فصل: وجوه الإعراب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.وجوه الإعراب:

1- قوله تعالى: {يفسح الله لكم} يفسح مضارع لأنه جواب الطلب، وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، ومثله {يرفع الله} مجزوم لأنه جواب الأمر كأنه قيل: إن تنشزوا يرفع الله عز وجل المؤمنين جزاء امتثالهم درجات.
2- قوله تعالى: {والذين أوتوا العلم درجات} قال أبو حيان: معطوف على {الذين آمنوا} عطف صفات.
والمعنى: يرفع الله المؤمنين العلماء درجات، فالوصفات لذات واحدة.
واختار الطيبي: أن يكون في اللفظ تقدير يناسب المقام نحو أن يقال: يرفع الله الذين آمنوا في الدنيا بالنصر وحسن الذكر، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات تعظيما لهم.
3- قوله تعالى: {ءأشفقتم أن تقدموا} أن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول لـ: {ءأشفقتم} والله أعلم.

.لطائف التفسير:

اللطيفة الأولى: لما نهى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عما يكون سببا للتباعض والتنافر، أمرهم في هذه الآيات بما يكون سببا لزيادة المحبة والمودة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الحرص على القر من رسول الله صلى الله عليه وسلم والجلوس بين يديه حرصا على استماع كلامه، فأمروا بالتوسعة على إخوانهم في المجلس تطييبا لقلوبهم، وهذا هو السر في مجيء الآيات عقب آيات النهي عن التناجي بالإثم والعدوان.
اللطيفة الثانية: ذكر تعالى في أول الآية مكانة المؤمنين، ثم عطف عليها بذكر مكانة العلماء، والعطف في مثل هذا الموطن هو من باب (عطف الخاص على العام) تعظيما لشأن العلماء، والعطف في مثل هذا الموطن هو من باب (عطف الخاص على العام) تعظيما لشأن العلماء كأنهم جنس آخر، ولذا أعيد اسم لموصول في النظم الكريم في قوله تعالى: {والذين أوتوا العلم درجات}.
اللطيفة الثالثة: الأمر للمؤمنين بالصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فوائد عديدة:
أولها: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم مناجاته.
ثانيها: نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة.
ثالثها: الزجر عن الإفراط في الأسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
رابعها: التمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الدنيا ومحب الآخرة.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة}: في هذا اللفظ استعارة يسميها علماء البلاغة (استعارة تمثيلية) وأصل التركيب يستعمل فيمن له يدان كالإنسان فقد استعار اليدين للنجوى، وقيل إنها (استعارة مكنية) حيث شبه النجوى بإنسان، وحذف المشبه به وهو الإنسان، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليدان على سبيل الاستعارة المكنية ومثله قوله تعالى: {بين يدي عذاب شديد} [سبأ: 46] وذكر اليدين تخييل.
اللطيفة الخامسة: أشاد القرآن بمنزلة العلماء الرفيعة، ومكانتهم السامية عند الله تعالى، ويكفيهم هذا الشرف والفخر وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين النبيين درجة» وقد ذكر بعض الظرفاء مناظرة رمزية بين (العقل والعلم) نذكرها لطرافتها قال بعض الأدباء:
علم العليم وعقل العاقل اختلفا ** من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا؟

فالعلم قال: أنا أدركت غايته ** والعقل قال: أنا الرحمن بي عرفا

فأفصح العلم إفصاحا وقال له: ** بأينا الله في فرقانه اتصفا؟

فبان للعقل أن (العلم) سيده ** فقبل (العقل) رأس العلم وانصرفا

.الأحكام الشرعية:

.الحكم الأول: ما المراد بـ (المجالس) في الآية الكريمة؟

اختلف المفسرون في المراد بالمجلس على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد به مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، وهو قول مجاهد.
والثاني: أن المراد به مجلس الحرب، ومقاعد القتال، حيث كانوا لحرصهم على الشهادة يأبون التوسع، وهو قول ابن عباس، والحسن.
والثالث: أن المراد به مجالس الذكر كلها، وهو قول قتادة وهو الأرجح.
قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين، أن يتفسحوا في المجلس، ولم يخصص بذلك مجلس النبي صلى الله عليه وسلم دون مجلس القتال، وكلا الموضعين يقال له: مجلس، فذلك على جميع المجالس، من مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالس القتال.
وقال القرطبي: والصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب، أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة، فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه.

.الحكم الثاني: هل يباح الجلوس مكان الشخص بدون إذنه؟

دلت الآية الكريمة على وجوب التوسع في المجلس للقادم، وهذا من مكارم الأخلاق التي أرشد إليها الإسلام، ولكن لا يباح للإنسان أن يأمر غيره بالقيام ليجلس مجلسه لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا».
وقد جرى الحكم أن من سبق إلى مباح فهو أولى به، والمجلس من هذا المباح، وعلى القادم أن يجلس حيث انتهى به المجلس، إلا أن الآداب الاجتماعية تقضي على الناس بتقديم أولي (الفضل والعلم) وبذلك جرى عرف الناس وعوائدهم في القديم والحديث.
ولقد كان هذا الأدب السامي شأن الصحابة في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا يقدمون بالهجرة، وبالعلم، وبالسن، وما فعله النبي عليه السلام في جماعة (ثابت بن قيس) من أهل بدر، فإنما كان لتعليم الناس مكارم الأخلاق، وخاصة من أهل الفضل والعلم، من المهاجرين والأنصار.
أ- روى ابن العربي بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وقد طاف به أصحابه، إذ أقبل علي بن أبي طالب فوقف وسلم، ثم نظر مجلسا يشبهه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه أصحابه أيهم يوسع له، وكان أبو بكر جالسا على يمين النبي صلى الله عليه وسلم فتزحزح له عن محله، وقال: ها هنا يا أبا الحسن! فجلس بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، فقال يا أبا بكر: إنما يعرف الفضل، لأهل الفضل، ذوو الفضل».
ب- وثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم، ثم قال: بهذا قدمت الفتى.
وإذا قام الإنسان من مجلسه لحاجة ثم رجع إليه فهو أحق بالمجلس لقوله عليه الصلاة والسلام: «من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به».

.الحكم الثالث: هل يجوز القيام للقادم إذا كان من أهل الفضل والصلاح؟

ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز القيام للقادم إذا كان مسلما من أهل الفضل والصلاح على وجه التكريم لأن احترام المسلم واجب، وتكريمه لدينه وصلاحه مما يدعو إليه الإسلام، لأنه سبيل المحبة والمودة، وقد قال عليه السلام: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه بوجهك».
فالقيام للقادم جائز على وجه التكرمة، إن لم يكن فاسقا، ولم يكن سبيلا للكبرياء والخيلاء، وما لم يصبح ديدنا للإنسان عند كل دخول أو خروج، وفي كل حين وآن فعند ذلك يكره.
قال العلامة ابن كثير: وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال، فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث (قوموا إلي سيدكم). ومنهم من منع من ذلك محتجا بحديث: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» ومنهم من فصل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة (سعد بن معاذ) فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكما في بني قريظة فرآه مقبلا قال للمسلمين: «قوموا إلى سيدكم» وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم.
أقول: جمهور العلماء على جواز القيام للقادم، إلا إذا كان فاسقا، أو عاصيا، أو مرتكبا لكبيرة، أو مشهورا بالكبر، وحب الظهور، وأما ما استدل به بعضهم من منع القيام بحديث: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما...» الحديث فليس فيه دليل لهم، لأن الرسول عليه السلام لم يطلق اللفظ وإنما قيده بوصف يدل على الكبرياء وحب الظهور «من أحب أن يتمثل له الناس قياما» ولم يقل صلوات الله (من قام له الناس فليتبوأ مقعده من النار) ولا شك أن هذا الوصف لا ينطبق إلا على المتكبر المغرور، والفرق دقيق بين اللفظين فلا ينبغي أن يغفل عنه.
وأما ما يقوله بعضهم: من أن القيام ركن من أركان الصلاة، فلذلك يحرم، لأنه يشبه العبادة... إلخ فهذا جهل مطبق لا يصدر من فقيه عالم يتصدى لاستنباط الأحكام!!
كيف والصلاة تشتمل على أركان كثيرة كالقعود، وقراءة القرآن، والتشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأقوال- كما هو مذهب الإمام الشافعي- فهل يقول أحد: إن الجلوس بين يدي العالم حرام لأنه ركن من أركان الصلاة؟ وإن تلاوة القرآن لا تجوز أمام أحد لأنها ركن من أركان الصلاة؟ وإن الصلاة على النبي عليه السلام حرام في حضرة الناس لأنها ركن من أركان الصلاة؟!!
وقياس القيام على الركوع والسجود في الحرمة، قياس مع الفارق، وهو قياس باطل، لأن الركوع والسجود لا يجوز لغير الله كما قال عليه السلام: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وقد ورد في تحريمه النص القاطع، أما القيام، والقعود، والاضطجاع، فليس من هذا القبيل، وكفانا الله شر الجهل، وحماقة المتطفلين على العلم والعلماء!!

.الحكم الرابع: هل الصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة؟

اختلف العلماء في قوله تعالى: {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} هل الأمر للوجوب أو الندب؟
فقال بعضهم: إن الأمر للوجوب، ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} ومثل هذا لا يقال إلا في الواجبات التي لا يصح تركها.
وقال آخرون: إن الأمر للندب والاستحباب، وذلك لأن الله تعالى قال في الآية: {ذلك خير لكم وأطهر} ومثل هذا قرينة تصرف الأمر عن ظاهره، وهو إنما يستعمل في التطوع دون الفرض.
ومن جهة أخرى: فإن الله تعالى قال في الآية التي بعد هذه مباشرة {ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات}؟ وهذا يزيل ما في الأمر الأول من احتمال الوجوب، ويبقى الأمر للندب.
واتفق العلماء على أن الآية منسوخة، نسختها الآية التي بعدها {ءأشفقتم أن تقدموا} وقد اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقيل: بقي التكليف عشرة أيام ثم نسخ، وقيل: ما بقي إلا ساعة من النهار ثم نسخ.
وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: (إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم، فكلما ناجيت الرسول صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد).
قال القرطبي: (وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن علي رضي الله عنه ضعيف، لأن الله تعالى قال: {فإذ لم تفعلوا} وهذا يدل على أن أحدا لم يتصدق بشيء، والله أعلم).