأنهم لما آمنوا بالرسل السابقين أعطاهم الله أجر مؤمني أهل مِللهم، ويكون قوله: {وآمنوا} مستعملًا في الدوام على الإِيمان كقوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} في سورة [النساء: 136]، ويكون إقحام الأمر بالتقوى في هذا الاحتماللِ قصدًا لأن يحصل في الكلام أمر بشيء يتجدد ثم يُردفَ عليه أمر يفهم منه أن المراد به طلب الدوام وهذا من بديع نظم القرآن.
ومعنى إيتاء المؤمنين من أهل ملة الإسلام كفلين من الأجر: أن لهم مثل أجرَي من آمن من أهل الكتاب.
ويشرح هذا حديث أبي موسى الأشعري عن النبي في صحيح البخاري الذي فيه «مثل المسلمين واليهود والنصار كمثَل رجل استأجر أَجراء يعملون له، فعملت اليهود إلى نصف النهار، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط، ثم عمل المسلمون من العصر إلى الغروب على قيراطين، قال فيه: واستكمَلُوا أجر الفريقين كليهما» أي استكملوا مثل أجر الفريقين، أي أخذوا ضعف كل فريق.
وتقوى الله تتعلق بالأعمال وبالاعتقاد، وبعلم الشريعة وقد استدل أصحابنا على وجوب الاجتهاد للمتأهل إليه بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16].
وقوله: {اتقوا الله} أمر لهم بما هو وسيلة ومقدمة للمقصود وهو الأمر بقوله: {وآمنوا برسوله}.
ورتب على هذا الأمر ما هو جواب شرط محذوف وهو جملة {يؤتكم كفلين} إلخ المجزوم في جواب الأمر، أي يؤتكم جزاءً في الآخرة وجزاء في الدنيا فجزاء الآخرة قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} وقوله: {ويغفر لكم}، وجزاء الدنيا قوله: {ويجعل لكم نورًا تمشون به}.
والكِفل: بكسر الكاف وسكون الفاء: النصيب.
وأصله: الأجر المضاعف، وهو معرب من الحبشية كما قاله أبو موسى الأشعري، أي يؤتكم أجرين عظيمين، وكل أجر منهما هو ضِعف الآخر مماثل له فلذلك ثُني كفلين كما يقال: زوج، لأحد المتقاربين، وهذا مثل قوله تعالى: {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} [الأحزاب: 68] وقوله: {يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30].
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يوتَوْن أجورهم مرتيْن: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيئه وآمن بي، واتبعني، وصدقني فله أجران» الحديث.
ويتعلق {من رحمته} بـ {يؤتكم}، و(من) ابتدائية مجازيًا، أي ذلك من رحمة الله بكم، وهذا في جانب النصارى معناه لإِيمانهم بمحمد وإيمانهم بعيسى، أي من فضل الله وإكرامه وإلا فإن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجب عليهم كإيمانهم بعيسى وهو متمم للإِيمان بعيسى وإنما ضوعف أجرهم لما في النفوس من التعلق بما تدين به فيعسر عليها تركه، وأما في جانب المسلمين فهو إكرام لهم لئلا يفوقهم بعض من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى.
ويجوز أن يكون {من رحمته} صفةً لـ: {كفلين} وتكون (من) بيانية، والكلام على حذف مضاف، تقديره: من أثر رحمته، وهو ثواب الجنة ونعيمها.
وقوله: {ويجعل لكم نورًا تمشون به} تمثيل لحالة القوم الطالبين التحصيل على رضى الله تعالى والفوز بالنعيم الخائفين من الوقوع في ضد ذلك بحالة قوم يمشون في طريق بليل يخشون الخطأ فيه فيعطون نورًا يتبصرون بالثنايا فيأمنون الضلال فيه.
والمعنى: ويجعل لكم حالة كحالة نور تمشون به، والباء للاستعانة مثل: كتبت بالقلم.
والمعنى: ويُيسّر لكم دلالة تهتدون بها إلى الحق.
وجميع أجزاء هذا التمثيل صالحة لتكون استعارات مفردة، وهذا أبلغ أحوال التمثيل، وقد عرف في القرآن تشبيه الهدى بالنور، والضلال بالظلمة، والبرهان بالطريق، وإعماللِ النظر بالمشي، وشاع ذلك بعد القرآن في كلام أدباء العربية.
والمغفرة: جزاء على امتثالهم ما أمروا به، أي يغفر لكم ما فرط منكم من الكفر والضلال.
{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}.