فصل: قال الخطيب الشربيني:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



سبحان من خص الفلز بعزه ** والناس مستغنون عن أجناسه

وأذ أنفاس الهواء وكل ذي ** نفس فمحتاج إلى أنفاسه

نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلًا لأن الحاجة إلى النفس أمس. قال بعض المحققين هاهنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيرًا ما يعطى الأجر على تعلمه قوله: {وليعلم الله} ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها. ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفًا بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفًا من أن يجعل وليعلم الله ومعنى {بالغيب} غائبًا عنهم. قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خاليًا من النفاق والرياء وفي قوله: {إن الله قوي عزيز} رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.
وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي. عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في {فمنهم} للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال. والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله تعالى في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {رحماء بينهم} [الفتح: 29] قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على {جعلنا} لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولًا لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء. قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل. مجعولًا لله سبحانه؟ قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفًا ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى عليه السلام وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة}» الآية قال العلماء: لم يرد الله تعالى بقوله: {ابتدعوها} طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها. والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضًا وهو الخائف (فعلان) من رهب كخشيان من خشي. وقرئ بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب. وقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله. وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندبًا إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج. وفي قوله: {فما رعوها حق رعايتها} أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناسًا منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلمًا إلى المنافع الدنيوية. وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولًا عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلًا منهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن استقاموا على الطريقة. ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون. ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي بعيسى {اتقوا الله وآمنوا برسوله} محمد صلى الله عليه وسلم {يؤتكم كفلين} نصيبين {من رحمته} لإيمانكم أولًا بعيسى وثانيًا بمحمد صلى الله عليه وسلم {ويجعل لكم نورًا تمشون به} وهو النور المذكور في قوله: {يسعى نورهم} أو النور المذكور في قوله: {أو من ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس} [الأنعام: 122] ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} [القصص: 54] وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوةا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفًا، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءًا من عشرة.
ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية. قوله: {لئلا يعلم} الآية. أكثر المفسرين والنحويين على أن (لا) زائدة والمعنى ليعلم {أهل الكتاب} الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين. والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين {وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} وقيل: غير زائدة والضمير في {لا يقدرون} للرسول وأصحابه. والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم. اهـ.

.قال الخطيب الشربيني:

واختلف في سبب نزول قوله تعالى: {ألم يأن} أي: يحن ويدرك وينتهي إلى الغاية {للذين آمنوا} أي: أقرّوا بالإيمان {أن تخشع} أي: تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن {قلوبهم لذكر الله} أي: الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذبًا ويقوى في الدين من كان ضعيفًا فيعرض عن الفاني ويقبل على الباقي ولا يطلب لداء دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير القرآن، فقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وعن ابن مسعود رضى الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، وعن الحسن: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل ما تقرؤون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق، وقيل: كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت؛ وعن أبي بكر رضى الله عنه: أنّ هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدًا فنظر إليهم وقال: هكذا كنا حتى قست القلوب وقال الشاعر:
ألم يأن لي يا قلب أن نترك الجهلا ** وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا

وقوله تعالى: {وما نزل من الحق} أي: القرآن عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر لأن القرآن جامع للأمرين للذكر والموعظة أو أنه حق نازل من السموات؛ ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله تعالى، وقرأ نافع وحفص بتخفيف الزاي والباقون بالتشديد وقوله تعالى: {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل} أي: قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى معطوف على تخشع والمراد: النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله تعالى: {فطال عليهم الأمد} أي: الأجل لطول أعمارهم أو آمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم {فقست} أي: بسبب الطول {قلوبهم} أي: صلبت واعوجت بحيث لا تنفعل بالطاعات والخير فكانوا كل حين في تعنت جديد على أنبيائهم عليهم السلام يسألونهم المقترحات، وأما بعد أنبيائهم فابعدوا في القساوة فمالوا إلى دار الكدر وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات؛ قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل باتباع الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان؛ وعن أبي موسى الأشعري: أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاث مئة رجل قد قرؤوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاقرؤه ولا تطيلوا عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم {وكثير منهم} أخرجته قساوته عن الدين أصلًا ورأسا فهم {فاسقون} أي: عريقون في صفة الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي حدها لهم الكتاب حتى تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وقوله تعالى: {اعلموا أن الله} أي: الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء {يحيي} أي: على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه {الأرض} أي: بالنبات {بعد موتها} أي: يبسها تمثيل لإحياء الأموات بجميع أجسادهم وإفاضة الأرواح عليها كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة، ولإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته، لإحياء القلوب فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير بأحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض رابية بعد خشوعها وموتها.
ولما انكشف الأمر بهذه غاية الانكشاف أنتج قوله تعالى: {قد بينا} أي: على مالنا من العظمة {لكم الآيات} أي: العلامات النيرات {لعلكم تعقلون} أي: لتكونوا عند من يعلم ذلك ويمنعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدائم بالاستمرار.
وقرأ: {إن المصدقين} أي: العريقين في هذا الوصف من الرجال {والمصدقات} أي: من النساء، ابن كثير وشعبة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق بالإيمان والباقون بالتشديد فيهما من التصدق أدغمت التاء في الصاد أي: الذين تصدقوا وقوله تعالى: {وأقرضوا الله} أي: الذي له الكمال كله عطف على معنى الفعل في المصدقين لأنّ اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى أصدقوا كأنه قيل: إنّ الذين أصدقوا وأقرضوا الله {قرضًا حسنًا} أي: بغاية ما يكون من طيب النفس وإخلاص النية والنفقة في سبيل الخير وحسنه؛ كما قال الرازي: أن يصرف بصره عن النظر إلى فعله والنفقة وإلا متنا به وطلب العوض عليه {يضاعف} أي: ذلك القرض {لهم} من عشرة إلى سبعمائة كما مرّ لأنّ الذي كان له العرض كريم، وقرأ ابن كثير وابن عامر: بتشديد العين ولا ألف بينها وبين الضاد؛ والباقون بتخفيف العين وبينها وبين الضاد ألف {ولهم} أي: مع المضاعفة {أجر كريم} أي: ثواب حسن وهو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم.
ثم بين سبحانه وتعالى الحامل على الصدقة ترغيبًا فيه وهو الإيمان فقال تعالى: {والذين آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم {بالله} أي: الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام {ورسله} أي: كلهم لأجل ما لهم من النسبة إليه فمن كذب واحد منهم لم يكن مؤمنًا بالله تعالى: {أولئك} أي: هؤلاء العالو الرتبة {هم الصديقون} أي: الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه؛ وقال القشيري الصديق من استوى ظاهره وباطنه؛ ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص ولا يجنح للتأويلات؛ وقال مجاهد: كل من آمن بالله تعالى ورسله عليهم السلام فهو صدّيق وتلا هذه الآية؛ وقال الضحاك: الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضى الله عنهم ألحقه الله تعالى بهم لما عرف من صدق نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله، واختلف في نظم قوله تعالى: {والشهداء عند ربهم} أي: المحسن إليهم بالتربية لمثل تلك الرتبة العالية فمنهم من قال: هي متصلة بما قبلها والواو للنسق وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين، وقال الضحاك: هم التسعة الذين سميناهم رضي الله عنهم؛ وقال مجاهد: كل مؤمن صدّيق وشهيد وتلا هذه الآية، وقال قوم: تم الكلام عند قوله تعالى: {هم الصديقون} ثم ابتدأ بقوله تعالى: {والشهداء} فهو مبتدأ وخبره {لهم أجرهم} أي: جعله ربهم لهم {ونورهم} أي: الذي زادهموه من فضله برحمته قالوا: والواو للاستئناف وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومسروق وجماعة؛ ثم اختلفوا فيهم فمنهم من قال: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما وهو قول مقاتل بن حيان، وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله عز وجل.
ولما ذكر تعالى أهل السعادة جعلنا الله تعالى ووالدينا ومحبينا منهم جامعًا لأصنافهم أتبعهم أهل الشقاوة لذلك بقوله تعالى: {والذين كفروا} أي: ستروا ما دلت عليه الأدلة {وكذبوا بآياتنا} أي: على مالها من العظمة بنسبتها إلينا {أولئك} أي: هؤلاء البعداء من كل خير {أصحاب الجحيم} أي: النار التي هي غاية في توقدها وفي ذلك دليل على أنّ الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفًا، وأما غيرهم من العصاة فدخولهم فيها ليس على وجه الصحبة الدالة على الملازمة.
ثم بين سبحانه وتعالى الحامل على الصدقة ترغيبًا فيه وهو الإيمان فقال تعالى: {والذين آمنوا} أي: أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم {بالله} أي: الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام {ورسله} أي: كلهم لأجل ما لهم من النسبة إليه فمن كذب واحد منهم لم يكن مؤمنًا بالله تعالى: {أولئك} أي: هؤلاء العالو الرتبة {هم الصديقون} أي: الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه؛ وقال القشيري الصديق من استوى ظاهره وباطنه؛ ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص ولا يجنح للتأويلات؛ وقال مجاهد: كل من آمن بالله تعالى ورسله عليهم السلام فهو صدّيق وتلا هذه الآية؛ وقال الضحاك: الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضى الله عنهم ألحقه الله تعالى بهم لما عرف من صدق نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله، واختلف في نظم قوله تعالى: {والشهداء عند ربهم} أي: المحسن إليهم بالتربية لمثل تلك الرتبة العالية فمنهم من قال: هي متصلة بما قبلها والواو للنسق وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين، وقال الضحاك: هم التسعة الذين سميناهم رضي الله عنهم؛ وقال مجاهد: كل مؤمن صدّيق وشهيد وتلا هذه الآية، وقال قوم: تم الكلام عند قوله تعالى: {هم الصديقون} ثم ابتدأ بقوله تعالى: {والشهداء} فهو مبتدأ وخبره {لهم أجرهم} أي: جعله ربهم لهم {ونورهم} أي: الذي زادهموه من فضله برحمته قالوا: والواو للاستئناف وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومسروق وجماعة؛ ثم اختلفوا فيهم فمنهم من قال: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما وهو قول مقاتل بن حيان، وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله عز وجل.
ولما ذكر تعالى أهل السعادة جعلنا الله تعالى ووالدينا ومحبينا منهم جامعًا لأصنافهم أتبعهم أهل الشقاوة لذلك بقوله تعالى: {والذين كفروا} أي: ستروا ما دلت عليه الأدلة {وكذبوا بآياتنا} أي: على مالها من العظمة بنسبتها إلينا {أولئك} أي: هؤلاء البعداء من كل خير {أصحاب الجحيم} أي: النار التي هي غاية في توقدها وفي ذلك دليل على أنّ الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفًا، وأما غيرهم من العصاة فدخولهم فيها ليس على وجه الصحبة الدالة على الملازمة.