فصل: تفسير الآيات (9- 10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



واختلف في محمل هذا النهي على التحريم أو على الكراهة، وجمهور المالكية على أنه للتحريم، قال ابن العربي في (القبس): فإن كان قوله مخافة أن يُحزنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد انحسم التأويل، وإن كان من قول الراوي فهو أولى من تأويل غيره.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يتناجى أربعة دون واحد.
وأما تناجي الجماعة دون جماعة فإنه أيضًا مكروه أو محرم. اهـ.
وحكى النّووي الإِجماع على جواز تناجي جماعة دون جماعة واحتج له ابن التِّين بحديث ابن مسعود قال: فأتيته يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ملأٍ فساررته.
وحديث عائِشة في قصة فاطمة دالّ على الجواز.
وقال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما.
وأُلْحِقَ بالتناجي أن يتكلم رجلان بلغة لا يعرفها ثالث معهما.
والقول في استعمال {ثم يعودون لما نهوا عنه} في معناه المجازي وتعديته باللام نظير القول في قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3].
وكذلك القول في موقع {ثم} عاطفة الجملة.
وصيغة المضارع في {يعودون} دالة على التجدد، أي يكررون العدد بحيث يريدون بذلك العصيان وقلة الاكتراث بالنهي فإنهم لو عادوا إلى النجوى مرة أو مرتين لاحتمل حالهم أنهم نسوا.
و {ما نهوا عنه} هو النجوى، فعدل عن الإِتيان بضمير النجوى إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من التعليل لما بعدها من الوعيد بقوله: {حسبهم جهنم} على ما في الصلة من التسجيل على سفههم.
وقرأ الجمهور {يتناجون} بصيغة التفاعل من نَاجى المزيد.
وقرأه حمزة ورويس ويعقوب و{يَنْتَجُون} بصيغة الإِفتعال من نَجا الثلاثي المجرد أي سَارَّ غيره، والافتعال يَرِد بمعنى المفاعلة مثل اختصموا واقتتلوا.
والإِثم: المعصية وهو ما يشتمل عليه تناجيهم من كلام الكفر وذم المسلمين.
و {العدوان} بضم العين: الظلم وهو ما يدبرونه من الكيد للمسلمين.
ومعصيةُ الرسول مخالفة ما يأمرهم به ومن جملة ذلك أنه نهاهم عن النجوى وهم يعودون لها.
والياء للملابسة، أي يتناجون ملابسين الإِثم والعدوان ومعصية الرسول وهذه الملابسة متفاوتة.
فملابسة الإِثم والعدوان ملابسة المتناجَى في شأنه لفعل المناجين.
وملابسة معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ملابسة المقارنة للفعل، لأن نجواهم بعد أن نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها معصية وفي قوله: {نهوا عن النجوى} وقوله: {ومعصيت الرسول} دلالة على أنهم منافقون لا يهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينهَى اليهود عن أحوالهم.
وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود وهو قول مجاهد وقتادة، بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عباس أنها نزلت في المنافقين.
{الرسول وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله وَيَقولونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقول حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ}.
بعد أن ذكر حالهم في اختلاء بعضهم ببعض ذكر حال نياتهم الخبيثة عند الحضور في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يتتبعون سوء نياتهم من كلمات يتبادر منها للسامعين أنها صالحة فكانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم يخفتون لفظ (السلام عليكم) لأنه شعار الإِسلام ولما فيه من جمع معنى السلامة يَعدلون عن ذلك ويقولون: أَنْعِم صباحًا، وهي تحية العرب في الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا عوائد الجاهلية.
نقله ابن عطية عن ابن عباس.
فمعنى {بما لم يحيك به الله}، بغير لفظ السلام، فإن الله حيّاه بذلك بخصوصه في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا} [الأحزاب: 56].
وحيّاه به في عموم الأنبياء بقوله: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل: 59] وتحية الله هي التحية الكاملة.
وليس المراد من هذه الآية ما ورد في حديث: أن اليهود كانوا إذا حيّوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: السّامّ عليك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد عليهم بقوله: «وعليكم».
فإن ذلك وارد في قوم معروف أنهم من اليهود.
وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود كما علمت آنفًا ولو حمل ضمير {جاءوك} على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر.
أما هذه الآية ففي أحوال المنافقين، وهذا مثل ما كان بعضهم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم {رَاعِنا} [البقرة: 104] تعلّموها من اليهود وهم يريدون التوجيه بالرعونة فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} [البقرة: 104] ولم يُرد منه نهي اليهود.
ومعنى {يقولون في أنفسهم} يقول بعضهم لبعض على نحو قوله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتًا فسلّموا عن أنفسكم} [النور: 61].
وقوله: {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} [النور: 12]، أي ظن بعضهم ببعض خيرًا، أي يقول بعضهم لبعض.
ويجوز أن يكون المراد بـ {أنفسهم} مجامعهم كقوله تعالى: {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغًا} [النساء: 63]، أي قل لهم خاليًا بهم سترًا عليهم من الافتضاح.
وتقدم في سورة النساء [63] و{لولا} للتحضيض، أي هلا يعذبنا الله بسبب كلامنا الذي نتناجى به من ذم النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، أي يقولون ما معناه لو كان محمد نبيئًا لعذبنا الله بما نقوله من السوء فيه ومن الذم وهو ما لخصه الله من قولهم بكلمهِ {لولا يعذبنا الله} فإن {لولا} للتحْضيض مستعملة كناية عن جحد نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم أي لو كان نبيئًا لغضب الله علينا فلعذبنا الآن بسبب قولنا له.
وهذا خاطر من خواطر أهل الضلالة المتأصلة فيهم، وهي توهمهم أن شأن الله تعالى كشأن البشر في إسراع الانتقام والاهتزاز مما لا يرضاه ومن المعاندة.
وفي الحديث: «لا أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله، يدعون له نِدًّا وهو يرزقهم» على أنهم لجحودهم بالبعث والجزاء يحسبون أن عقاب الله تعالى يظهر في الدنيا وهذا من الغرور قال تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت: 23]، ولذلك قال تعالى ردًا على كلامهم: {حسبهم جهنم} أي كافيهم من العذاب جهنم فإنه عذاب.
وأصل {يصلونها} يصْلَون بها، فضمّن معنى يذوقونها أو يحسونها وقد تكرر هذا الاستعمال في القرآن.
وقوله: {فبئس المصير} تفريع على الوعيد بشأن ذم جهنم. اهـ.

.تفسير الآيات (9- 10):

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما نهى عن النجوى وذم على فعلها وتوعد عليه فكان ذلك موضع أن يظن أن النهي عام لكل نجوى وإن كانت بالخير، استأنف قوله مناديًا بالأداة التي لا يكون ما بعدها له وقع عظيم، معبرًا بأول أسنان الإيمان باقتضاء الحال له: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة {إذا تناجيتم} أي قلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سرًا {فلا تتناجوا} أي توجدوا هذه الحقيقة ظاهرة كتناجي المنافقين {بالإثم} أي الذنب وكل فعل يكتب بسببه عقوبة.
ولما عم خص فقال: {والعدوان} أي الذي هو العدو الشديد بما يؤذي وإن كان العادي يظن أنه لا يكتب عليه به إثم.
ولما كان السياق لإجلال النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لا تعرف حقيقة الإثم إلا منه قال تعالى: {ومعصيت الرسول} أي الكامل في الرسلية فإن ذلك يشوش فكره فلا يدعه يبلغ رسالات ربه وهو منشرح الصدر طيب النفس.
ولما علم أن نهيهم إنما هو عن شر يفسد ذات البين هو ما لا يريدون إطلاع النبي صلى الله عليه، صرح بقوله حثًا على إصلاح ذات البين لأن خير الأمور ما عاد بإصلاحها، وشر الأمور ما عاد بإفسادها: {وتناجوا بالبر} أي بالخير الواسع الذي فيه حسن التربية، ولما كان ذلك قد يعمل طبعًا، حث على القصد الصالح بقوله: {والتقوى} وهي ما يكون في نفسه ظاهرًا أنه يكون سترة تقي من عذاب الله بأن يكون مرضيًا لله ولرسوله.
ولما كانت التقوى أم المحاسن، أكدها ونبه عليها بقوله: {واتقوا الله} أي اقصدوا قصدًا يتبعه العمل أن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية.
ولما كانت ذكرى الآخرة هي مجمع المخاوف ولاسيما فضائح الأسرار على رؤوس الأشهاد قال: {الذي إليه} أي خاصة {تحشرون} أي تجمعون بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره، وهو يوم القيامة، فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير لا يخفى عليه خافية ولا تقي منه واقية تنكشف فيه سرادقات العظمة، ويظهر ظهورًا تامًا نفوذ الكلمة، ويتجلى في مجالي العز سطوات القهر، وتنبث لوامع الكبر، فإذا فعلتم ذلك مستحضرين لذلك لم تقدموا على شيء تريدون إخفاءه من النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك أقر لعينه وأطهر لكم.
ولما شدد سبحانه في أمر النجوى وكان لا يفعلها إلا أهل النفاق، فكان ربما ظن ظان أنه يحدث عنها ضرر لأهل الدين، قال سارًا للمخلصين وغامًا للمنافقين ومبينًا أن ضررها إنما يعود عليهم: {إنما النجوى} أي المعهودة وهي المنهي عنها، وهي ما كره صاحبه أن يطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: ما خيله الشيطان من الأحكام المكروهة للإنسان {من الشيطان} أي مبتدئه من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى فإنه الحامل عليها بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالفة لأوليائه.
ولما بين أنها منه، بين الحامل له على تزيينها فقال: {ليحزن} أي الشيطان ليوقع الحزن في قلوب {الذين آمنوا} أي يتوهمهم أنهم بسبب شيء وقع ما يؤذيهم، والحزن: هم غليظ وتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى، وقال في القاموس: أو أحزنه: جعله حزينًا، وحزنه: جعل فيه حزنًا.
فعلى هذا قراءة نافع من أحزن أشد في المعنى من قراءة الجماعة.
ولما كان ربما خيل هذا من من في قلبه مرض أن في يد الشيطان شيئًا من الأشياء، سلب ذلك بقوله: {وليس} أي الشيطان وما حمل عليه من التناجي، وأكد النفي بالجار فقال: {بضارّهم} أي الذين آمنوا {شيئًا} من الضرر وإن قل وإن خفي- بما أفهمه الإدغام {إلا بإذن الله} أي تمكين الملك المحيط بكل شيء علمًا وقدرة، روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه» ولما كان التقدير: فقد علم أنه لا يخشى أحد غير الله لأنه لا ينفذ إلا ما أراده، فإياه فليخش المربوبون، عطف عليه قوله: {وعلى الله} أي الملك الذي لا كفوء له، لا على أحد غيره {فليتوكل المؤمنون} أي الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم، فإنه القادر وحده على إصلاحها وإفسادها، ولا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا بجهره، فإنه إذا توكلوا عليه وفوضوا أمورهم إليه، لم يأذن في حزنهم، وإن لم يفعلوا أحزنهم، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة، وأما أصحاب البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة. اهـ.